الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 5، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع تفسير الإمام السعدي للآية السابعة من سورة الفتح مبينًا أن جنود الله تشمل الملائكة والمؤمنين والجنود غير المرئية. ويؤكد أن تكرار الآية يرد على من ينكر الحكمة في أفعال الله تعالى مثبتًا عزة الله وحكمته في التدبير.
يوضح المقطع أدوار النبي صلى الله عليه وسلم كشاهد على أمته وعلى توحيد الله وكبشير بالطيبات للمطيعين ونذير بالعقوبات للعصاة. ويستدل بآيات قرآنية وأحاديث نبوية تبين أنه بين الخير والشر لأمته كما فعل الأنبياء من قبله.
يفصل المقطع الأمر بالإيمان بالله ورسوله مع التعزير والتوقير للنبي ﷺ كحق مختص به مبينًا خلاف المفسرين في ضمير التعزير والتوقير. ويستدل بقوله تعالى ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ على مشروعية التسبيح اللفظي أول النهار وآخره وأن أذكار المساء تكون بعد العصر.
يختم المؤلف تفسير الآيات بالحديث عن التسبيح والتقديس لله عبر الصلاة أو غيرها من العبادات. ويكتفي بما ذُكر في التفسير مع تفويض العلم لله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام السعدي رحمه الله عند قوله سبحانه وتعالى: ﴿ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾ [الفتح: 7]، قال رحمه الله: كرر الإخبار بأن له ملك السماوات والأرض وما فيهما من الجنود، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل، وأنه سينصر جنوده المنسوبة إليه، كما قال جل وعلا: ﴿ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ ﴾ [الصافات: 173]. جنود الرب سبحانه وتعالى كثيرة، فالملائكة جنوده في السماء، وفي الأرض أهل الإيمان، كما قال ابن عباس. وقال أيضًا بعض المفسرين: ربنا جل وعلا كل شيء تحت ملكه، فهو قادر أن يجعل له جنودًا غير هذه، غير المؤمنين. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ [الأحزاب: 9]. وجنودًا لم تروها هناك جنود لله جل وعلا في بدر نزلت الملائكة، وكذلك في الحديبية، وفي الفيل وقصة أبرهة أنزل الله عز وجل الطير الأبابيل، وأرسل الله عز وجل الدبر، فحمت عاصم بن ثابت رضي الله تعالى عنه، وغيرها من جنود الله جل وعلا التي يبعثها سبحانه وتعالى لمن أراد أن يؤدبه ويعاقبه. وهنا كرر الله عز وجل كما قال المؤلف الإخبار، ليعلم العباد أنه تعالى هو المعز المذل. وكذلك قال بعض المفسرين: إن الأولى كانت تهديدًا لكفار قريش، والثانية تهديدًا للمنافقين وجميع المشركين، أنا بعدما ذكر المنافقين والمشركين ذكر هذا الأمر، وأن الله عز وجل قادر عليهم، قد يذهبهم في لمحة بصر، لكن الله عز وجل له الحكمة البالغة، وهو الذي يعلم الأمور، والعزة له، والنصرة له سبحانه وتعالى. قال: ﴿ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴾، أي: قويًا غالبًا قاهرًا لكل شيء، ومع عزته وقوته حكيم في خلقه وتدبيره، يجري على ما تقتضي حكمته وإتقانه، فأفعاله كلها حكمة سبحانه وتعالى. لهذا غالبًا ما يختم الله عز وجل الآيات بهذه الأسماء العظيمة: العليم، الحكيم، الخبير، العزيز، ليبين صفاته العظيمة التي اتصف بها سبحانه وتعالى. ومن ذلك الحكمة في أفعاله سبحانه وتعالى، وفيه رد على بعض أهل البدع الذين ينكرون حكمة الله جل وعلا في الأفعال، سواء كانت الجبرية الجهمية، أو لا شَعر الذين أيضًا ينكرون أفعال الله جل وعلا وأنها ليست فيها حكمة، وهذا بعد عن كلام الله وعن القرآن، فالله عز وجل يصف أفعاله بالحكمة والعلم والعزة، وهؤلاء ينكرون هذا الباب. قال: ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ﴾ [الفتح: 8]. قال: إنا أرسلناك أيها الرسول الكريم شاهدًا لأمتك بما فعلوه من خير وشر، وشاهدًا على المقالات والمقاصد حقها وباطلها، وشاهدًا لله تعالى بالوحدانية والانفراد بالكمال من كل وجه، لأن الشاهد تقتضيه هذه الأمور كلها، فهو شاهد بوحدانية الله جل وعلا وانفراده وبكماله سبحانه وتعالى، وشاهد لأمته بما فعلوه من خير وشر، وشاهد أيضًا على المقالات والمقاصد من حق أو باطل، فجعله الله عز وجل شاهدًا. وقد كررها ربنا جل وعلا هذه الصفة في نبينا عليه الصلاة والسلام في أكثر من موضع، كما قال جل وعلا: ﴿ فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا ﴾ [النساء: 41]. فالنبي عليه الصلاة والسلام شهيد على أمته، والأنبياء شهداء على أممهم، وجعل الله عز وجل هذه الأمة تشهد لبعض الأمم، كما جاء في الحديث أنهم يشهدون لقوم نوح أو لنوح عليه السلام أنه بلغ قومه، من أين عرفوا ذلك؟ مما أخبرهم الله، فيشهدون أن نوحًا قد بلغ قومه وأبلغ الرسالة. قال رحمه الله: ﴿ وَمُبَشِّرًا ﴾ أي: من أطاع الله وأطاع الرسول بالثواب الدنيوي والديني والأخروي، ﴿ وَنَذِيرًا ﴾ لمن عصى الله بالعقاب العاجل والآجل. وهذا أيضًا ذكر بعض العلم أن الله عز وجل بشر بنبيه عليه الصلاة والسلام، أو بشر أمر الله أمر نبيه أن يبشر من أطاعه بالثواب الدنيوي والديني، وهذا واضح في الحديبية، فإنه كما تقدم أثابهم الله عز وجل بالأجر العظيم والنصر والفتح، هذا في الدنيا، بشرهم النبي عليه الصلاة والسلام بهذا الفتح، وفتح مكة، وكذلك فتحًا من بعد صلح الحديبية وهو فتح خيبر، ففتوحات عظيمة بشرها الله عز وجل، بشرها نبي الله صلى الله عليه وسلم لقومه. هذا في أمر الدنيا، أي في هذه الحياة، وأما في الآخرة فيبشرهم بجنات الله جل وعلا، كما حصل لهم في هذه الآيات، فقال: ﴿ لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الفتح: 5]. قال رحمه الله: من تمام البشارة والنذارة بيان الأعمال والأخلاق التي يبشر بها وينذر، فهو المبين للخير والشر، فما من خير إلا وبينه لأمته، وكذلك ما من شر إلا وحذرنا منه صلى الله عليه وسلم. ولهذا يقول عليه الصلاة والسلام مبينًا: «ما من نبي أنزله الله -أو بعثه الله- في قومه إلا وهو يبين لهم الخير والشر». وما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «إنه ما من نبي إلا ودل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينذرهم شر ما يعلمه لهم». فهذا من حق الأنبياء مما بعثهم الله عز وجل به، أنهم يبشرون ويدلون أقوامهم على الخير، ويحذرونهم من الشر ويبينونه لهم. وكذلك ﴿ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ ﴾ [الأنعام: 55]. قالوا: لهذا رتب على ذلك قوله: ﴿ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﴾ [الفتح: 9]، أي: بسبب دعوة الرسول لكم وتعليمه لكم ما ينفعكم، أرسلناه لتقوموا بالإيمان بالله ورسوله، المستلزم ذلك لطاعتهما في جميع الأمور. أي: هذا البشارة والنذارة يبين نبي الله دين الله لكم فتؤمنوا بالله ورسوله. قال: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ [الفتح: 9]، أي: تعزر الرسول صلى الله عليه وسلم باتباعه وبمحبته وبعدم مخالفته. ﴿ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أي: تعظموه وتمجدوه وتجلوه وتقوم بحقوقه، كما كانت له المنة العظيمة في رقابكم. وهذا على قول جمهور المفسرين أن قوله: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ الضمائر هنا تابعة للنبي عليه الصلاة والسلام، أن تعزر النبي وتوقر النبي. ومن العلماء من قال: أن التعزير والتوقير لله، كما أن التسبيح لله، فقال: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾، ولا شك أن التسبيح لا يكون إلا لله جل وعلا، لكن كأن الآية فيها فصل على قول من قال أن التعزير والتوقير للنبي عليه الصلاة والسلام، كأنه فيه فصل: ﴿ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ ﴾ أي: للنبي، ﴿ وَتُسَبِّحُوهُ ﴾ أي: لله جل وعلا. أي: تسبح الله، والتسبيح التنزيح، والمراد بالآية أن التسبيح هنا تنزيه وتقديس لله جل وعلا، فينزه الله عز وجل عن كل النقائص، ويثبت له كل الكمال، فينفع عنه الشرك والولد والصاحبة، وينزه سبحانه وتعالى عن ذلك لكمال توحيده سبحانه وتعالى، أو كمال توحده وانفراده جل وعلا بصفات الكمال سبحانه وتعالى. وأيضًا ﴿ تُسَبِّحُوهُ ﴾ قد يكون أمر بالتسبيح سواء كان في الصلاة أو في غيرها، أن يسبح العبد ربه جل وعلا، يقول: سبحان الله. ﴿ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ﴾ [الفتح: 9]، وهذا يدل على أنه أراد اللفظ، تسبيحه باللفظ، أن يسبح الرجل بكرة أي أول النهار، وأصيلًا أي آخر النهار. ولهذا استدل بمثل هذه الآيات الإمام ابن القيم على أن أذكار المساء تؤتى بها من بعد العصر، لأن العصيل هو بعد العصر وآخر النهار. قال: فذكر الله في هذه الآية الحق المشترك بين الله وبين رسوله وهو الإيمان بهما، والمختص بالرسول وهو التعزير والتوقير، أن المختص بالرسول يريد أن يرفع ربنا جل وعلا من شأن نبيه، وأن الواجب على أمته أن يعظموه ويوقروه ويؤدوا حقوقه، صلوات الله وسلامه عليه، التي أمر الله عز وجل بها، وأعظم الحقوق اتباعه وطاعته صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا من حقه محبته صلوات الله وسلامه عليه، والصلاة عليه، وغيرها مما أمر الله عز وجل به، وهو التسبيح له والتقديس بصلاة أو غيرها. طيب، فهذا الذي ذكره المؤلف في تفسير هذه الآيات، نكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.