تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 6

تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 6

الدرس في تفسير سورة الفتح من تفسير السعدي 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

سياق بيعة الرضوان وسببها في الحديبية

يتناول المحور خلفية بيعة الرضوان التي وقعت في الحديبية إثر ورود خبر مقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه أثناء المفاوضات، فبايع الصحابة النبي صلى الله عليه وسلم على الموت وعدم الفرار. كما يذكر موقف سلمة بن الأكوع رضي الله عنه وأسر المسلمين لبعض المشركين ثم عفو النبي الكريم عنهم.

تفاصيل بيعة الرضوان تحت الشجرة وأثرها اللاحق

يستعرض المحور وقائع البيعة تحت الشجرة حيث بايع ألف وأربعمائة صحابي على الثبات، وبايع النبي صلى الله عليه وسلم عن عثمان الغائب، وتخلف رجل واحد فقط. ويبرز أثر هذه البيعة العظيم في ثبات الصحابة يوم حنين عند نداء العباس: يا أصحاب الشجرة.

تفسير قوله تعالى "يد الله فوق أيديهم" ودلالة البيعة

يشرح المحور الآية الكريمة مثبتاً صفة اليدين لله تعالى تليقان بجلاله، ومبيناً أن مبايعة الصحابة للنبي صلى الله عليه وسلم هي في حقيقتها مبايعة لله. ويشير إلى أن من نكث العهد ضر نفسه، ومن أوفاه نال أجراً عظيماً، وأن هذه البيعة وقعت قبل كتابة الصلح وأثرت في المشركين فسارعوا إليه.

البيعة نصر لله ورسوله وختام المجلس

يؤكد المحور أن بيعة الرضوان تُعد نصراً مبيناً لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويختتم المتحدث بالتأكيد على الاكتفاء بما ذُكر مكرراً عبارة «نكتفي» عدة مرات دلالة على تمام الفائدة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة سعد رحمه الله تعالى عند قوله جل وعلا: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾. فقال المؤلف رحمه الله: فأخبر تعالى... أو قال: هذه البيعة التي أشار الله إليها هي بيعة الرضوان التي بايع الصحابة رضي الله عنهم فيها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أن لا يفرّوا عنه، فهي عقد خاص من لوازمه أن لا يفرّوا، ولو لم يبقَ منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيه. فهذه البيعة، هذه البيعة العظيمة، هذه من البركات العظيمة التي كانت في الحديبية، وهذه البيعة على صدق إيمان الصحابة رضي الله عنهم، وأنهم ينصرون الله، وأنهم ينصرون الله ورسوله. وسبب هذه البيعة، وسبب هذه البيعة: أن النبي عليه الصلاة والسلام أراد أن يرسل أحدًا إلى قريش يفاوضهم في الصلح، أي من أصحابه، فكلم عمر، فقال: يا رسول الله، أنت تعلم ما بيني وبينهم من العداوة، وأنه ليس لي أهل هناك، لكن أدلك على عثمان. فكلم نبي الله صلى الله عليه وعليه وسلم عثمان، فوافق، فذهب إلى قريش وإلى مكة، ودخل بجوار أبناء عمه سعيد بن العاص وغيرهم من آل بني أمية. وأول من استقبله خالد بن سعيد بن العاص ابن عمه، فاوضهم في ذلك، وكلمهم، فقالوا له: تتخلف قليلاً حتى نعطيك الجواب. وقالوا لعثمان رضي الله عنه: إن أردت أن تطوف بالبيت فطُف. فقال: والله لا أطوف. فقال: والله لا أطوف بالبيت حتى يطوف رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. ثم حبسوا عثمان، حبسوه، معناه: لم يجعلوه يخرج من مكة. فسرى إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم الخبر أن عثمان قد قُتل. فنادى عليه الصلاة والسلام في الناس بالمبايعة. قد كان في ذلك الوقت هناك أناس من المشركين في الحديبية، جاءوا لأجل الصلح، وبعضهم جاء لأجل أن ينظر من الذي يحصل. وهكذا حتى أن سلمة بن الأكوع قال: كنت في الحديبية، كان بجانبي أربع من الكفار، فسمعتهم يتكلمون في شيء لم أكن أرغب فيه، معنى ما أريد أسمعه، فتحولت من عنده. قال: حتى سمعت منادي رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم ينادي بالبيعة. قال: فجئتهم وشهرت عليهم سيفي، وقلت: إذا تحرك أحد منكم قطعت عنقه، أو هذا الذي في رأسه. قال: ثم سقتهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم. وحصل أيضًا شيء من الرمي بالنبل بين المسلمين والكفار، وساق كثير منهم من المسلمين هؤلاء الكفار أسرى حتى جاءوا بهم إلى رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم، بلغوا إلى أربعين رجلًا، فعفى عنهم النبي عليه الصلاة والسلام، كما سيأتي إن شاء الله تعالى في الآيات. وأيضًا كذلك بعد ذلك بايع النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة على هذه الحرب، وأنهم لا يفرّون، كما قال سلمة بن الأكوع. قال جابر: لم نكن بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى الموت، وإنما بايعناه على أن لا نفر. وقال سلمة: بايعناه على الموت. وكذلك أيضًا قال عبد الله بن زيد: على أنه بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الموت. وليس هناك تعارض بين كلام جابر وغيره من الصحابة، لأن قول جابر: على أن لا نفر، أي: حتى لو متنا، إنا ما نفر أبدًا من القتال. وهذه البيعة: أول من بايعها، بايع النبي صلى الله عليه وسلم، هو أبو سنان الأسدي، ثم اجتمع الناس وبايعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى من كثرتهم. وكانت المبايعة أن يضع النبي صلى الله عليه وسلم يده فوق أيديهم. حتى من كثرتهم كان عمر يحمل يد النبي عليه الصلاة والسلام حتى لا يصيبه شيء من التعب من كثرة الصحابة، كما قلنا. وبلغوا ألفًا وأربعمائة، فبايعهم النبي عليه الصلاة والسلام. ولم يحضر... أو كلهم حضر إلا عثمان رضي الله عنه، لما كان في مكة كان غائبًا. لكن النبي عليه الصلاة والسلام وضع يده لعثمان، قال: «وهذه يد عثمان». فقال ابن عمر وأنس: لا، يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم خير لعثمان من يده. معنى: النبي صلى الله عليه وسلم بايع لعثمان، معنى وضع يده: ثقة عظيمة من النبي صلى الله عليه وسلم أن عثمان لو كان موجودًا لبايع. فبايع النبي عليه الصلاة والسلام، وبايع الصحابة، إلا رجل كان عربيًا يقال له: الأشج بن قيس، وقيل آخر. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «كلكم يدخل الجنة إلا صاحب الجمل الأحمر». قال أنس: فقلنا: إله تعالى. وبايع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: «إني للقياي لإبلي أو بعيري أفضل لي من أن أبايع صاحبكم هذا». فلذلك قال: فرأيته يلتصق بناقته. والمهم أن هذه المبايعة حصلت في الحديبية. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة، لا يدخل النار رجل بايع تحت الشجرة». وهذه البيعة العظيمة لم تكن منسوخة، كما قال بعض أهل العلم أنها نُسخت، فلم تكن منسوخة، بل كانت صحابة على العهد وعلى عدم النكث. ولهذا لما تراجع الناس في حنين، بعد أن رشقهم الكفار هوازن وغطفان وغيرهم بالنبل، فرجع كثير من الصحابة إلى الخلف، وما بقي إلا النبي عليه الصلاة والسلام ومعه اثنا عشر رجلًا. فلما رأى ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، وأن الناس انكشفوا، قال: يا عباس، نادي في أصحاب الشجرة. فنادى العباس رضي الله عنه: يا أصحاب الشجرة. فلما سمعوا ذلك النداء، كأنهم كأنها العِشراء سمعت صوت ولدها عن الإبل التي في حملها العاشر، عندما تسمع ولدها تحن إليه كثيرًا. وهكذا الصحابة رضي الله عنهم لما سمعوا صوت العباس قالوا: لبيك، لبيك. واجتمع الصحابة رضي الله عنهم أصحاب الشجرة، وهزموا بعد ذلك غطفان وهوازن وثقيف ومن كان معهم في حنين. وهذا يدل على أثر هذه البيعة العظيمة. ولهذا أثنى الله عز وجل عليهم فيها، وكذلك أثنى على المبايعين: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ ﴾، معنى مبايعتهم لك هذه بيعة مع الله جل وعلا وعهد مع الله. ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾: فيها إثبات صفة اليد لله جل وعلا، وقد ثبتت في النصوص أن لله جل وعلا يدين تليقان بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى. ولهذا قال الله عز وجل: ﴿ وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ ﴾، أنا ذكر يد واحدة وهي بخيلة، قال الله عز وجل: ﴿ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ ﴾. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال: فهي عقد خاص من لوازمه أن لا يفرّ، ولو لم يبقَ منهم إلا القليل، ولو كانوا في حال يجوز الفرار فيه. أنا حتى لو كان يجوز الفرار، مثلاً للالتحاق للهزيمة أو كذا، لا يفرّ. ولهذا ذكره النبي صلى الله عليه وسلم في حنين. قال: فأخبر تعالى: إن الذين يبايعونك، حقيقة الأمر أنهم يبايعون، إنما يبايعون الله، ويعقدون العقد معه، حتى إنه من شدة تأكده أنه قال جل وعلا: ﴿ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ ﴾، أي: كأنهم بايعوا الله وصافحوه بتلك المبايعة. وكل هذا لزيادة التأكيد والتقوية، وحملهم على الوفاء بها، على أنهم لا ينكثوا هذا، ولا ينقضوا هذا العهد الذي بايعوا فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى الله عليه وعلى الله عليه وسلم. والأخبار التي جاءت أنه لم ينكث منهم أحد أبدًا، بل ظلوا على هذه المبايعة العظيمة، وكانوا يفدون دين الله ورسول الله بأموالهم وأنفسهم. قالوا: لهذا قال: ﴿ فَمَن نَّكَثَ ﴾، أي: فلم يفِ بما عاهد الله عليه، ﴿ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾، لأن وبال ذلك راجع عليه، أي: ضرر إنما يعود عليه. الله عز وجل غني عن كل أحد، غني سبحانه وتعالى عن نصرتهم، لكن هذا لهم، هذا الوفاء يكون لهم، ويكون جزاؤهم العظيم من الله. ﴿ فَمَن نَّكَثَ فَإِنَّمَا يَنكُثُ عَلَىٰ نَفْسِهِ ﴾، قال: لأن وبال ذلك راجع عليه وعقوبته واصل له. ﴿ وَمَنْ أَوْفَىٰ بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ ﴾، أي: أتى بها كاملًا موفّرًا، ﴿ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا ﴾، أي: لا يعلم عظمه وقدره إلا الذين آتاه إياه. فهي بيعة عظيمة، وسيأتي أيضًا في الآيات: لأن الله عز وجل قد رضي عنهم، رضي سبحانه وتعالى عن هؤلاء الذين بايعوا تحت الشجرة، فعلم ما في قلوبهم، فأنزل السكينة عليهم. ولهذا، ولهذا لما رأى المشركون مبايعة الصحابة للنبي عليه الصلاة والسلام، سارعوا في الصلح، فسارع سهيل في إكمال الصلح، سهيل بن عمرو، لما كان... لأن هذه البيعة حصلت على الصحيح مما جاء في السيرة أنها حصلت قبل أن يقضي النبي صلى الله وسهيل الكتاب. فحصلت... هذا، فبايع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما رأى سهيل وغيرهم أن النبي عليه الصلاة والسلام أولًا منع عليهم وفك أسرهم، وإلا فقد أسروا سهيلًا وحفص الكارد وغيرهم ممن كان من المشركين في ذلك المكان، فعفى عنهم النبي عليه الصلاة والسلام. وأيضًا رأوا هول هذه المبايعة، وأنها مبايعة عظيمة، مبايعة للقتل أو للقتال. فلما رأى ذلك سهيل، سارع في الصلح، سارع في الصلح. فهي بيعة مباركة عظيمة، أثنى الله عز وجل عليها، وهي من بركات هذا الصلح، صلح الحديبية، ومن الفتوحات التي حصلت فيه هذه المبايعة. فهي بيعة تعتبر نصرًا لله ولرسوله صلى الله عليه وعلى وسلم. فهذا ما يذكر، ونكتفي بذلك، والله تعالى. ونكتفي، ونكتفي، ونكتفي، ونكتفي.