الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 42، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يبيّن المقطع مشروعية السفر والغربة لطلب الرزق الحلال أو العلم، مستشهداً بأبيات تحث على الرحيل عند ضيق العيش. ويوضح أن الزهد الحقيقي ليس كسلاً بل استغناء القلب مع العمل والسعي في مصالح الدنيا.
يوضح أن الزهد المشروع هو ترك ما لا ينفع في الآخرة لا تحريم ما أحل الله، ومن رُزق الزهد نال منزلة رفيعة. ويستشهد بقصة النفر الثلاثة الذين بالغوا في العبادة مبيناً أن الاعتدال في الحلال هو المنهج الصحيح.
يؤكد أن الزهد الحقيقي لا يعني ترك المباحات كالتزوج والعمل، بل اتباع سنة النبي صلى الله عليه وسلم الذي كان أزهد الناس مع ممارسته الحياة الطبيعية. ويستشهد بحديث النفر الثلاثة وقصة عثمان بن مظعون لبيان أن الرهبانية المبتدعة تخالف المنهج النبوي.
يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء لله أن يرزق الزهد والورع والتقوى وإخلاص العمل، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه. ويختتم بالحمد لله رب العالمين.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فمر معنا في الدرس الماضي الكلام حول السفر، وهكذا أيضًا الغربة والرحلة من الأوطان إلى البلاد، يشرق الشخص أو يغرب لكي ينال العلم أو ينال المال أو غير ذلك. وكم يا إخوان ممن شرقوا وغربوا رزقهم الله عز وجل من الرزق الحلال الذي لربما لا يوجد في البلد. وقد ذكر الشاعر صالح بن عبد القدوس، أحد شعراء الدولة العباسية، له قصيدة خالدة في هذا الباب، مطلعها: «فدع الصبا فلقد عداك زمانه ... وازهد فعمرك مر منه الأطيب» إلى أن بلغ في آخرها يقول: «وَإِذَا رَأَيْتَ الرِزْقَ عَزَّ بِبَلْدَةٍ ... وَخَشِيْتَ فِيهَا أَنْ يَضِيقَ المَذْهَبُ فَارْحَلْ فَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةَ الفَضَى ... طُولًا وَعَرْضًا شَرْقُهَا وَالْمَغْرِبُ» ثم ختم ذلك بقوله: «فَلَقَدْ نَصَحْتُكَ إِنْ قَبِلْتَ نَصِيحَتِي ... فَالنُصْحُ أَغْلَى مَا يُبَاعُوا وَيُوهَبُوا» وهذه أبيات جميلة يا إخوان نستفيد منها جميعًا. قال الإلبيري رحمه الله تعالى: «فليس الزهد في الدنيا خمولا ... لأنت بها الأمير إذا زهدت ولو فوق الأمير يكون فيها ... سمو وافتخار» كنت هنا يا إخوان، يبين رحمه الله تعالى أن الزهد ليس في الكسل، وليس في البطالة، وليس في أن ينقطع الشخص عن مصالحه وأموره المعيشية، كما لربما يظنه بعض الناس؛ فيبقى خاملًا، عاطلًا عن العمل، وعاطلًا عن الدراسة، ويظن أن هذا يعتبر زهدًا. النبي صلى الله عليه وسلم بيّن أن اليد العليا خير من اليد السفلى. والزهد يا إخوان الحقيقي هو بترك ما لا ينفع في الآخرة. عرّف بعضهم الزهد بأنه: ترك ما لا ينفع في الآخرة. فالشخص يا إخوان إذا رزقه الله عز وجل الزهد في الدنيا، فهذا يا إخوان يوفق إلى خير عظيم، وهكذا ييسر الله له من الفضل الشيء الكثير، فيجده ينال منزلة رفيعة ومكانًا كريمًا بين الناس، وهكذا أيضًا عند الله عز وجل. فهذا هو الأمير حقًا: «لأنت بها الأمير إذا زهدت ... ولو فوق الأمير يكون فيها سمو وافتخار». قال: «كنت أنت». فليس الزهد يا إخوان بترك الحلال. ما أباح الله لك: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاتَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. وهكذا الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾. في قصة النفر الثلاثة الذين جاءوا إلى بيوت النبي صلى الله عليه وسلم يسألون عن عبادته، فأخبروا، فكأنهم تقالّوها، فقالوا: أين نحن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال أحدهم: أما أنا فأقوم الليل ولا أنام. وقال الآخر: أما أنا فأصوم النهار ولا أفطر. وقال الثالث: أما أنا فلا أتزوج النساء، وفي رواية: لا آكل اللحم. ماذا يريدون يا إخوان؟ يريدون الخير، يريدون الرفع عند الله عز وجل، لكن لم يصيبوا السبيل إليها بهذه الأمور. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن حديث النفر الثلاثة، فغضب وصعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: «ما بال أقوام قالوا كذا وكذا؟ أما إني أخشاكم لله وأتقاكم له، أما إني أقوم من الليل وأنام، وأصوم من النهار وأفطر، وأتزوج النساء. فمن رغب عن سنتي فليس مني». ويقول سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «استأذن عثمان بن مظعون النبي صلى الله عليه وسلم في التبتل». والتبتل هو: ترك الزواج والاستمتاع، والعكوف على الطاعة والعبادة. قال سعد: «ولو أذن له لاختصينا». فلا يمنع يا إخوان أن يكون الشخص زاهدًا ويعمل في أعماله لأجل أن يتكسب رزقًا حلالًا يعف به نفسه، أو غيرها من الأمور المباحة التي لا تشغله عن الدار الآخرة وعمارتها. كان النبي صلى الله عليه وسلم أزهد الناس، وكان الصحابة أيضًا من الزهاد أزهد الناس، وكان منهم التاجر، والمزارع، ومنهم الطالب المتفرغ، ومنهم العامل، إلى غير ذلك، مع ما هم عليه من زهد في هذه الدنيا. وصدق الله إذ يقول: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ﴾. إذن نكتفي بهذين البيتين، ونسأل المولى جل وعلا أن يرزقنا زهدًا وورعًا وخيرًا وتقوى، وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى اللهم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.