الدرس في شرح منظومة أبي إسحاق الإلبيري 44، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يشرح المقطع بيتين من نظم أبي إسحاق الإلبيري يدعوان إلى امتثال النصائح المجمعة في المنظومة لأنها سبيل النجاح وإصلاح النفس. ويبين أن إطالة العتاب جاءت بسبب تقصير المنصوح وإطالته في البطالة واللهو، مع التنبيه إلى أن الأصل في النصيحة الاختصار إلا عند الحاجة.
يؤكد المقطع على أهمية الاعتذار عند الإطالة في النصيحة لجبر خاطر المنصوح، وأن النصيحة الصادقة تقتضي إرادة الخير مع الرفق واللين مستشهداً بقوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾. كما يشدد على أن النصيحة على انفراد أحرى بالقبول وينهى عن التشهير بعيوب المنصوح قبل نصحه.
تكون الخطبة صحيحة إذا اشتملت على ذكر الله وكلامه وحققت التذكير والنصح كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، ويجب أن تكون خطبتين يجلس بينهما الخطيب. ويزداد كمالها بإضافة الوصية بتقوى الله والدعاء للمسلمين والصلاة على النبي.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الناظم أبو إسحاق الإلبيري رحمه الله تعالى وغفر له ولنا ولوالدينا أجمعين: قال: "جمعت لك النصائح فامتثلها، حياتك فهي أفضل من امتثلت، وطولت العتاب فيه وزدت فيه، وطولت العتاب وزدت فيه، لأنك في البطالة قد أطلت". وأورد رحمه الله تعالى هذين البيتين بعد جملة من النصائح، وعدد كبير من التوجهات والإرشادات التي قدمها لهذا المنصوح. قال له: "جمعت لك النصائح فامتثلها"، ومعنى هذا أنه يقول: إن هذه المنظومة جمعت لك فيها وصايا مهمة وحكما جليلة، فما عليك إلا أن تعمل بهذه النصائح، وأن تمتثل وتستجيب لهذه الحكم، فاتبعها وسر عليها، وذلك يعتبر دليلا على النجاح وسبيلا إلى كذلكم أيضا إصلاح نفسك، وتغيير ما عندك من نقص، وهكذا من عيوب، وتنال بسبب ذلك منزلة رفيعة ودرجة عالية. ولهذا قال: "فهي أفضل من امتثلتا"، أي: هذه النصائح والحكم. ثم قال أيضا: "وطولت العتاب وزدت فيه، وطولت العتاب وزدت فيه". ما سبب ذلك؟ أجاب رحمه الله تعالى مبينا سبب هذه الإطالة: "لأنك في البطالة قد أطلت، لأنك في البطالة قد أطلت". وهذا يا إخوان فيه اعتذار من الناظم رحمه الله تعالى على تطويل النصيحة، وفيه بيان سبب هذا التطويل، وهو أن المخاطب، وأن المنصوح، حصل منه التقصير الكثير، وهكذا وقع في اللهو والباطل والإساءة كثيرا، ولم يأخذ نفسه بأخذ العزم، وهكذا أيضا الحزم، وهكذا أيضا الجد، فلأجل ذلك احتاج إلى تطويل النصيحة. وهنا يا إخوان أمران اثنان: الأول: أن الأصل في النصيحة أن تكون مختصرة، الأصل في النصيحة أن تكون مختصرة، فخير الكلام ما قلّ ودل، ما قلّ ودل، وما قلّ وكفى كان خيرا مما كثر وألهى، كثر وألهى. إلا أن الشخص أحيانا قد يحتاج إلى أن يطيل في نصحه، وأن يطيل في كلمته، وأن يطيل في خطبته، أحيانا قد يحتاج إلى هذا لمقام رآه، أو لحاجة يجدها عند الناس، أو غير ذلك. الأمر الثاني: هو الاعتذار عند الإطالة، الاعتذار عند الإطالة. يا إخوان، يحصل بسببها تطيب الخواطر، تطيب الخواطر. فإذا أطال في الحديث والنصح لإنسان، جبر خاطره بماذا؟ بهذا الاعتذار. وحين أن نتحدث حول النصح وما أدراك ما النصح، فالنبي صلى الله عليه وسلم جعل الدين في النصيحة، كما في حديث أبي رقية تميم الداري، قال عليه الصلاة والسلام: "الدين النصيحة". قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال: "لله ولكتابه، ولرسوله، ولأئمة المسلمين وعامتهم". ومن حق المسلم على أخيه المسلم: هو إذا استنصحه أن ينصح له، وإذا استنصحك فانصح له، فانصح له، أي: أخلصه النصيحة وأصدقه في النصح. والنصح يا إخوان، المقصود منها إرادة الخير للمنصوح. رأيت إنسانا على ذنب، إنسانا يرتكب جرما، إنسانا على بدعة، أنت المقصود من نصحك هو: كيف تنتشله من بؤرة الشر ومصدر الفساد وأماكن الضرر، إلى بر الأمان، وتحمله معك على سفينة النجاح. المقصود هو إرادة الخير للمنصوح. وإذا وجدت هذه النوايا الصادقة والمقاصد الحسنة، غالبا يا إخوان تعطي النصيحة ثمارها، تعطي النصيحة ثمارها، حين أن تجد رفقا، وتجد لينا، وتجد رحمة بالمنصوح. لاحظوا كيف أدب ربنا عز وجل نبينا صلى الله عليه وسلم، قال له: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾، أي: سبب هذا اللين الذي أنت عليه هو الرحمة التي جعلها الله عز وجل في قلبك. طيب، قال: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾. مع أنه رسول الله يا إخوان. الأب إذا كان شديدا في نصحه لأولاده، قد ينفضوا من حوله، ولا يستجيب لنصيحته. المعلم إذا كان شديدا في عتابه وغليظا في طبعه، الطلاب ما سيقبلوا منه، وما سيستجيب لنصحه، وما سيستجيب لما يمليه عليهم، لما يمليه عليهم. وهكذا عامت الناس. نصيحة يا إخوان، الأصل أن تكون للشخص على انفراد، فهذا أدعى إلى أنه يقبل هذه النصيحة، إلى أنه يقبل هذه النصيحة. وأما النصيحة أمام الملأ، تأخذ واحدا وتقول له أمام الناس: "أنت فعلت، وأنت أخطأت، وأنت صنعت وعملت"، فهذا كما يذكر عن الإمام الشافعي رحمه الله تعالى قال: "تخولني النصيحة في انفراد، وجنبني النصيحة في جماعة، فإن النصيحة في جماعة نوع من التوبيخ، لا أرضى استماعها". لا أرضى استماعها. فقد تأخذ الإنسان العزة بالإثم، فلا يقبل هذه النصيحة، ولا يأخذ بهذه التوجيهات، ولا يأخذ بهذه التوجيهات. وأيضا يا إخوان، لا يكن هم الناصح هو الانتقام والتشفي من المنصوح، فهذا كما أنه قد يذهب الأجر والثواب، فكذلكم أيضا ماذا؟ ما ينتفع به المنصوح. البعض يرى أخاه على خطأ، ووقع في معصية، أو في تقصير، فيذهب ويخبر فلانا: "ما رأيت فلان ماذا فعل؟ وفلان ماذا سوى؟"، يخبر الثاني: "بارحة رأيت فلان عمل وصنع"، والثالث والرابع، ثم بعد ذلكم يقول: "أنا سأذهب وأنصحه"، يعني: بعد ما شهرت به عند فلان وفلان وفلان، الآن ستذهب وتنصحه؟ كيف لو علم هذا المنصوح أنك قد قمت بجولة، ونقلت هذا العيب وهذا النقص عند فلان وعلان ممن لا حاجة إلى نقل الكلام إليهم؟ لا شك ولا ريب أن هذا سيدعوه إلى عدم قبول هذه النصيحة. أيها الأحبة في الله، الحديث حول النصح وما أدراك ما النصح، فهذا من الأمور، فهذا من الأمور المهمة التي ينبغي، ماذا؟ الحرص عليها، ينبغي الحرص عليها. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم. هنا يقول: هل لخطبة الجمعة شروط وأركان؟ خطبة الجمعة هي تعتبر شرطا في صحة الجمعة، فمن لم يخطب، أو يخطب لهم فيصلون ظهرا، ولا يصلونها جمعة. وربنا عز وجل حين أن ذكر الجمعة والنداء قال: ﴿فَاسْعَوْا إِلَىٰ ذِكْرِ اللَّهِ﴾. فشرط الجمعة، أو خطبة الجمعة، أن تكون من ذكر الله عز وجل، وأن تكون خطبتان، يجلس بينهما الخطيب، يجلس بينهما الخطيب. وهكذا أيضا ذكر بعضهم الوصية بتقوى الله، وغير ذلك، وبعضها شروط لا دليل عليها، لا دليل عليها. فالخطبة التي تشتمل على ذكر الله عز وجل، وعلى كلام الله تبارك وتعالى، ويحصل بها المقصود من التذكير والنصح، فهذه خطبة صحيحة، كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. ولو كان فيها الوصية بتقوى الله، وأيضا ماذا؟ الدعاء للمسلمين، وهكذا أيضا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، لكان ذلك أكمل وأحسن. طيب، هذا والله تعالى أعلم. شكرا للمسلمين، شكرا للمسلمين.