الدرس في التعليقات على شرح العقيدة الطحاوية 44، ألقاها
يتم تعريف النبي والرسول وبيان الفرق بينهما، حيث أن النبي هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه، والرسول هو من يبلغ رسالة الله لقوم مخالفين. النبوة أعم من الرسالة والرسالة أعلى مرتبة منها.
يتم بيان درجات الأنبياء والرسل حيث أن أعلى مرتبة هي من وصفهم الله بأولو العزم، ويتم ذكر أسباب اقتصار النبوة على الذكور حسب رأي العلماء. يتم أيضا توضيح أن الرسول يجمع بين كونه عبدا لله ورسولا إليه.
يناقش آراء مختلف الفرق الإسلامية حول إثبات النبوة والمعجزات والكرامات، ويبرز أن هناك طرقا مختلفة لإثبات النبوة. يتم أيضا انتقاد إنكار بعض الفرق للكرامات والسحر لغير الأنبياء.
بسم الله الرحمن الرحيم قاد الإمام الطحاوي رحمه الله تعالى، وإن محمدا عبده المصطفى ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا، ثم أما بعد. قوله: وإن محمدا عبده، سيأتي الكلام على إن وأنها معطوفة على مقول القول، محمدا، أي رسول الله صلى الله عليه وسلم. محمد بن عبد الله بن هاشم بن عبد المطلب، محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم القرشي، ينتهي نسبه الشريف إلى إسماعيل بن إبراهيم عليهم السلام، وهو خير خلق الله جل وعلا، وخير الأنبياء، وأفضل الأنبياء، وسيد الأولين والآخرين، كما أخبر هو صلى الله عليه وسلم عن نفسه، وسيأتي بإذن الله جل وعلا الكلام على هذا. قوله: عبده المصطفى، عبده المصطفى، ثم قال: ونبيه المجتبى ورسوله المرتضى. وبعض أهل العلم، ورسوله، بعض أهل العلم يعبروا كما عبر نبينا صلى الله عليه وسلم في أحاديث، يقولون: محمد عبد الله ورسوله، محمد عبد الله ورسوله. ورسوله، والعبودية كما ذكر من ذكر من أهل العلم، قالوا: هي أفضل الرتب بين العبد وربه، أفضل رتبة بين العبد وربه أن يكون العبد عبدا خالصا لله رب العالمين. وكلما كملت هذه العبودية، كلما علت رتبة العبد وشرفت، وعلى قدره، ورسوله، قالوا: والرسول هي أشرف المنازل بين الخالق والمخلوقين، بين الخالق والمخلوقين. إذن جمع الله جل وعلا لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هذين الوصفين، بأنه عبده وأنه رسوله، فهو عبد الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، عبد فلا يعبد، ورسول فلا يعصى. وسيأتي بإذن الله جل وعلا زيادة بيان لهذا. والعبد مأخوذ من العبودية، أي من حقق العبودية لله، يقال فيه: عبد الله، أو أنه عبد لله. والعبودية تكون بكمال الخضوع لله جل وعلا بالطاعة، وأتذل له بالاستكانة. وكلما قام العبد بهذا المقام، كلما كان أعظم منزلة عند ربه جل وعلا، إذ أنه حقق المعنى والغاية التي لأجلها خلقه الله جل وعلا. وقوله: ونبيه، النبي إنسان ذكر، أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه. النبي إنسان ذكر، أوحي إليه بشرع، وأمر بتبليغه. فإنسان خرج غير الإنسان، فلا يكون غير الإنسان رسولا، فيخرج الحيوان، ويخرج كذلك الجان. فالجان كما جاء عن طائفة من السلف: أن من الإنس الرسل، ومن الجان المنذرين، من الجان المنذرين، بمعنى أن الجان لا يكون منهم رسل، وإنما يكون منهم منذرون، يكون منهم منذرون لأقوامهم، كما جاءت الآيات في ذلك في سورة الجن، وكذلك في سورة الأحقاف، فيه بيان أنهم منذرون. ﴿يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾، ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ الآيات في ذلك. فالحاصل: أنهم منذرون. وقوله: إنسان ذكر، كما سمعتم، أول الإنسان خرج الجان، وخرج كذلك الحيوان، فليس من الحيوانات ما هو رسول. وإن كان الرسل، يعني النبي، كما سمعتم، فالنبي إنسان ذكر. وقوله: ذكر، خرج الأنثى، فليس من النساء نبي، على قول جماهير أهل العلم، بل كان هذا الأمر محل اتفاق، وإنما عرف الخلاف بعد القرن الثالث، علم أو حصل الخلاف ووقع الخلاف بعد القرن الثالث، ذكر خلاف أن بعضهم قال: بأن هناك من النساء من هو نبي، وذكروا أن مريم عليها السلام نبي، ومنهم من قال: آسية زوجة فرعون بأنها نبي، ومنهم من قال: بأن أم موسى عليها السلام بأنها نبي. وستدلوا بالآيات التي ظاهرها كلام الملك مع مريم، أو لفظ الإيحاء مع أم موسى، وما شابه ذلك. وصحيح أنهم ليسوا بأنبياء، وكما سمعتم، إنما ظهر الخلاف في هذا بعد القرن الثالث، وإلا ليسوا بأنبياء. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى أسبابا وعللا في كون النبي لابد أن يكون ذكرا، وذلك لأن مقام النبوة يحتاج إلى قوة، ويحتاج إلى جلد، ويحتاج إلى مخالطة الناس، ويحتاج إلى بيان، ويحتاج كذلك إلى تنقل ودعوة ومخالطة الآخرين، إلى غير ذلك من المعاني المنتفية في حق المرأة. لذا، كما سمعتم، فإنه ليس في النساء نبي، وإنما الأنبياء يكونون ذكورا. وذكر أوحي إليه، لأن النبي من أوحي إليه، بشارة وأمر بتبليغه، وأمر كذلك بتبليغه. ومنهم من يجعل هذا الحج في حق الرسول، في حد أو هذا الحق في حد الرأي الرسول. وقد ذكر الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله تعالى: أن نفس النبوة تتضمن الخبر، أن نفس النبوة، أي لفظ النبوة، تتضمن الخبر. فإن النبوة مشتقة من الإنباء، وهو الإخبار بالمغيبات. فالنبي يخبر بالمغيبات، ويخبر كذلك بالغيب، بالمغيبات، أي الشيء الموجود، ولكنه مغيب عنا، لا نعرفه. ويخبر كذلك بالغيب، أي بالغيب الذي أطلعه الله جل وعلا عليه، إما باعتبار ما سيكون، أو باعتبار ما قد كان، باعتبار ما قد كان، ولكننا لم نعرف، كالإخبارات بالأمم السابقة، أو بالإخبارات مثلا بأسماء الله جل وعلا وصفاته، الإخبارات بالجنة والنار، بالعرش والكرسي والقلم، وما شابه ذلك من الأمور التي هي محل لا تعلم إلا بطريق النبي، بطريق النبي. والنبي يعلمه بطريق الوحي. إذن النبوة، كما ذكر رحمه الله تعالى، مشتقة من الإنباء، والإنباء هو الإخبار بالمغيبات. وقد ذكر العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى تعريفا للنبي، تعريفا للنبوة، كما في كتاب الصواعق المرسلة، فقال: النبوة خطاب سمعي بوحي، يحيه الملك إلى النبي عن رب تعالى عن رب تعالى. وقال الشيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله: النبي هو الذي ينبئه الله، وهو ينبئ بما أنبأه الله به. قال: فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله، فإن أرسل مع ذلك إلى من خالف أمر الله، ليبلغه رسالة رسالة من الله إليه، فهو رسول واضح الجماعة. وهذا تفريق بين النبي والرسول. قال: وإما إذا كان يعمل بالشريعة، بشريعة قبله، بشريعة قبله، ولم يرسل إلى أحد يبلغه عن الله رسالة، قال: فهو نبي وليس برسول. وهذا كما يذكر من يذكر من أهل العلم: من أنه من أفضل التفريقات بين النبي والرسول، بمعنى أن الرسول من يبعث بشريعة إلى قوم مخالفين، يبلغهم أمر الله. وأما النبي، فيبعث إلى قوم يبلغهم بشريعة من قبله، بشريعة من قبله. قوله: ورسوله المرتضى، تقدم معنى معنى الرسول، فالرسول يتضمن النبي وزيادة. الرسول يتضمن ماذا؟ النبي وزيادة. فالرسول أخص من النبي. لذا يقول أهل العلم: المرتبة في النبوة والرسالة، أولا النبوة، وأعلى منها الرسالة، وأعلى منها من وصفهم الله جل وعلا بأنهم أولو العزم، بأنهم أولو العزم. ورأس أولو العزم محمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فهو عبده المصطفى، ونبيه المجتبى، ورسوله المرتضى. قال الشارح رحمه الله: الاستفاء والاجتباء والارتضاء متقارب المعنى. وعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى. وكلما ازداد العبد تحقيقا للعبودية، ازداد كماله وعلت درجته. ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه، وأن الخروج عنها أكمل، فهو من أجهل الخلق وأضلهم. هذا كحال من كحال المتصوفة، أو غلات المتصوفة، ومن كان على شاكلتهم، ممن يقول: بأنهم قد بلغوا مرتبة اليقين. ومعنى مرتبة اليقين عندهم: معناها أنها مرتبة ترفع عنهم الشرائع والتكاليف، ترفع عنهم الشرائع والتكاليف، فلا يعبدون الله جل وعلا كما أمرهم الله جل وعلا بعبادته. ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَانُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. بل عباد مكرمون، في حق الملائكة، لأنهم زعموا أن ملائكة بنات الله، فقال الله جل وعلا: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ﴾. قال رحمه الله: وذكر الله نبيه صلى الله عليه وسلم باسم العبد في أشرف المقامات، فقال في ذكر الإسراء: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾. وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة. قوله: وإن محمدا، لكسر الهمزة عطفا على قوله: إن الله واحد لا شريك له، لأن الكل معمول القول، أعني قوله: نقول في توحيد الله، والطريقة. وأن بعد القول، تأتي مكسورة. قال رحمه الله: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات. لكن كثيرا منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات. وقدروا ذلك بطرق مضطربة. والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، حتى أنكروا كرامات الأولياء، والسحر، ونحو ذلك. والكلام ها هنا مع من؟ أولا في قوله: والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر، يدخل فيهم أهل الكلام والنظر، المتكلمون من المعتزلة، الجهمية، الأشاعرة، ومن كان على شاكلتهم. فإنهم إنما يقررون النبوة بالخوارق، بالمعجزات. لذا قال: تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات، تقرير نبوة الأنبياء بماذا؟ بالمعجزات، الذي يظهرها الله جل وعلا على من على يدي النبي. عند الجهمية والأشاعرة: أن النبي تظهر على يديه المعجزات، ويدعي النبوة. أما عند المعتزلة: فإنهم ينفون المعجزات عن غير النبي، فيقول: غير النبي لا يفعل معجزة أبدا. يقول: له قد حصلت المعجزات والكرامات للأولياء والصالحين، يقول: هذا ما يكون. حصلت خوارق للسحر والمشعوذين، يقول: هذه لا تكون إلا للنبي. فكان من هؤلاء المعتزلة القدرية: نفي جميع المعجزات عن غير النبي، لماذا؟ لأنهم يقولون: لا نستطيع إثبات النبوة إلا بالمعجزات. فلو أثبتنا المعجزات لغير النبي، للزم أن يضطرب الدليل الذي به أثبتنا نبوة الأنبياء. فأولئك الجهمية الأشاعرة: يقولون: معجزات ثابتة، وكرامات الأولياء ثابتة. وإيش الفرق بينهما؟ الفرق بينهما: أن النبي يدعي النبوة، وأما غير النبي فلا يدعي النبوة. أما القدرية المعتزلة: فيقولون: المعجزات محصورة، مقصورة على من؟ على الأنبياء. أما الصالحون، فليس ثم فيهم كرامات، ينفون كرامات الأولياء. أما كذلك الخوارق في السحر والمشعوذين: يقولون: كذلك ليس ثم خوارق. لماذا؟ لأنه يستلزم من ذلك اضطراب الدليل الذي أثبت به نبوة الأنبياء. قال: لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات. وقوله: لا يعرف إلا، نفي وإثبات، يفيد ماذا؟ يفيد الحصر، بمعنى أن ليس ثم دليل على أن الأنبياء أنبياء إلا بالمعجزات. وهذا الحصر والقصر ليس بصواب، بمعنى أن تخصر دلائل الأنبياء في المعجزات فقط، هذا ليس بصحيح. بل أدلة أو دلالات الأنبياء كثيرة. لذا قال: وقرروا ذلك بطرق مضطربة. لأنه لو كان من عند غير الله، لوجدوا فيه اختلافا كثيرا. قال: والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء، كما هو قول المعتزلة. قال: حتى أنكروا كرامات الأولياء، والسحر، ونحو ذلك. ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح، لكن الدليل غير محصور في المعجزات. غير محصور. لكن الدليل غير محصور في المعجزات. فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين، أو أكذب الكاذبين. كما ذكرنا: أنه ادعاها من الدجال الأكبر، ادعاها من الدجال الأكبر. والدعاها دجالون كثيرون، ادعاها دجالون كثيرون، مسيلمة ادعاها، سجاح ادعاها. وكثير من من ادعى النبوة، وأظهر بعض الخوارق، أي بعض الشعوذات، وما شابه ذلك. ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين. بل قراء وأحوالهما تعرب عنهما، وتعرف بهما. والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة. قوله: ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين، أي من لا يفرق بين نبوة نبينا مثلا، ونبوة من ادعاها من غيره صلى الله عليه وسلم. كما ادعاها مسيلمة الكذاب، مسيلمة ادعى النبوة. فهل يقول عاقل: بأن خصال مسيلمة، وسمات مسيلمة، كخصال وسمات نبينا صلى الله عليه وسلم، حتى يشك شاك، ويضطرب مضطرب، فيقول: لعله نبي؟ الجواب: هذا أنه ماذا؟ أن هذا لا يكون، أو لا ينطل إلا على أجهل الجاهلين. وإلا فالفرق بينهما كواضح، كوضوح الشمس في رابعة النهار، لا يشك فيه شاك. قال رحمه الله: بل قرائن أحوالهما تعرب عنهما، أي توضح وتبين. لأن الإعراب بمعنى الإيضاح والبيان، يقال: أعربت عما في نفسه، أي أوضحت وأبنت. قال: وتعرف بهما، أي وتعرف بين أحوالهما. قال: والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة، فيما دون النبوة، بمعنى أن هذه الأمور لا يشك فيها شاك، ولا يختلف فيها مختلف، في التفريق بين الكاذب والصادق. وما أحسن ما قال حسان رضي الله عنه: لو لم يكن فيه آيات مبينة، كانت بديهته تأتيك بالخبر. قال رحمه الله: وما من أحد ادعى النبوة من الكاذبين، إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والبهتان، واستحواذ الشياطين عليه، ما ظهر لمن يخبر الناس بأمور، ويأمرهم بأمور. ولابد أن يفعل أمورا يبين بها صدقه. والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به، وما يخبر عنه، وما يفعل، ما يبين به كذبه، من وجوه كثيرة. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.