شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 10

شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 10

الدرس في شرح كتاب الزكاة من فتح المعين في تقريب منهج السالكين 10، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أحكام صرف الزكاة للأقارب والزوجين

بيّن المقطع أن الزكاة لا تجوز للغني ولا للقوي المكتسب ولا لبني هاشم ولا لمن تجب نفقته كالأصول والفروع والزوجة. والراجح جواز صرفها لغيرهم من الأقارب كالأعمام والأخوال مع شدة الحاجة، ولا يجوز للزوج إعطاء زكاته لزوجته بينما يجوز للزوجة ذلك لزوجها الفقير.

أحكام صرف الزكاة والصدقة التطوع وأفضلية الإنفاق

يبيّن المقطع جواز أكل الزوجة من طعام اشتراه الزوج بمال زكاة أعطته إياه لملكه الشرعي، ويحرم إعطاء الزكاة للكافر إلا للمؤلفة قلوبهم. كما يمنع صرف الزكاة في بناء المساجد لاختصاصها بالأصناف الثمانية، بينما تتسع الصدقة التطوع، وأفضلها ما كان أنفع نفعاً عاماً أو خاصاً.

أحكام سؤال الناس والصدقات والزكاة الواجبة

يبيّن المقطع تحريم سؤال الناس المال لغير ضرورة مع الوعيد الشديد، ويحدد ثلاث حالات ضرورة تبيح السؤال. كما يفرق بين السؤال للنفس المحرم والسؤال لغيره أو الشفاعة للخير المباح، ثم يفصل في أحكام زكاة الفطر والزكاة الواجبة ومستحقيها من الأصناف الثمانية.

مسؤولية إخراج زكاة الفطر عن الزوجة والوالدين

يبيّن المقطع أن زكاة الفطر تجب على من تجب عليه النفقة، فالزوج يخرج عن زوجته والابن عن والديه إلا إذا أصر كل على إخراجها عن نفسه. وفي حال امتناع الزوج عن إخراجها عن زوجته وجب عليها إخراجها عن نفسها لأن الحق حقها.

  • 19 جمادى الأولى 1446هـ - 20/11/2024مـ
التفريغ النصي الكامل

أحمد الله، وصلاة السلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، فانتهينا إلى هنا، وقفنا عند قول المؤلف رحمه الله تعالى: «ولا تحل الزكاة لغني، ولا لقوي مكتسب، ولا لآل محمد، وهم بنو هاشم ومواليهم». قال: «ولا لمن تجب عليه نفقته حال جريانها». ومعنى هذا: أن من وجبت عليه نفقته كالفروع أو الأصول، يعني الآباء: الأب والأم، أو الأبناء، أو الزوجة، فهنا لا يجوز له أن ينفق عليهم من الزكاة، أو أن يعطيهم من الزكاة. فهذه القاعدة عندهم: «لا تحل الصدقة لمن تجب عليه نفقته حال جريانها»، يعني حال إخراجها، فلا يجوز له أن يعطي هؤلاء. واختلف العلماء: هل هذا الحكم عام لكل الأقارب، يعني من الأعمام والأخوال والخالات والأخوات والآباء والأمهات، أو أنه خاص بالفروع والأصول؟ هذه المسألة اختلف فيها، فذهب بعضهم إلى أن كل من لزمته نفقة، سواء خالة أو خال أو عم أو عمة أو أب أو أم أو أخت، كل هؤلاء لا يجوز أن يعطيهم من الزكاة لكونهم محتاجين وهو غني يستطيع الإنفاق عليهم، فلا يعطيهم من الزكاة بل يعطيهم من حر ماله. ولأنه لماذا يدفع الزكاة إليهم؟ إذا دفع الزكاة إليهم يجلب إلى نفسه نفعاً، ما هو هذا النفع؟ النفع: عدم النفقة عليهم لفقرهم. فهمتم هذا الآن؟ وهو واجب عليه النفقة عليهم. هذا قول لبعض أهل العلم، أنهم عمموا في كل الأقارب لمن تلزمه النفقة. وذهب بعضهم إلى أن الزكاة تدفع إلى الأقارب مطلقاً ما عدا الأصول والفروع، والمراد بالأصول: الأب والأم، والمراد بالفروع: الأبناء من ذكور أو إناث. واستدلوا بحديث: «الصدقة على ذي الرحم صدقة وصلة». قالوا: هنا لم يفرق بين فريضة ونافلة، قالوا: الصدقة على ذي الرحم، فلو قلنا أنه لا تجوز الصدقة بمعنى الزكاة على ذي الرحم، فمعناه أنه لا يجد أجر الصدقة والصلة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الصدقة على ذي الرحم». إذن من هو ذو الرحم؟ إذا كان يعني لا يجوز، إذا كان لا يجوز أن يعطي يعني الخال والعم والأخت والأخ الزكاة، إذن كيف سيتحصل على أجر هذا الحديث؟ كيف سيتحصل على الصدقة والصلة؟ فمن خصص الصدقة في هذا الحديث على الصدقة المستحبة فلا دليل معه، لم يفرق في الحديث لا بين فريضة ونافلة، ولا بين وارث وغيره. طيب، قد يقول قائل: ويدخل في ذي الرحم الأبوان والأبناء. فذكر بعض أهل العلم أن هؤلاء خصصوا بالإجماع، فقد نقل غير واحد من أهل العلم الإجماع على أنه لا يجوز للشخص أن يعطي زكاته للفروع أو الأصول. هذا فيه إجماع، لا خلاف في ذلك، أنه لا يجوز للشخص أن يعطي زكاته لأبويه أو لأولاده، لأنه يجب أن ينفق عليهم، يجب أن ينفق عليهم، فخصص الحديث بالإجماع. نعم، وبقي غير الأصول والفروع، فقالوا: الأصل أنهم يعطون من الزكاة، وهذا القول والله أعلم هو الأقرب، أن الزكاة إذا كان عمك أو خالك أو أختك أو أخوك فقيراً معدم محتاج، فإعطاؤه الزكاة أولى من إعطاء غيره. وأما كونه يجب عليك أن تنفق عليه، فتنفق عليه، لكن ليس إنفاقاً كاملاً، وإنما هو شيء من الإنفاق. فإذا كانت فاقته شديدة، فهنا لا بأس أن يعطى من الزكاة، بخلاف الأبوين وبخلاف الأبناء، فمهما بلغت فاقتهم لا يجوز لك أن تعطيهم من الزكاة، والله تعالى أعلم. طيب، مسألة الزوجة: هل تدفع الزكاة للزوجة، والعكس تدفع الزكاة لزوجها؟ أما بالنسبة لدفع الزكاة لزوجته، فهذا بالإجماع أنه لا يجوز، نقل ذلك ابن المنذر، قال: أجمع أهل العلم على أن الزوج لا يعطي زوجته من زكاته، وذلك لأن نفقتها واجبة عليه. قال الله عز وجل: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ [النساء: 34]. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما سئل عن حق الزوجة على زوجها: «أن تطعمها إذا طعمت، وأن تكسوها إذا اكتسيت». هذا حق، يعني واجب، فلا يجوز للزوج أن يعطي زكاته لزوجته لأن نفقتها واجبة عليه، فيستغني بها عن أخذ الزكاة، يعني لو أعطاها الزكاة استغنت بها عن النفقة، وينتفع بهذا الأمر بهذه الزكاة، وهذا لا يجوز. فإذا الخلاصة: أنه لا يجوز للزوج أن يعطي زكاته لزوجته. طيب، زوجته ما شاء الله عندها ذهب وعندها مال، هل يجوز لها أن تعطي زكاتها لزوجها؟ هذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: لا يجوز، لا يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها، قالوا: لقوة الصلة بينهما، الصلة بين الزوج والزوجة قوية، لأن الرجل مع امرأته كالمرأة من زوجها، فيشبه الأصل مع الفرع، هذا تعليل. لكن جاء الدليل بأنه يجوز للزوجة أن تعطي زكاتها لزوجها، لأنه ليس واجباً عليها أن تنفق على الزوج، والعكس صحيح. الزوجة هل هي واجب أن تنفق على زوجها؟ لا، فلذلك يجوز. وهذا مذهب الشافعي: جواز إعطاء الزوجة زكاتها لزوجها، هذا مذهب الشافعي، واختاره جمع من المحققين، ومنهم الإمام الشوكاني، واستدلوا بعموم الآية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾ [التوبة: 60]، وبحديث زينب امرأة ابن مسعود، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: «زوجك وولدك أحق من تصدقت به عليهم»، رواه الإمام البخاري في صحيحه. فهذا حديث نص في هذه المسألة، والتعليل الصحيح يدل عليه، فإن المرأة ليس واجباً عليها أن تنفق على زوجها. الخلاصة: أن مسألة إعطاء الرجل الزكاة لأقاربه غير الأصول والفروع، في خلاف الصحيح أنه يجوز، لأنه ليس واجباً عليه أن ينفق عليهم كإنفاقه على الأبوين أو على الأولاد. طيب، أما بالنسبة للأبوين الأصول والفروع الأبناء، فلا يجوز له أن يعطي هؤلاء زكاة، لأنه يجب عليه أن ينفق عليهم. أما إعطاء الزوجة من زكاة الزوج، فهذا لا يجوز، لأن الزوج واجب عليه أن ينفق على زوجته. وأما العكس فيجوز، أي يجوز للمرأة إن كانت من ذوي الزكاة أن تعطي زكاتها لزوجها. وهل يجوز لها أن تأكل من هذه الزكاة؟ نعم يجوز، لأن من ملك الزكاة له أن يتصرف في زكاته بما شاء، سواء كان يطعمها. لو مثلاً أنا أعطيت إنسان زكاة الفطر، تمام، زكاة الفطر رز، قال لي: خلاص، إن شاء الله بكرة عندي عزيمة، أنت معزوم عندي، واعمل لي طبخة من هذا الرز اللي أعطيته، هل يجوز لي أن آكل من هذا الرز؟ نعم يجوز، لأنه بما ملكه يجوز له أن يتصرف فيه بما شاء، أن يطعمني، أن يطعم فلاناً، أن يبيعه، أن يهديه، هذه القاعدة عند أهل العلم. فكذلك الزوجة إذا أعطت زكاة لزوجها، ثم اشترى الزوج طعاماً للبيت، لأنه يجب عليه أن ينفق على البيت، فلها أن تأكل من هذا الطعام ولا تتحرج، لأنه قد خرج من ذمتها، وقد ملكه غيرها بوجه شرعي صحيح وهو الزكاة، فيجوز لها حينئذ، لأنه يجب على الزوج أن ينفق عليها، ولو كان معها مال، المرأة ولو كانت غنية، في الأصل أن الزوج يجب عليه أن ينفق عليها، إلا إذا تفضلت وتصدقت على زوجها، فلا بأس على سبيل الاختيار لا على سبيل الوجوب. هذا معنى قول المؤلف: «ولا لمن تجب عليه نفقته حال جريانها». وقوله: «ولا لكافر»، يعني هذه الزكاة لا تحل للكفار، لا تحل للكفار. قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافاً في أن زكاة الأموال لا تعطى لكافر. لكن استثنى العلماء حالة واحدة، فمن يقول ما هي هذه الحالة؟ يعني الأصل أن الكافر إن كان فقيراً أو مسكيناً أو نحو ذلك لا يجوز أن يعطى من الزكاة إلا في حالة واحدة: نعم، إذا كان من المؤلفة قلوبهم. إذا كان من المؤلفة قلوبهم، لأن تقدم معنا أن المؤلفة قلوبهم هم الذين ممن يرجى إسلامه أو كف شره أو قوة إيمانه. فمن الذي يرجى إسلامه؟ الكافر. فإذا علمنا أن هذا الكافر ربما لو أعطي شيئاً من المال أحب الإسلام ودخل في الإسلام، يجوز أن نعطيه. طيب، أعطيناه ولم يسلم، خلاص، الزكاة هذه خرجت في مصرفها، لا حرج علينا، لنا مخرج حسن، ولا نعلم الغيب، ولا نعلم الغيب. فإذا الأصل في الكافر أنه لا تعطى له الزكاة إلا إذا ترجحت لنا المصلحة في ترغيبه إلى الإسلام، فيعطى من أجل أن يدخل في الإسلام، فهذا يدخل في المؤلفة قلوبهم، يدخل في المؤلفة قلوبهم. ثم قال المؤلف رحمه الله: «فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وغيرهم». طيب، قبل ذلك: لا يجوز كذلك أن تخرج الزكاة في غير هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز أن نجعل الزكاة في بناء المساجد، هذا لا يجوز، لأن بناء المساجد لها صدقات تطوعية خاصة، لا تدخل في الزكاة. لا يجوز أن نحفر بئراً، أو أن نمهد طريقاً، أو أن نبني مستشفى أو مدرسة أو مكاناً للأيتام بهذا المال الزكاة، وإنما هذا له صدقات تطوعية، له صدقات تطوعية، واضح. قال: «فأما صدقة التطوع فيجوز دفعها إلى هؤلاء وغيرهم». يعني عندك صدقة التطوع، قددت زكاتك، عندك مال أيضاً تريد أن تتقرب به إلى الله، فلك أن تدفع هذا المال إلى هؤلاء وإلى غيرهم، يمكن أن تعطيه غنياً، لكن هذا الغني مثلاً من أجل أن تعينه في بناء بيت، أو في تحسين حال، أو نحو ذلك، فلا بأس، صدقة. وكذلك تعطيه القوي من أجل أن تعينه على أمور دنياه، لا بأس. ومر معنا أيضاً مسألة إعطاء بني هاشم، قلنا: اختلف العلماء، هل التحريم الأخذ من الصدقة يشمل صدقة الزكاة وصدقة التطوع، أو صدقة الزكاة فقط؟ قلنا: الصحيح أنه صدقة الزكاة فقط، لأن الأدلة التي وردت في تحريم الصدقة جاءت في سياق الزكاة: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ﴾، وقول الله سبحانه وتعالى، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنها لا تحل لنا الصدقة»، وكذلك في غيرها من الأحاديث التي مرت معنا: «خذ من أموالهم صدقة»، الصدقة هنا جاءت بمعنى الواجب. وهكذا جنب صلى الله عليه وسلم قال: «من أوساخ الناس، من أوساخ الناس»، بمعنى أن الزكاة هي التي يتطهر بها: «خذ من أموالهم صدقة تطهرهم». ويجوز أيضاً أن تعطى للقريب، يمكن أن تتصدق على خالك، على عمك، على كذلك أهلك، ففي الحقيقة نفقتك على أهلك هذه من الصدقة تسمى صدقة، لكن صدقة تطوع بالنسبة لما يقابل الزكاة، لأنه لا يجوز أن يعطى الأصول والفروع الزكاة، فيدخل في الصدقة المستحبة، الصدقة المستحبة، وغيرهم من عامة الناس الذين ليسوا من الأصناف: كمن يريد أن يبني بيتاً، تريد أن أبني بيتاً لفلان، يجوز لك ذلك لأن عنده بيتاً صغيراً أو نحو ذلك، صدقة جارية، يجوز أن أحفر بئراً، يجوز أن أبني مسجداً، يجوز أن... هذا كله من الصدقات، من صدقات التطوع. وقوله: «ولكن كلما كانت أنفع نفعاً عاماً وخاصاً فهي أكمل». يعني هذه صدقات التطوع كلما كانت أنفع، نفعاً عاماً، نفعاً عاماً مثلاً كحفر بئر، ناس بحاجة إلى الماء، فهنا تكون هذه الصدقة أوقع وأنفع من أن مثلاً تبني مدرسة أو تبني مسجداً أو نحو ذلك. ولذلك قال: «أفضل الصدقة صدقة الماء»، أفضل الصدقة صدقة الماء، خصوصاً إذا كان الناس بحاجة ماسة إلى هذا الماء. أو مثلاً الوقت وقت جهاد في سبيل الله، فأنت تنفق مالك في النفقة على الجهاد في سبيل الله، هذا لا شك أنه أنفع، يعني بمعنى أنك قد أديت الزكاة لكن عندك مال كثير تريد أن تخرج زكاة تطوع لتجعله في هذا الباب، هذا نفع عام. أما النفع الخاص: مثلاً إنسان أشد فاقة، أشد فاقة، يعني عنده فقر مدقع كما يقال شديد، فهنا إعطاؤه أولى، عنده كربة عظيمة، تفريج وتنفيس كربة، هذا أيضاً يكون نفعه أعظم، وإن كانت خاصة بهذا الشخص ليست عامة، فتكون الصدقة في الموضع الذي نفعه أعظم، الذي نفعه أعظم، فهذا لا شك أنها أكمل وأفضل، أفضل الصدقة. ولذا قال الله عز وجل: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ * فَكُّ رَقَبَةٍ * أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ * يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ [البلد: 11-15]، يعني ذا المجاعة، المسغبة هي المجاعة. لماذا ذكر هذه الأعمال؟ لعظم نفعها، فهي أكمل وأتم. فأيهم أفضل: أن تتصدق على فقير أو مسكين؟ على فقير لأنه أشد حاجة. أن تتصدق على طالب علم أو على عامي؟ ربما يأخذ هذا المال ويعصي الله به، أكيد سيعطيه طالب العلم، سينتفع بهذا المال ويطلب العلم وينفع الله به الإسلام والمسلمين. وهكذا كلما كانت الصدقة أنفع في أمر عام أو خاص، كلما كانت أكمل وأفضل. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «من سأل الناس أموالهم تكثراً فإنما يسأل جمراً، فليستقل أو ليستكثر»، رواه مسلم. وأراد المؤلف رحمه الله تعالى بذكر هذا الحديث بيان تحريم سؤال الناس إلا لضرورة، إلا لضرورة. لا تحل المسألة إلا لثلاثة: يعني هؤلاء، إنسان أصابته فاقة، أو جائحة، حرق بيته، وما يوجد معه طعام في البيت، فهنا لا بأس أن يسأل. أو كذلك تحمل حمالة، يعني أصلح بين الناس، أصلح بين الناس، وتحمل ديون من أجل هذا الصلح، أو نحو ذلك. فأراد المؤلف بهذا أن يبين تحريم سؤال الناس إلا لضرورة. ومما يدل على ذلك أيضاً قول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصحيحين: «ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم». يعني الذي يسأل الناس لا لحاجة وضرورة، إنما من أجل أن يكثر ماله، يريد أن يجمع المال، يجمع المال، كما هو حال بعض الجهلة الناس اليوم، يعني رجل مات فوجدوا في بيته الأموال الكثيرة، وكانت مهنته قبل ذلك السؤال، يسأل الناس، لماذا يسأل الناس؟ من أجل أن يكثر المال، هو ما عنده أكله، عنده شربه، لكن يسأل الناس من أجل أن يجمع المال، هذا لا يجوز، كما في الحديث: «فإنما يسأل جمراً»، الجمر يعني إذا قبض عليه أحرق يده وعذبه. والحديث الآخر: يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مزعة لحم، مزعة يعني قطعة، يأتي يوم القيامة ما في وجهه قطعة لحم، كله عظام، عظام، يعني غاية في التشويه وقبح المنظر وقبح الصورة. تصور إنسان عظام فقط بدون لحم، كيف سيكون حاله؟ انظر إلى هذا الوعيد الشديد. فلذلك لا يجوز للمسلم أن يسأل من غير ضرورة، أن يسأل من غير ضرورة، يعني يسأل لنفسه. أما إذا سأل لغيره، لأن غيره مضطر ويستحي أن يسأل، أو نحو ذلك، هذا لا يدخل في هذا الوعيد، لأن هذا السؤال ليس لنفسه، وإنما لغيره. وليس يدخل في ذلك الشفاعة، إنسان يشفع مثلاً لوجاهته عند أرباب الأموال، إذا عندكم صدقات الجهة الفلانية محتاجة فهي أولى وآحق، فقط ينبه ويوجه أهل الخير، ولا يأخذ شيء من ذلك، ولا يسأل لنفسه، فهذا لا بأس به. النبي صلى الله عليه وسلم لما رأى قوماً من مضر عليهم الفاقة، مجتابي النمار، عليهم اللباس الرث، غضب النبي صلى الله عليه وسلم، وحمر وجهه من الغضب، ودخل بيته، يعني ينظر هل عندهم شيء، فلم يجد شيئاً، فأمر بلالاً أن يؤذن، فأذن، ثم أقيمت الصلاة، ثم صلى، ثم وعظ الناس وذكرهم بآيات وأحاديث، قال: «تصدق رجل بدرهمه، تصدق رجل بديناره، تصدق رجل من بر، من بر شعيره، من شعيره، من بره، من كذا»، المهم حث على الصدقة، فجاء رجل بصرة كادت يده أن تعجز عن حملها، فوضعها، فلما رآه الناس تتابعوا على الصدقة، حتى تهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم فرحاً عليه الصلاة والسلام، واستنار وجهه، فقال: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها» إلى آخر ذلك. وكذلك حديث عمر، حث النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على الصدقة، فوضع عمر ماله، قال: «مالا عندي»، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يحث على الصدقة، لا بأس، إنسان لما يحث على الصدقة وهو لا يأخذ منها شيئاً لنفسه، هذا لا يقال أنه متسول، ولا يقال أنه يريد أكل هذا المال، وإنما هو مقتدٍ بنبيه عليه الصلاة والسلام. ففرق بين أن يسأل الإنسان لنفسه من غير ضرورة، وبين أن يحث المسلمين ويرشد أرباب الأموال ويشفع لإخوانه الضعفاء والفقراء والمساكين وطلاب العلم ونحو ذلك، فهذا لا يدخل في هذا الباب، والله أعلم. وقال لعمر رضي الله عنه: «ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك»، رواه مسلم. يعني يريد أيضاً بهذا الحديث أن المسلم لا يسأل ولا يلح في السؤال، ولكن إن جاءه شيء من هذا المال من غير إشراف، وقوله «مستشرف» يعني ربما الإنسان أحياناً ما يسأل بلسان مقالة، إنما بلسان حال، تجده مثلاً يتعرض للتجار، أو مثلاً أعمال تدل على أنه يطلب شيئاً من المال، أو نحو ذلك، لا يتشرف بذلك، وكذلك لا يسأل. فإذا جاءك المال من غير استشراف ولا مسألة فخذه، فهو رزق ساقه الله لك. جاء إنسان قال لك: أنت طالب علم، فهذا راتب شهري لك يعينك على طلب العلم، أنت ما سألته، وما استشرفت له، فخذ ذلك، ولا حرج عليه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لعمر: «ما جاءك من هذا المال وأنت غير مستشرف ولا سائل». لكن إذا كان هذا المال زكاة، وأنت لست من أهل الزكاة، فهنا لا يجوز لك أن تأخذه، فرق. لكن إذا كان تطوعاً، يجوز لك، ولو كنت لست من الأصناف الثمانية، لنقل: صدقة التطوع أوسع من صدقة الزكاة. طيب، فلو مثلاً أنت غني، وما عليك غرم، ما أنت بغارم، ولا أنت بمسكين، ولا فقير، فجاءك مال زكاة، ليست صدقة، وأنت تعلم أن هذا زكاة وليس بصدقة تطوع، فهنا لا يجوز لك أن تأخذه، لأنك من غير هذه الأصناف الثمانية. لكن إذا كان تطوعاً، وأنت لست من هذه الأصناف الثمانية، فلك أن تأخذه، فلك أن تأخذه. ومثل ذلك صدقة الفطر، صدقة الفطر يعني النبي صلى الله عليه وسلم حد لها صنفاً واحداً، وهم الفقراء والمساكين، طيب، ﴿طُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ﴾ [المائدة: 89]، فيدخل الفقراء في ذلك. فإذا لم تكن مسكيناً ولا فقيراً، لا يجوز لك أن تأخذ صدقة الفطر. كذلك صدقة المال، أو الغنم، أو الثمار، إذا كنت لست من هذه الأصناف الثمانية، فلا يجوز لك أن تأخذ هذا المال. فهذا هو التفصيل في مسألة الزكاة، وبهذا نكتفي، وإلى هنا والله تعالى أعلم. هم يقولون: إذا كان الشخص عنده في يوم العيد وليلتها ما يزيد عن حاجة اليوم والليلة، فما زاد يجب عليه أن يخرجه زكاة، لمن تجب عليه النفقة، ويدخل في ذلك الزوجة، ولو كانت قادرة، الأصل أن هذه الزكاة على زوجها لأنه يجب أن ينفق عليها، لكن لو هي تبرعت وأرادت أن تخرج عن نفسها، يجوز لها ذلك. فهمت؟ لكن لو صار صراع، يعني تقول: لا، لا، أنا أريد أن أخرجها، قل: أنت قادر، أخرج عن نفسي، تقول: لا، فالحق حقها، يعني يجب عليها أن يخرج عنها الزكاة، نعم، لأن لا نفقة عليها، لا نفقة عليها، النفقة على زوجها، ومن ذلك زكاة الفطر، لأن زكاة الفطر يعني واجبة على من تجب عليه النفقة، ويخرج الابن عن والديه، إلا إذا الوالد قال: أنا سأخرج عن نفسي، والابن قال: أنا سأخرج عن نفسي، والزوجة قالت: سأخرج عن نفسي، يجوز هذا، نعم، والله أعلم.