الدرس في الجواب الكافي 38، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يبدأ الشيخ بوصايا الإمام ابن القيم ويحذر من التهاون في الأعمال التي قد تؤدي إلى عقوبة شديدة. يذكر أمثلة من السنة النبوية عن أشخاص دخلوا النار بسبب أفعال بسيطة.
يتطرق المقطع إلى خطورة التهاون في أمور الدين من خلال حديث الذباب، ويحذر من الوقوع في الشرك بالله نتيجة الاستهانة بالأفعال المخالفة لشرع الله.
يُنبه الشيخ إلى أن نيل الدنيا ليس دليلاً على محبة الله، ويوضح أن الدنيا تُعطى للجميع بينما الإيمان خاص بمن يحب الله، مستشهداً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية.
يختم الدرس بالحديث عن عاقبة من يهنه الله، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويشير إلى استمرار الدروس لاحقاً بإذن الله.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى عن أبي الوفاء بن عقيل هذه الوصايا التي هي وصايا عظيمة، يستفاد منها الحذر وعدم الاغترار وعدم التهاون والتفريط. قد تقدم ذكر بعض هذه الوصايا، فإنه قال: أي أبو الوفاء بن عقيل رحمه الله، احذره ولا تغتر به، فإنه قطع اليد في ثلاثة دراهم، وجلد الحد في مثل رأس الإبرة من الخمر، وقد دخلت امرأة النار في هرة، واشتعلت الشملة نارا على من غلها، وقد قتل شهيدا. هذه الأعمال ربما يراها الناس سهلة وهينا. سرقت ثلاثة دراهم، ما يقارب سبع جرامات من الفضة. تهاون، قال: سهل، كم سبع جرام من الفضة؟ عسى أن يكون ما القليل؟ قد يتهاون. لسان الرسول عليه الصلاة والسلام، قطع اليد، قطع يد رجل سرق ثلاثة دراهم. قطع يد، ثلاثة دراهم، نعم، لا تستهن بعمل تظنه صغيرا. صيانة الأموال جاءت بها الشريعة، من ضرورات الشريعة، ومن ضرورات هذا الدين حفظ أموال الناس وعدم الاعتداء عليها، ويا ويل من اعتدى عليها، ولو كان قليلا. فلا تتهاون في أموال الناس، تأخذ منها وتقول قليلا، لا. وهكذا من شرب قليلا من الخمر، وهذا قد تقدم معنا. وأما دخول المرأة النار في هرة، فكذلك؛ لأنها استهانت بهذا الأمر، حبست الهرة حتى ماتت، لا هي أطعمتها، ولم تتركها تأكل من خشاش الأرض. ماتت الهرة. ومن الناس اليوم من يتهاونون بهذا الأمر، منهم من يحبس الهرة حتى تموت، ومنهم من يدعس الهرة بالسيارة أو بالدراجة، ولا يبالي، وربما يدعسها وهو يضحك. يضحك، سبحان الله، مسكين هذا. هذه الهرة عظيمة عند الله سبحانه وتعالى. أنت يا صاحب السيارة السريعة، وأنت فرحان، سيارتك هذه تسابق الهرة لكي تقتلها، أو الكلب البريء، وغير ذلك. انتبه لنفسك، أمر دخلت النار في هرة، لم تباشر قتلها، حبستها، حبستها، فماتت جوعا، فدخلت النار. من رآها النبي عليه الصلاة والسلام حين رأى النار، حين كسفت الشمس، صلى النبي صلاة الكسوف، فرأى الجنة ورأى النار. ومن من رأى في النار هذه المرأة التي حبست هذه الهرة. وهكذا رأى عمر بن لحي الخزاعي يجر قصبه في النار، أي أمعاءه. ورأى من ضمن ما رأى الرجل الذي كان يسرق الحجيج بمحجنه. له محجن، المحجن العصا المنحنية الرأس، نسميها الباكورة. هذا المحجن عصا منحنية الرأس، فكان في الحج ماذا يفعل؟ يفعل هكذا، يأخذ العصا هذه، فإذا علق فيها شيء من متاع الحجاج، فإذا انتبه له ذلك الحاج، قال: عفوك، متاعك تعلق بعصاك. وإذا لم يتفطن له سرق. هكذا كان يفعل، كما جاء في صحيح مسلم في حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. هذا أيضا رآه النبي عليه الصلاة والسلام يعذب في النار بمحجنه الذي كان يسرق به. هذا المحجن الذي كان يسرق به يعذب به في نار جهنم. وكم من الناس اليوم يتهاونون بهذا الأمر في سرقة الحجيج، نعم. حتى إذا احتاج أحد يذهب إلى الحج، استعدى بهذه الأمور التي تحفظ ماله، فربما يجعل الأكياس من داخل، أو هناك أحزمة خاصة لحفظ المال. ربما لا يهم، نطرح في جيبك، يأخذ مالك من غير ما تشعر. هذا يدل على التهاون والتفريط، هذا ليس بالهيئة. فكيف إذا كان هذا الفعل وهذه المصيبة في أعظم البقاع عند الكعبة، في البيت الحرام؟ ومن يرد فيه بالإثم بظلم يضيقه من عذاب أليم. فالله المستعان. رجل غل شملة، لكم تساوي شملة غلها؟ أخذها من الغنيمة سرقها، يعذب فيها في النار، تشتعل عليه نارا. قد يقول: شملة، يقول: شملة، لكن أخذت بغير حق. فكم من الناس من يتهاون في أخذ أموال الناس، ولو في عود. انتبه، يقول: هذا سهل، لا. ولو مسواك، ولو قضيبا من آراك. قال النبي عليه الصلاة والسلام: كم عسى يساوي القضيب من الآراك؟ مسواك. فكيف من أخذ عودا؟ فكيف من أخذ أعظم من هذا؟ فلا شك أنها لا أعظم وأعظم. وكل هذا يوجب الحذر، ويوجب عدم الاغترار، ويوجب التعظيم لهذه الأمور التي استهان بها كثير من الناس، إلا من رحم الله. قال رحمه الله تعالى: وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، قال: حدثنا الأعمش، عن سليمان بن ميسرة، عن طارق بن شهاب، يرفعه، قال: دخل رجل الجنة في ذباب، ودخل رجل النار في ذباب. قال: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال: مر رجلان على قوم لهم صنم، لا يجوزه أحد حتى يقرب له شيئا. فقال لأحدهما: قرب. قال: ليس عندي شيء. قال له: قرب، ولو ذبابا. فقرب ذبابا، فقالوا: سبيله، فدخل النار. وقال للآخر: قرب. فقال: ما كنت لأقرب لأحد شيئا من دون الله عز وجل. فضربوا عنقه، فدخل الجنة. وهذه الكلمة الواحدة يتكلم بها العبد، يهوي بها في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. هذا الحديث حديث طارق بن شهاب رضي الله تعالى عنه، أرضاه. رواه عن سلمان الفارسي موقوفا على سلمان. وسلمان ممن عرف بالأخذ من أهل الكتاب، فلذلك يتوقف في مثل هذا؛ لأن أخبار بني إسرائيل يحدث بها، ولا تصدق ولا تكذب. وإلى حديث واردة عن بعض الصحابة الذين أخذوا من أهل الكتاب، يتوقف فيها، كابن عباس رضي الله عنهما، وكسلمان الفارسي، أخذوا من أهل الكتاب، وكعبد الله بن عمر، وغيرهم. فهذا الحديث يحتمل أن يكون مما أخذه سلمان الفارسي عن بني إسرائيل، ولذلك ذكره العلماء فيه الوقف على سلمان رضي الله تعالى عنه. ومنهم من حكم عليه بالضعف، وقال: إنه شاذ. وذلك لأن الحديث يوهم معارضة الإكراه؛ يعني الذي ضرب عنقه، وهو الذي قرب ذبابا قد قال: إنه مكره، فكيف يضرب عنقه؟ والأدلة واضحة فيه أن من أكره لا شيء عليه، إلا من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان. ولكن من شرح بالكفر صدرا. فقالوا: شاذ. وبعض العلماء قالوا: لا معارض فيه، لا يعارض الإكراه؛ لأن هذا الذي قرب ذبابا غير مكره، ما في إكراه. قالوا: له إما أن تقرب ذبابا حتى تمر في هذه الطريق، وإلا ما تمر. قالوا: بإمكانه أن يرجع، الأمر في طريق أخرى. لكن كأنه تهاون، تهاون في الأمر، وقرب ذبابا. ولا معنى أنه سيرجع، يرجع من الطريق التي أتى بها. هؤلاء قيام على الطريق، لا يسمحون لأحد أن يمر إلا بأن يقرب لآلهتهم أي شيء. إذا ما في معاه، يقرب ذبابا، ذبابا. فقالوا: هذا جاء. وقال له: قرب. قالوا: ما عندي شيء، ماذا يقرب؟ قالوا: قربوا، لو ذبابا. فقرب ذبابا لغير الله، للآلهة. قال: فدخل النار. بعض الأئمة قال: هذا في إكراه، هو مكره؛ لأنه مكره قرب. مكره. بعض الأئمة قال: لا، ما في إكراه، يرجع. ما قالوا له: يعني لابد تقرب وإلا قتلناك إذا مرت من هذا الطريق. فالشاهد، والله أعلم، من هذا أن هذا الحديث فيه من الإشكال ما فيه. لكن أراد ابن القيم رحمه الله تعالى المعنى من هذا الحديث، أراد المعنى من هذا الحديث، وهو أن من الناس من يتهاون ببعض الأمور، فتكون سببا في وقوعه في النار. كأنه يقول: انظروا إلى مثل هذا الذي ذكر في مثل هذا الحديث، بغض النظر عن ما قيل في الحديث من مسائل حديثية، وغير ذلك. قرب ذبابا، إيش الذباب؟ أحقر الحشرات، الذباب. وذلك ضرب به المثل. يا أيها الناس، ضرب مثل فاستمعوا له. إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له، ويسلمهم ذباب شيئا لا يستنقذوه منه. ضعف الطالب والمطلوب، ما قدر الله حق قدره. إن الله قوي عزيز. فكيف بمن قرب أعظم من الذباب؟ من الناس من يذهب إلى الكهنة وإلى المشعوذين، يقول له: افكس بيضة، افكس بيضة تحت باب الدار. هذا مسكين، يقول: بيضة، سهل. هذا ضرب ثلاثين ريالا، كم عسى يأخذها؟ يكسرها تحت الباب. المثلة ما هي بيضة، المثلة ما هي بيضة الذي يريده هذا الكاهن والساحر، وإنما يريد التقرب لغير الله، التقرب لغير الله. البيضة هذه التي فقستها عند باب بيتك لغير الله، هي للجن، تقربت بها. أشركت بالله جل وعلا. وإلى الآخر، يقول له: اجعل كبشا مسايرا. الكبش هذا اجعله مع الغنم، فأنت لا تنتفع به، لا تنتفع بهذا الكبش. اجعله يذهب مع البهائم، يدخل ويخرج، لا تشرب لبنه، ولا تذبحه، إلى أن يموت. ما نريد منك شيئا كثيرا أبدا، سنعالجك، وإلى آخر ذلك. طلبنا عندك غنم، أنا عندي غنم طيب، كبش واحد، اتركه، لا تذبحه، ولا يدخل ويخرج، ويمشي مع الغنم، لا تذبحه، لا تبيعه. كأنه ما هو لك، وإنما هو عندك فقط. هذا يقال له: كبش مساير، في عرف الناس يسمونه الكبش المساير. وهذا للجن، سيب، سيب. وما كان عليه أهل الجاهلية من السوائب والبحائر والوصائل والحام. السائبة والوصيلة والبحيرة والحام، هذه كلها أسماء لبهائم تسيب للآلهة، فلا ينتفع بها. اليوم مثلها، يجعلونها في الغنم، فيقال: الديك هذا ديك، اتركه. أو الدجاجة اتركها. هذا معنى التسييب. فهذا شرك بالله جل وعلا. يظل الإنسان أنه إذا فعل هذا لم يقع في الشرك، بل وهو يقع في الشرك بالله، جل وعلا. بهذا قد تهاون الناس في هذا الأمر تهاولا عظيما، إلا من رحم الله جل وعلا. فحديث الذباب فيه هذا المعنى. فلما تقرب إلى غير الله جل وعلا، ولو كان بشيء حقير، وهو الذباب، دخل النار. والآخر امتنع، وضرب عنقه، لكن دخل الجنة. دخل الجنة. والكلمة الواحدة يتهاون بها الإنسان، أو الفعل الواحد، يهوي به في النار أبعد ما بين المشرق والمغرب. وهي ربما كلمة واحدة، أو فعل واحد، أو إخراج لسان فيه استهزاء، سخرية. أو نظرة فيها استهزاء وسخرية، بشيء من شعائر الله، أو بسنة من سنن رسول الله عليه الصلاة والسلام. فعل يصدر من العين، أو من اللسان، أو غير ذلك، وهو كفر بالله جل وعلا، يهوي بصاحبه أبعد ما بين المشرق والمغرب. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام: إن الرجل يتكلم بالكلمة يهوي بها في النار سبعين خريفا. وأكثر ما يدخل الناس النار حصائد ألسنتهم. ولما قال معاذ: أين لم يؤخذون بما نقول؟ قال: ثكلتك أمك يا معاذ، وهل يكب الناس في النار على مناخرهم، أو قال: على وجوههم، إلا حصائد ألسنتهم؟ فالحذر الحذر من الأفعال المخالفة لشرع الله، وعدم الاستهانة بهذه الأفعال، أو بهذه الأقوال. واليوم حدث ولا حرج مما يسمع من الناس في مجالسهم، وفي أسواقهم، الشيء الذي تقشعر منه الجلود، وذلك لجهلهم بعظمة الله، وعظمة دينه، وعظمة شرعه. وإلا لو قدر الله حق قدره لما قالوا هذا الكلام الذي ربما الكلمة الواحدة منها إذا مزجت بماء البحر لمزجته. ولكن لجهلهم بدين الله جل وعلا، وشرع الله جل وعلا، يأتي على ألسنتهم من الأقوال، ويأتي على جوارحهم من الأفعال، الشيء الكثير في هذا. والله المستعان. قال رحمه الله تعالى: وربما اتكل بعض المغترين على ما يرى من نعم الله عليه في الدنيا، وأنه لا يغير ما به، ويظن أن ذلك من محبة الله له، وأنه سيعطيه في الآخرة أفضل من ذلك. فهذا من الغرور. قال الإمام أحمد رحمه الله: حدثنا يحيى بن غيلان، قال: حدثنا رشدين بن سعد، قال: حدثنا حرملة بن عمران التجيبي، عن عقبة بن مسلم، عن عقبة بن عامر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: إذا رأيت الله عز وجل يعطي العبد من الدنيا على معاصيه ما يحب، فإنما هو استدراج. ثم تلا قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ﴾. وقال بعض السلف: إذا رأيت الله عز وجل تابع عليك نعمة وأنت مقيم على معاصيه، فاحذره؛ فإنما هو استدراج منه، يستدرجك به. قد قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقد رد سبحانه على من يظن هذا الظن بقوله: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ * كَلَّا﴾ أي: ليس كل من نعمته وسعت عليه رزقه، أكون قد أكرمته، ولا كل من ابتليته وضيقت عليه رزقه، أكون قد أهنته. بل أبتلي هذا بالنعم، وأكرم هذا بالابتلاء. وفي جامع الترمذي عنه صلى الله عليه وسلم، قال: إن الله يعطي الدنيا من يحب ومن لا يحب، ولا يعطي الإيمان إلا من يحب. ذكر مقيم رحمه الله تعالى هذه النصوص، هذه الآثار؛ لبيان تصحيح خطأ عند طائفة من الناس، حيث جعلوا دليل محبة الله، برهان محبة الله، ميزان محبة الله للعبد، أن يعطيه من الدنيا. فإذا جعله غنيا، وعطاه من الأموال، وعطاه من الصحة، وعطاه من الأولاد، وعطاه، وعطاه، ظن أن الله يحبه، ظن أن الله يحبه، وأنه سيعطيه في الآخرة أفضل من هذا. هذا الذي وقع فيه صاحب الجنتين في سورة الكهف: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾. هذا للمغرورين الذين ينظرون فيما أعطاهم الله جل وعلا من النعم، ثم يقولون: هذا دليل على أن الله حبنا. لولا أن الله يحبنا لما أعطانا هذه الأموال، وهذه التجارة، وهذه الصحة، إلى آخر ذلك. وغفل المسكين، وجهل أن هذا ربما يكون من باب الاستدراج، من باب الاستدراج. فلا تظن يا عبد الله أنك إذا أعطاك الله جل وعلا هذا، فمعنى أيضا أن لك عنده الحسنى في الآخرة، لا. انظر إلى استقامتك، انظر إلى عملك، انظر إلى مكانك أنت، هل أنت مقيم على طاعة الله؟ هذه الأموال وهذه الصحة وهذه التجارة، وأنت مقيم على طاعة الله؟ أو هذه الأموال شغلتك عن طاعة الله؟ أنت من آخر الناس في الصفوف، أنت ممن يحضر الجماعة، وأحيانا لا يحضر، وأنت آخر من يأتي إلى الجمعة، ما يأتي إلا وبقيت كلمات يسيرات على ختام خطبة الخطيب. فإذا كنت مقيما على طاعة الله، مؤديا حقوق الله جل وعلا، فالحمد لله، هذا دليل على محبة الله لك، وهذا من الثواب العاجل، من الثواب العاجل في الدنيا، أن أنعم الله جل وعلا عليك بالمال وبالصحة والعافية والولد، وأنت على طاعة الله. لكن عندك الأموال، وعندك التجارة، وعندك الصحة، وأنت مقصر في طاعة الله، وأنت مفرط، وأنت مضيع للحقوق، مضيع لحقوق الأولاد، مضيع لحقوق الأرحام، مضيع لحقوق الجيران، وأعظم من هذا مضيع لحقوق الله سبحانه وتعالى. فاعلم أن هذا استدراج، يستدرجك الله سبحانه وتعالى. وأملي لهم، إن كيدي متين. وأملي لهم، إن كيدي متين. هذا كيد من الله جل وعلا بالكائدين. ويكيدون كيدا، وأكيدوا كيدا، سنستدرجهم من حيث لا يعلمون. وكما قال: إذا رأيت الله يعطي العبد من النعم وهو قائم على معاصيه، فاعلم أن ما هو استدراج، يستدرجهم الله سبحانه وتعالى. لأن الدنيا يعطيها الله جل وعلا من أحب ومن لم يحب. عندنا من أهل الإسلام من عنده الدنيا، وكذلك من الكفار. أهل الإسلام إذا أعطاهم الله من الدنيا، يحبهم جل وعلا، يحبهم، وعطاهم الدنيا، وهم من أهل الإسلام. وكذلك الكفار أعطاهم من الدنيا، هل يحبهم؟ لا؛ لأن الدنيا يعطيها الله جل وعلا كما أخبر النبي عليه السلام من أحب ومن لم يحب. لكن الدين والإيمان لا يعطيه لا يعطيه الله إلا من أحب، إلا من أحب. وذلك ذكر الله جل وعلا الميزان والبرهان الصحيح الدال على محبة الله للعبد وعدمها. فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه، فيقول: ربي أكرم. إذا رأى الله أنعم عليه وأكرمه، قال: ربي أكرم. وأما إذا ما ابتلاه، فقدر عليه رزقه، أي ضيق، فيقول: ربي يهان. كلا، ليس هذا هو الميزان. كلا، أي: ليس كل من أكرمته ونعمته، ذلك من الإكرام مني له، ومن الحب مني له. وليس كل من ضيقت عليه رزقه، أنني أهنته، لا. فكم من الناس من ضيق الله جل وعلا أرزاقهم، وهم من أحبهم الله جل وعلا. وكم من الناس من وسع الله جل وعلا عليهم في الأرزاق، وهم من أهانهم الله؛ لأن الإكرام للمكرمين، الإكرام من الله جل وعلا للمكرمين الذين أتوا بشرع الله. وأما من أهان شرع الله، فالله يهينه. ومن يهن الله، فما له من مكرم. ومن الذي يهن الله؟ الذي يهن الله هو الذي يترك شرعه، هو الذي يترك الواجبات. هذا يهن الله، فيهينه الله جل وعلا، ولا يكرمه. فإذا لم يكرمك الله يا عبد الله، من يكرمك؟ لا أحد. فإذا هانك الله، وأصبحت صغيرا حقيرا عند الله، فلا مكرم لك؛ لأن المكرم هو الكريم جل وعلا. ومن يهن الله، فما له من مكرم. نواصل إن شاء الله في درس لاحق. وصلى الله وسلم وبرك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.