الدرس في الجواب الكافي 22، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يتناول خطورة الاتكال على عفو الله دون الأخذ بالأسباب والتحذير من الوقوع في الذنوب معتمدين على سعة عفو الله. ويبين أهمية الجمع بين الخوف والرجاء ونصوص الوعد والوعيد.
يتناول مذهب الجبرية واعتقادهم أن العبد لا اختيار له في أفعاله، ويحتجون بالجبر لارتكاب المعاصي. ويبين تناقضهم في تطبيق مبدأ الجبر على أنفسهم.
يشرح أهمية الاعتقاد الصحيح في القدر ومسؤولية الإنسان عن أفعاله. ويبين تناقضات الاعتقاد بالجبر ومذهب أهل السنة والجماعة في الاختيار والقدرة على الفعل.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس الماضي ما ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى من ذكر بعض أصناف الناس الذين اتكلوا على نصوص الرجاء، ولذلك تجرأوا على الوقوع في محارم الله، واستصغروا هذه المحارم. ولذلك قال رحمه الله: «وقول بعضهم: التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله»، وقال الآخر: «تركوا الذنوب جراءة على مغفرة الله واستصغار لها». انظروا كيف ظن هؤلاء أن التنزه من الذنوب جهل بسعة عفو الله، يعني كأنه على الإنسان أن يقع في الذنوب إذا علم أن الله جل وعلا هو العفو، وإذا علم سعة عفو الله عز وجل يقع في الذنوب. وأما الذي يتنزه عن الوقوع في الذنوب ويحرص على عدم الوقوع فيها، عند هؤلاء هذا جاهل، عندهم جاهل الذي يحرص على عدم الوقوع في الذنوب ويأخذ بالأسباب لابتعاد عن الوقوع فيها، فعندهم وفي ميزانهم هذا جاهل. لماذا؟ لأنهم ظنوا أن الوقوع في الذنوب هذا شيء لا بد منه، ولذلك لا يتنزه الإنسان عن هذا. فعكسوا الميزان. ما الذي جعلهم يجعلون هذا الميزان هو الاتكال على عفو الله وعلى سعة عفو الله، والإعراض عن النصوص الواردة في العذاب والوعيد. فمن لم يفقه هذا الأمر العظيم، وهو الجمع بين الخوف والرجاء، وبين نصوص الوعد والوعيد، ضل ولابد؛ لأنه سيميل إلى النصوص التي توافق هوى نفسه، فلذلك سيقع في الضلال. وقال رحمه الله: وقال محمد بن حزم: «رأيت من بعض هؤلاء من يقول في دعائه: اللهم إني أعوذ بك من العثمة»، سبحان الله! «اللهم إني أعوذ بك من العثمة»، يعني كأنه يدعو يقول: «اللهم إني أعوذ بك أن لا أقع في الذنوب والمعاصي»، أعوذ بك أن لا أقع في الذنوب والمعاصي. من قال هذا الدعاء؟ هل قاله عليه الصلاة والسلام؟ هل قاله الصحابة؟ «اللهم إني أعوذ بك من العثمة» معناه: أعوذ بك أن لا أعصيك، أعوذ بك يا رب أن لا أعصيك. أعوذ بالله من ذلك أن لا أقع في العصيان. هكذا وصل الأمر ببعض هؤلاء يدعون بهذا الدعاء، ويطلبون من الله جل وعلا أن لا يعصمهم من الوقوع في الذنوب، بل يستعيذون بالله جل وعلا من هذا، من أن يعصمهم الله جل وعلا. هذا خلل ظاهر. بل أنت اعد ودع الله جل وعلا أن يعصمك من الذنوب والمعاصي، وحرص وخذ بالأسباب. فإذا وقعت منك الزلة من عينك أو من لسانك أو من قلبك أو من يدك أو من رجلك، سارع بالاستغفار. لكن ابتداء حرص على عينك أن لا تقع في الحرام، حرص على سمعك أن لا يقع في الحرام، حرص على قلبك أن لا يقع في الحرام، حرص على يدك أن لا تقع في الحرام، حرص على رجلك أن لا تقع في الحرام. ودع الله جل وعلا أن يوفقك وأن يعينك. وإذا وقع التقصير والخلل، ولا بد أن يقع، سارعت بالاستغفار. والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ومن يغفر الذنوب إلا الله؟ ولم يصروا على ما فعلوا وهم يعلمون. لا يصرون على الخطأ ولا يصرون على الباطل أبدا. لكن ابتداء هم يحرصون على عدم الوقوع، ويدعون الله عز وجل أن يوفقهم لحماية جوارحهم من الوقوع في معصية الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: التعلق بالجبر، قالوا: من هؤلاء المغرورين من يتعلق بمسألة الجبر، وأن العبد لا فعل له البتة ولا اختيار، وإنما هو مجبور على فعل المعاصي. هاقد طائفة من الناس يذكرهم ابن القيم رحمه الله تعالى يقعون في الذنوب والمعاصي، ويقول: يا فلان اتق الله، قال: مجبور، شيء بيدي؟ ها ما بيدي، الشيء مجبور على فعل المعاصي. سبحان الله! يسرق ويفعل وينهب ويأكل الحرام ويقع في المعاصي والذنوب، يا فلان اتق الله، لا مجبور مجبور. وهذا ضلال بعيد، وهو مذهب الجبرية الذين يعتقدون العبد لا اختيار له، لا اختيار له لا في فعل طاعة ولا في فعل المعاصي، وإنما هو كالريشة في مهب الريح، الريح التي تحرك الريشة والريشة لا اختيار لها. وكما يقال: كالميت بين يدي الغاسل، كالميت بين يدي الغاسل يقلبه تارة اليمين وتارة اليسار، والميت لا حركة له ولا اختيار له. هكذا عندهم العبد، وهو مذهب الجبرية. وقد ذكر الشيخ العلامة السعدي رحمه الله في شرحه للتائية القدرية لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن رجلا جبريا كان يقع في الذنوب والمعاصي ويكثر من الوقوع في الذنوب والمعاصي، وكان له صاحب ينصحه يقول: يا فلان اتق الله، ترك الذنوب والمعاصي، ترك الفواحش. كل ما نصح قال: أنا مجبور. وكان هذا الصاحب يستغل اليوم الذي يقيم فيه الحجة على هذا الجبري. وكان هذا الجبري تاجرا له أموال كثيرة، له إبل وبقر وغنم، وله تجارة وله أولاد. فذات يوم جاء من وكله بالتجارة، الوكيل الذي على التجارة الموكل من قبله، جاء ذات يوم وقال: يا فلان التجارة هلكت. كيف هلكت؟ قال: مررنا على طريق بها قطاع طرق فأخذوا التجارة، فأخذوا البضاعة كلها. غضب الجبري هذا، وصاحبه عنده ينظر فيه ماذا سيقول الآن؟ فغضب قال: لما مررتم بطريق التي بها قطاع الطرق ولم تمروا بالطرق الأخرى الآمنة؟ قال: مجبور، مجبور، نحن مجبورون على هذا الطريق عبرنا هذا الطريق. حاول أن يغضب، لكن صاحبه له بالمرصاد. سكت وكظم غيظه كما يقال، وهو غير راضي، لكن خلاص ما عسى أن يفعل؟ مرت فترة، جاء من وكله بالبهائم، البقر والغنم والإبل، قال: يا فلان هلكت الإبل والبقر والغنم. هلك كيف هلك؟ قال: رعيناها في أرض جدبة لا عشب فيها ولا ماء، وماتت كلها. مات. غضب كيف؟ لماذا رعيتم هذه الأنعام في الجدبة؟ عندكم الأراضي الخصبة. قال: لا مجبور. وغضب أشد من المرة الأولى. وبعد زمان جاء الوكيل الذي هو موكل بأولاده، بتربية أولاده والقيام بشؤونهم، قال: يا فلان مات أولادك كلهم. كيف ماتوا؟ قال: خرجوا في بئر يسبحون، يسبحون في البئر والبئر عميقة، وكيف تجعلونهم يسبحون في البئر وهم لا يحسنون السباحة؟ قال: مجبور. وغضب غضبا أشد. أما هذه المرة ما قدر عليها. فقال له هذا: لست بمجبور. ونزل عنه. قال له هذا: لست مجبورا وأنت مجبور. يقول له صاحبه: هذا ما هو مجبور وأنت مجبور. فتفطن لهذا حتى قال -كما ذكر-: «والله إن علمي بهذه الحقيقة، وصحته هذا الاعتقاد، وهو أن اللسان غير مجبور -نعم- لأجله هانت علي تلك الأموال التي ذهبت من التجارة ومن الأنعام وهكذا الأولاد، كله قليل في أنني فهمت هذه الحقيقة». يعني هذه الحقيقة غالية تساوي ولو ذهبت هذه الأشياء لأجل أن يفهم الإنسان. فإذن من يتعلق بالجبر ويقول: أنا مجبور، لا يرضى أن يعامله الناس بهذا. وإذا قال له بعضهم: أنت مجبور، ألطمه. نعم أعطيه لطمة. وقال له: ما لك يا فلان مجبور؟ وإذا رضي أعطه الثانية. قال: ما لك؟ أقول له: مجبور؟ وإذا قال: تمام أعطه الثالثة. لا تتركه أبدا حتى يقول: خلاص، خلاص. إذا مجبور ما أترك لطمة بعض لطمة ولطمة بعض لطمة وخلاص. إذا صار الناس يعتدون على أموال الناس، إذا كان الناس على هذا، الناس يقعون في الاعتداء على أموال الناس، يقعون. والله مجبور. ولما جاء السارق في عهد عمر وسرق، وجاء به الأمير أمير المؤمنين عمر الفاروق رضي الله تعالى عنه، قال له: يا أمير المؤمنين، أنت عمر المعروف بالعدل، أي شيء بعد هذا؟ أنا سرقت مجبور، مجبور علي سرقت. قال: وأنا مجبور علي أقطع يدك. ونقطع يدك بقدر الله. لا سرقت بقدر الله. قال: أنا سرقت بقدر الله. قال له عمر: وأنا أقطع يدك بقدر الله. السرقة سرقت بقدر الله، والقطع بقدر الله، كله بقدر الله عز وجل. فلا يحتجب الإنسان الآن إذا اعتدوا عليه بماله، على ماله مثلا أو على أهله أو على أولاده. نعم لا يرضى إذا قال له شخص: مجبور، ما يرضى أبدا. وكيف يتعامل مع الله عز وجل؟ يقع في محارم الله، يعادي أولياء الله، ثم يقول: أنا مجبور. وإذا عامل أحد بهذه المعاملة لا يرضى، لا يرضى. سبحان الله. ولذلك على الإنسان أن يعتقد الاعتقاد الصحيح، خاصة في باب القدر؛ لأن كثيرا من الناس من ضل إنما بسبب هذا الاعتقاد الفاسد. يظن نفسه أن حين يفعل المعاصي أنه مجبور، لا. انتبه، ما أنت مجبور أبدا. تفعل المعاصي باختيارك أنت، كما أنك تفعل الطاعة باختيارك. بعض الناس إذا فعل المعاصي قال: مجبور. طيب وإذا فعلت الطاعات، هل أنت مجبور لفعل الطاعات؟ قال: لا، أنا فعلت الطاعة. الطاعة هو الذي فعلها، والمعاصي قال: أنا مجبور. ولكن لما قال بعض الناس هذا لبعض السلف، قالوا: أنت في الطاعة جبري، وفي المعصية جبري. وفي الطاعة قدري، وفي المعصية جبري. تستدل بمذهب الجبرية، وفي الطاعة قدري؛ لأن القدرية ينسبون خلق أفعالهم إلى أنفسهم، ويقول: العبد يخلق فعله بنفسه. وهل أهل السنة والجماعة يعتقدون أن الله جل وعلا أعطى العبد الاختيار؟ إن هديناه السبيل إما شاكرا وإما كفورا، أعطاه الاختيار. إما إذا أراد يفعل طاعة، خلق الله جل وعلا فيه القدرة والحركة الذي يفعل بها الطاعة. إذا أراد يفعل المعصية، خلق الله جل وعلا فيه الحركة والقدرة والإرادة على فعل المعصية. فالإرادة والقدرة والحركة التي يفعل بها العبد إما الطاعة وإما المعصية من خلق الله جل وعلا، والفعل والاختيار هو اختيار العبد. هذا هو مذهب أهل السنة والجماعة. سيأتي معنا أيضا ذكر بعض أصناف الناس الذين ظلوا في هذا الباب الذي ذكرهم فيه ابن القيم رحمه الله تعالى. إعلان عن محاضرة يوم غد للمشايخ في مسجد السنة ببيئة المكلة، مسجد السنة بالديس المكلة، والمواصلات متوفرة، وسيكون التحرك بعد صلاة العصر إن شاء الله تعالى. صلى الله عليه وسلم، بارك عن أبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.