الجواب الكافي 69

الدرس في الجواب الكافي 69، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

توالد المعاصي وتكاثرها وصعوبة مفارقتها

تتكاثر المعاصي كالبذر وتزرع أمثالها فيصعب على العبد مفارقتها وتصبح سجية راسخة، وعقوبة السيئة سيئة بعدها. بينما الحسنة تدعو إلى حسنة أخرى فيقوى جند الطاعة أو المعصية بالمدد الإلهي أو الشيطاني.

تأثير المألوف من الطاعة والمعصية على النفس والجوارح

الحسنات تجر الحسنات والسيئات تجر السيئات، واعتياد الطاعة يجعل المعصية ثقيلة على النفس والجوارح. الإصرار على المعاصي يرسخها حتى يصعب تركها ويفقد صاحبها لذتها، مع عقوبة من يصر على الكبائر.

أثر المعاصي في إضعاف الإرادة ودور الطاعة في تقويتها

المعاصي تضعف إرادة القلب حتى يعجز العبد عن تركها رغم انعدام اللذة، بينما تقوي الطاعات العزيمة وتجعل الملائكة تحفظ العبد. من استمر على المعاصي ضعفت إرادته وسهل عليه الانقياد للشر، ومن داوم على الطاعات قويت عزيمته.

أهمية الاستمرار في الطاعات لتقوية الإرادة

الإرادة لا تقوى إلا بالمواظبة على الطاعات بشكل مستمر، وأي انقطاع ولو يسير يضعفها ويؤدي إلى الوقوع في المعاصي. لذا يدعو الداعي إلى سؤال الله تقوية الإرادة والعزيمة.

  • 26 جمادى الأولى 1434هـ - 06/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام الموفق رحمه الله تعالى: فصل توالد المعاصي. قال رحمه الله: ومنها أن المعاصي تزرع أمثالها، ويولد بعضها بعضاً، حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها. كما قال بعض السلف: «إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها». فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضاً، فإذا عملها قالت الثالثة كذلك، وهلما جرى، فتضاعف الربح وتزداد الحسنات. وكذلك السيئات أيضاً، حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة وملكات ثابتة. فلو عطل المحسن الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاقت عليه الأرض بما رحبت، وأحس من نفسه بأنه كالحوت إذا فارق الماء حتى يعاودها فتسكن نفسه وتقر عينه. ولو عطل المجرم المعصية وأقبل على الطاعة لضاقت عليه نفسه، وضاق صدره، وأعيت عليه مذاهبه حتى يعاودها. حتى إن كثيراً من الفساق ليواقع المعصية من غير لذة يجدها ولا داعية إليها، إلا لما يجد من الألم بمفارقتها، كما صرح بذلك شيخ القوم الحسن بن هاني حيث يقول: «وكأس شربت على لذة، وأخرى تداويت منها بها». وقال الآخر: «فكانت دوائي وهي دائي بعينه، كما يتداوى شارب الخمر بالخمر». ولا يزال العبد يعاني الطاعة ويألفها ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله سبحانه وتعالى برحمته عليه الملائكة تأزه إليها أزاً، وتحرضه عليها، وتزعجه عن فراشه ومجلسه إليها. ولا يزال يألف المعاصي ويحبها ويؤثرها، حتى يرسل الله عليه الشياطين فتأزه إليها أزة. فالأول قوى جند الطاعة بالمدد، فكانوا من أعوانه، والآخر قوى جند المعصية بالمدد، فكانوا أعواناً عليه. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل، في هذا الموضع من كتابه، شيئاً من آثار الذنوب والمعاصي على أهلها. ومنها أن الذنوب والمعاصي تزرع أمثالها، فالمعاصي تتوالد وبعضها يولد بعضاً وتزرع وتنبت. فهذا يدل على عظيم خطر الذنوب والمعاصي، وأن لا تبقى على ما هي عليه، وإنما تتكاثر. فمعصية تولد أخرى، كالبذر: البذر يتفرع حبة ثم تنمو ثم تتفرع، وهكذا هي المعصية فإنها تتفرع وتتشعب وتترسخ، أعظم من تفرع الأشجار وغير ذلك مما يتفرع. فيصل الحال إلى أن العبد يعز عليه أن يفارق هذه المعاصي، والخروج منها يصعب عليه ويشق عليه مفارقة هذه الذنوب والمعاصي. لماذا؟ لأنها تفرعت وتشعبت، تفرعت وتشعبت وترسخت كذلك، ورسخ فيها، فصار يشق عليه مفارقة هذه الذنوب والمعاصي والخروج منها. وهذا من العقوبات العاجلة، من عقوبات العاجلة للمذنبين والعاصين: أن تتفرع عليهم الذنوب والمعاصي وتتشعب حتى يصعب عليهم مفارقة هذه الذنوب والمعاصي، وترك هذه الذنوب والمعاصي. لما أصروا عليها واستمروا عليها ولم يقلعوا عنها، تفرعت، ولدت، ولدت. ما تركوها قبل أن تحمل، وإنما فعلوا المعصية، والمعصية نمت وصارت حاملاً، ثم وضعت حملها، وحملها الذي وضعته هي ذنوب ومعاصي أخرى. إذا تكاثرت فصار العبد يشق عليه، وفارقت هذه المعاصي وهذا الذنب. ذكر رحمه الله تعالى ما يدل على هذا من فهم السلف رحمهم الله تعالى: «وأن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وجزاء سيئة سيئة مثلها، فجزاء السيئات السيئات». وهكذا عقوبة السيئات السيئات، فالسيئة عاقبتها سيئة أخرى. إذا وقع الإنسان في ذنب، في سيئة، عوقب بأن يقع في أخرى، فإذا وقع في الأخرى وقع في أخرى، وهكذا. لكن تاب ورجع، فالحمد لله. لكن فعل السيئة والإصرار عليها جرته إلى فعل سيئة أخرى. وهكذا: إذا شرب الخمر ربما بعد ذلك يقع في الزنا، ويقع في القتل. فالمعاصي يجر بعضها بعضاً. لتهاون العبد في معصية، وربما وقع بعد ذلك في معصية، ربما يرى نفسه من المحال أن يقع فيها، من المحال أن يقع فيها، لكن وقع فيها لتهاونه بمعصية أخرى. ظن أن هذه المعصية هينة، سهلة، والأمر ليس كذلك. هذه المعصية التي استهان بها كانت سبباً في وقوعه في تلك السيئة الأخرى، أو تلك المعصية التي كانت في حسبانه أنه من المحال أن يقع فيها. فما سرق من سرق، وما زنى من زنى، وما قتل من قتل، إلا بسبب سيئات قبلها، سيئات قبل هذه السيئات. ربما يستعظم، يستعظم القتل، وأن هذا محال في حقه، أن يكتب نفسك معصومة، ربما عنده هذا من المحال. لكن لتهاونه في الوقوع في سيئات وذنوب، وقع في هذا الذي كان يظنه من المحال أن يقع فيه. فالإنسان لا يستهين بالمعاصي. فالمعاصي يجر بعضها بعضاً، يجر بعضها بعضاً. يقع في الرشوة، يقول: سهل، يرتشي في أول الأمر، وبعد ذلك هو في عداد أولئك الذين هم يقعون في الكبائر العظيمة، مثل القتل أو السرقة، أكل أموال الناس بالباطل، ولا يبالي. أراد رحمه الله تعالى أن يبين أثر الذنوب والمعاصي على أهلها، وذلك أولاً: أن المعاصي تتوالد، يولد بعضها بعضاً، فيصعب على الإنسان مفارقة هذه الذنوب والمعاصي. وكذلك أن السيئة عقوبتها سيئة أخرى، كما أن الحسنة إذا فعلها العبد ثوابها أنه يأتي بحسنة أخرى. يفعل الإنسان حسنة، فيفعل بعدها حسنة أخرى. الحسنة تدعو إلى حسنة أخرى، وهكذا. وجاء في الحديث: إذا رأى الإنسان نفسه حين يفعل الحسنة وحين يفعل العمل الصالح، التوفيق لعمل صالح آخر، لعمل صالح آخر، فهذا يدل على، أو هذا من العلامات الدالة على قبول عمله، وأن الله جل وعلا قبل منه ذلك، فجعله من عاجل بشرى ذلك أن وفقه لأعمال صالحات، فهو في منازل من هذه الأعمال الصالحات. فالذنوب يجر بعضها بعضاً، والحسنات يجر بعضها بعضاً. فاحذر يا عبد الله من التهاون بالذنوب والمعاصي، لأنك إذا أصررت على الذنوب والمعاصي رسخت في قلبك، صارت هيئات راسخة وصفات لازمة لك، حتى ربما الإنسان إذا أراد أن يترك هذه المعاصي ضاقت عليه نفسه، لأن نفسه قد ألفت هذه المعاصي. فإذا أراد أن يبتعد عنها ضاقت عليه نفسه، لأنها صارت كالنفس له، الحوت في الماء لا يستطيع أن يفارق الحوت، لا يستطيع أن يفارق البحر. لماذا؟ لأن ألفة حياته في هذا الموضع. وهكذا الذي يصر على الذنوب والمعاصي ويألفها ويستمر عليها، يكون موضعه الذي عاش فيه وألفه، حتى إذا أراد أن يصعد ما استطاع، ضاقت عليه نفسه، لأنه اعتاد العيش في هذا الموضع. والعكس كذلك: صاحب الطاعة، صاحب الأعمال الصالحات، ألف الأعمال الصالحة، حياته حافلة بالأعمال الصالحة، يومه وليلته في طاعة الله عز وجل، في أداء الفرائض والاجتهاد في أداء النوافل، ساعاته خير. ألف على هذا، فلذلك إذا هم أن يفعل سيئة أو معصية ضاقت عليه نفسه، لا تريد هذه السيئة. لماذا؟ لأن النفس ألفت الطاعة وحب الطاعة. وهذا من ثمار الأعمال الصالحات، من ثمار الحسنات: أنها ترسخ وتكون كالهيئة الراسخة عند ألفها. ألف الطاعة، لسانه ألف ذكر الله عز وجل، وألف الكلام الطيب، بين دعوة إلى الله عز وجل، وبين أمر بمعروف ونهي عن منكر، بين تلاوة للقرآن، أذكار صباح ومساء. لسانه ألف قول الخير. إذا أراد يقول الكلمة السيئة ضاقت عليه، لسانه تعثرت، لماذا؟ لأنها ألفت الكلام الطيب، استقامت على هذا. فالخروج عن هذا عوج بالنسبة للسان ليس بالأمر الهيئ عليها. وهذا إنسان إذا ألف الكلام الباطل، وقول الباطل والكذب والغش إلى آخر ذلك، ألفت لسانه هذه الأقوال الخبيثة. فإذا أراد يقول خيراً ضاقت عليه، لسانه ثقيل عليها. اللسان استقام على شيء، إذا أراد أن يقول الكلمة الطيبة صارت الكلمة، خروج الكلمة الطيبة من لسانه ثقيلة، لأن لسانه إنما ألفت الكلمة الخبيثة والقول الخبيث. فإذا الإنسان عليه أن يجاهد نفسه على الطاعة حتى يألفها، يجاهد لسانه على الطاعة حتى تألف لسانه الطاعة، تستقيم على هذه الطاعة، يجاهد بصره على الطاعة حتى يألف البصر النظر فيما أحل الله. فإذا أراد أن ينظر الحرام شق عليه، كأن بصره قد ألف النظر فيما أحل الله، فأعانه ذلك على مجاهدة نفسه على عدم إتباع النظرة. النظرة الأولى المفاجئة لا إثم فيها، لكن الحساب على النظرة الأخرى التي فيها عمد. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «لا تتبع النظرة النظرة، فإنما لك الأولى، وليست لك الأخرى». الأولى لك لأنها من غير عمد. أنت مثلاً تمشي، فإذا امرأة وقع نظرك عليها هكذا من غير عمد، من غير قصد، هذا أنت غير مؤاخذ. لكن الاسترسال ليس لك. النظرة الثانية: لا، خلاص، اصرف بصرك. تلك أنت غير مؤاخذ. فالإنسان إذا جاهد نفسه وجاهد جوارحه على طاعة الله عز وجل حتى ألفت هذه الجوارح، فإنها تستعين بعد ذلك على الطاعة، حتى أن المعصية يشق فعلها من قبل هذه الجوارح: لا اللسان، ولا العينان، ولا القلب، ولا الجوارح الأخرى. والعكس كذلك بالنسبة للعاصي: إذا ألف المعاصي شق عليه فعل الطاعة. وهذه عقوبات عاجلة. حتى ذكر رحمه الله تعالى هنا أن من الناس من ربما يشرب الخمر ولا يجد لذتها، لا يجد لذتها، يشرب الخمر، طيب لماذا يشرب الخمر؟ هل يجد لذتها؟ صار لا يجد لذتها أصلاً، ومع هذا صار لا يستطيع أن لا يشرب الخمر. فيشرب الخمر ولا يجد لذتها، عقوبة. بل حتى الزنا، والعياذ بالله، والفواحش: من الناس من إذا استمر على فعل الفواحش فربما يصر إلى حال أنه لا يجد لذة للزنا. لا يجد لذة في أول أمر، ربما إذا زنى وجد تلك اللذة، هذه اللذة المحرمة، وأشبع بها رغبة نفسه، وأصر على هذا، فوصل إلى حال أنه بعد ذلك لا يجد لذة، يواقع المعصية ولا يجد اللذة التي لأجلها كان يفعل هذه الذنوب والمعاصي. لما استمر على ذلك، صار في حال لا يجد لذة لما يفعل. طيب، إذا كان لا يجد لذة لماذا يفعل؟ لأنه حرم عليه، حرم عليه أن يزني، حرم عليه أن يشرب الخمر. طيب، ولماذا أصلا يشرب؟ حتى اللذة هذه التي لأجلها كان يشرب الخمر، والنشوة التي يجدها الشيطانية، وهكذا اللذة الشيطانية، صار الآن لا يجدها. طيب، لماذا لا زال عليها؟ إنها عقوبة الإصرار على المعاصي. صار لا يستطيع أن يترك. والله، جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: «من أشد الناس عذاباً يوم القيامة شيخ زانٍ». طيب، هذا شيخ كبير في السن، ربما ما عنده الشهوة، فلماذا يزني؟ فكان في حقه العقوبة مغلظة. وكله حرام، الزنا كبير، من كبير الزنا في حق الشاب وفي حق الشيخ. لكن لماذا غلظت في حق الشيخ؟ لضعف الشهوة، بل ربما أيضاً لعدم الشهوة. ما عنده شهوة وهو يزني، يسرق وما عنده شهوة السرقة، يكذب وما عنده شهوة الكذب، يقع في الغيبة والنميمة، وهكذا. إذن يقع في الذنوب والمعاصي مع أن اللذات الشيطانية التي كان يجدها عند فعله لهذه الذنوب والمعاصي، صار في حال لا يجدها، ومع هذا لا يستطيع أن يفارق هذه المعاصي. فلذلك ذكر هنا ممن ابتلي بالخمر، وكان يشربها على لذة، كيف صار في آخر أمره أنه لا يجد لذة، ومع هذا صار يشربها: «وكأس شربت على لذة، وأخرى تداويت منها بها». وقال آخر: «فكانت دوائي وهي دائي بعينه». يعني ربما كان في أول أمر يراها دواء له، لكن صار في آخر أمره أنها داء. يعني حتى ذلك الذي يجده صار لا يجده، كما يتداوى شارب الخمر بالخمر. شارب الخمر يتداوى بالخمر، ومعناه أنه يشرب ولا يستفيد ولا ينتفع بشيء. وهذا من العقوبات العاجلة. وذكر الله تعالى بعد ذلك أن الله جل وعلا له جند، وهم الملائكة. الملائكة جند الله سبحانه وتعالى، فمنهم من وكله الله جل وعلا بإعانة الطائعين على الخير، وعلى الاستمرار على الطاعة. وذلك قال جل وعلا: ﴿هُم مُّعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾. قال ابن عباس: تصير هذه الآية، هم الملائكة، هم الملائكة تحفظ العبد حتى إذا جاء القدر خلوا بينه وبين قدر الله. فالملائكة جعلهم الله جل وعلا يحفظون العبد، ومن ذلك الحفظ وأعظم ذلك الحفظ، وأعظم أنواع الحفظ: الحفظ من الوقوع في الذنوب والمعاصي. فيحفظ بجند الله جل وعلا، الملائكة، من الوقوع في الذنوب والمعاصي. وهذا من الجزاء العاجل في الدنيا، والثواب العاجل للطائعين للمستقيمين على شرع الله. سخر الله جل وعلا هؤلاء الجند، وهؤلاء الملائكة، لتحفظه، فتحفظه من الوقوع في المحرمات، وتحفظه كذلك في بدنه، وكل ذلك بأمره سبحانه وتعالى. بخلاف العاصي: فالملائكة تزهزه أزة، كما استمر على الذنوب والمعاصي ووقع فيها ولم يقلع عنها، صار لا يعان على الطاعة، بل يسر لما أراد ولما استمر عليه. فمن الناس من يسر لليسرة، ومن الناس من يسر للعسرة. الذي يسر لليسرة هم أهل الأعمال الصالحات، والذي يسر للعسرة هم أهل الذنوب والمعاصي. فلذلك على العبد أن يجاهد نفسه على الطاعة والاستمرار عليها، والابتعاد عن الذنوب والمعاصي. قال رحمه الله تعالى: ومنها، وهو من أخوفها على العبد، أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية. فلو مُدّ له في عمره لما تاب إلى الله. فيأتي بالاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، مصر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه. وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. وهذا أيضاً أثر من آثار الذنوب والمعاصي: تضعف إرادة الخير. العبد جعل الله جل وعلا في قلبه واعظاً يعظه إلى الخير، وواعظاً يعظه إلى الشر. والعبد مطالب بالاستجابة لوعظ الخير، واعظ الخير الذي جعله الله جل وعلا في قلبه، يستمع له لأنه يعظ بالخير، ولا يستمع لوعظ الشر لأنه يعظ بالشر. ما الذي يعين العبد على الاستجابة لوعظ الخير؟ الذي يعينه فعل الطاعات. فعل الطاعات لأن فعل الطاعات تقوي الإرادة في قلب العبد. إذا فعل العبد الطاعات قويت إرادته، صار صاحب عزيمة قوية، صاحب إرادة قوية. بخلاف العاصي: ضعيف العزيمة، العاصي ضعيف العزيمة. أما الطائع فقوي العزيمة. بعض الناس اليوم مثلاً يبتلى بشيء من المحرمات والخبايث، كالدخان مثلاً، أو القات، أو الخمر، أو غير ذلك. يريد أن يخلع عنها ولا يستطيع، لا يستطيع الإقلاع. لماذا؟ لضعف إرادته. ضعيف الإرادة، ما عنده إرادة قوية. طيب، ما سبب عدم، ما سبب ضعف إرادته؟ لماذا جهاز المناعة عنده ضعيف؟ السبب: لأنه لا يتعاطى ما يقوي جهاز المناعة، لا يتعاطى ما يقوي جهاز المناعة. جهاز المناعة يحتاج إلى أن تتعاطى ما يقويه. ونريد هنا أن الطاعة تقوي هذه الإرادة، هذا الجهاز. عنده مناعة، مناعة، عنده إرادة قوية، عزيمة قوية. ما الذي قوى تلك العزيمة؟ هي من نفسها لا تقوى، عزيمته قوية، وهذا الجهاز عنده لأنه على استمرار في فعل الطاعات: طاعة بعد طاعة، طاعة بعد طاعة، والإرادة تقوى، والعزيمة تقوى، والجهاز يقوى. ولكن يستطيع أن يقاوم، يستطيع أن يقاوم المؤثرات الخارجية، وهي كثيرة: النفس الأمارة بالسوء، شياطين الجن، شياطين الإنس، وهكذا. عنده عزيمة قوية، قوية لفعل الطاعات والاستمرار عليها. لكن الإنسان يفعل المعاصي، الإنسان يقع في المعاصي في ساعات، وفي يومه وليلته. كيف الجهاز عند هذا؟ وكيف الإرادة عنده؟ إرادة ضعيفة، إرادة ضعيفة، غير مشحونة، ما تتابعت شحنها، ما تتابعت شحنها. كيف تكون قوية؟ كيف كيف تكون عنده مناعة بمقاومة هذه المؤثرات الخارجية؟ فاعلم عبد الله أنك تحتاج إلى أن تقوي الإرادة في قلبك، حتى تكون صاحب عزيمة قوية، وصاحب إرادة قوية، تصبر على ما ستلاقيه، وتبتعد عن ما يضرك بهذه الإرادة. لكن إذا كانت إرادة ضعيفة فمعنى ذلك أنك ستستجيب لوعظ الشر. إذا دعاك تأتيك فتنة بسيطة، تأتيك معصية، تأتيك، يعطيك كذا، تسقط لضعف الإرادة، فتنقاد إلى الحرام. فالله الله في تقوية هذه الإرادة في القلب، والانتباه لها، ومتابعة تقويتها. وهي تحتاج إلى شحن مستمر، تحتاج إلى شحن مستمر، ودائماً تكون متصلة، متصلة بهذا الذي يغذيها، لا تنقطع. ليست هي كأمور الدنيا تحتاج إلى شحن بعض ساعات، لا، هذا يحتاج إلى استمرار: طاعات مستمرة تغذي هذه الإرادة، تغذيها فتقوى ولا تضعف. لأن الانقطاع اليسير يضرها، ولو الانقطاع يسير، الانقطاع عن الطاعة ولو كان يسيراً يضرها ويضعفها. وضعف الإرادة سبب للوقوع في الذنوب والمعاصي. نسأل الله جل وعلا أن يقوي إرادتنا وعزيمتنا. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. شكراً.