الجواب الكافي 70

الدرس في الجواب الكافي 70، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

أثر المعاصي في إضعاف إرادة الخير والعجز عن التوبة

تضعف المعاصي إرادة القلب للخير فتجعل العبد عاجزاً عن الاستمرار في الطاعات ومقاومة الشهوات، وتضعف عزيمته شيئاً فشيئاً حتى تنسلخ إرادة التوبة من قلبه بالكلية. فيصبح مهزوماً أمام الشيطان ونفسه الأمارة بالسوء، ولا تنفعه التوبة حتى لو نزل به البلاء الشديد.

آثار الذنوب على ضعف الإرادة وانسلاخ القلب من استقباح المعصية

يبيّن المقطع كيف يُضعف الإصرار على المعاصي إرادة التوبة حتى عند مشاهدة الموت، ويميّز بين استغفار الكذابين باللسان فقط واستغفار الصادقين المقترن بنية ترك الذنب. ويحذر من انسلاخ القلب من استقباح المعصية حتى تصبح عادة ويجاهر بها العبد، مما يسد عليه باب التوبة كما ورد في حديث المجاهرين.

تأثير اعتياد المعاصي على استقباح القلب لها وجرأة العاصي على المجاهرة بها

يشرح المقطع كيف أن تكرار المعاصي وإصرار العبد عليها يزيل من القلب استقباحها، فيصير لا يستحي من فعلها جهاراً مستشهداً بحديث «إذا لم تستح فاصنع ما شئت». ويصف حال الناس في آخر الزمان الذين يجاهرون بالفحشاء كالحمر، مبيناً أن ما يُسمى تطوراً إنما هو تورط في المعصية واعتياد للمنكر.

الدعاء بالخاتمة والصلاة على النبي

يختتم المتحدث بالدعاء لله بالعافية والسلامة وصلاح القلوب والتوفيق للخير. كما يصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

  • 30 جمادى الأولى 1434هـ - 10/04/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال شيخ الإسلام ابن القيم رحمه الله تعالى: فصل: المعصية تضعف إرادة الخير. قالوا: منها - وهو من أخوفها على العبد - أنها تضعف القلب عن إرادته، فتقوى فيه إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً، إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية. فلو مات نصفه لما تاب إلى الله، فيأتيه الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير، وقلبه معقود بالمعصية، سر عليها، عازم على مواقعتها متى أمكنه. وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك. ذكر رحمه الله تعالى من آثار الذنوب والمعاصي أنها من أخوف هذه الآثار - أي آثار الذنوب والمعاصي - على العبد، أنها تضعف القلب عن إرادته. فالقلب بالذنوب والمعاصي يضعف، تضعف إرادته إرادة الخير، تضعف لأن المعاصي تضعف هذه الإرادة. فإذا أراد الخير ضعف عن فعله. ما الذي جعله يضعف؟ وما الذي يجعل إرادته ضعيفة إذا أراد أن يفعل طاعة أو أن يقلع عن معاصيه؟ الذنوب والمعاصي أثرت على إرادته فأضعفتها، صارت ضعيفة، لا مناعة فيها، المناعة ضعيفة، لا يستطيع أن يقاوم. وانظروا حال المبتلين بالذنوب والمعاصي، تجدون إرادتهم ضعيفة، ما عندهم إرادة قوية، ما يستطيع أن يستمر ويحافظ مثلاً على صلاة الفجر في جماعة، يتعب ويضعف، إذا استمر بعض الأيام ضعفاً وانقطع، الإرادة ضعيفة، العزم ضعيف. وهكذا في قراءة القرآن، إرادة ضعيفة، وهكذا في الاستمرار على الخير، على طلب العلم، الاستمرار عليه ضعيف، إذا فعل بضعة أيام ضعف. لماذا؟ بسبب ضعف الإرادة. إذا ابتلي بشيء من هذه الأمور من شرب دخان أو قات أو غير ذلك، وأراد أن يقلع عن هذه الأمور، ضعيف لا يستطيع، إرادة ضعيفة. ما الذي جعل إرادته ضعيفة؟ لا يستطيع أن يقاوم، ولا يستطيع أن يستمر. الذنوب والمعاصي أثرت على إرادته فجعلت إرادته ضعيفة، سرعان ما ينهزم، سرعان ما ينهزم أمام الفتن. إذا أتمن بشيء من المال لا يستطيع أن يصبر نفسه على عدم أخذه، على عدم أخذ شيء منها، ضعيف الإرادة، يعتدي. وهكذا إذا أتمن في شيء ما استطاع. وهكذا الإرادة ضعيفة بسبب الذنوب والمعاصي. بخلاف الطائع الذي ابتعد عن الذنوب والمعاصي، يكون قوي الإرادة، صاحب إرادة قوية. إذا عزم على الأمر عزم عليه. من الناس بسبب الذنوب والمعاصي تضعف في إرادتهم حتى لا يستطيع أن يصوم، يأتي رمضان ولا يصوم، أو يصوم بعضه ولا يصوم البعض الآخر، ما يستطيع أن يواصل الصيام وأن يصبر عن الطعام والشراب وغير ذلك. لماذا؟ لأنه ضعيف الإرادة. لماذا إرادته ضعيفة؟ بسبب الذنوب والمعاصي. أما الطائع فالطاعة عليه سهلة ميسرة، يأتي رمضان يصوم، وما أسهل الصيام عليه. لماذا إرادته قوية؟ إذا جاء الجهاد في سبيل الله الشرعي كان أول الناس، صاحب إرادة قوية ما دام أنه جهاد شرعي في سبيل الله. وهكذا في ميادين الخير تجده أول الناس ومن السباقين لأنه صاحب إرادة قوية. أما الذنوب والمعاصي فأثرها على أصحابها أنها تضعف إرادتهم، تجدهم كسالى، تجدهم متأخرين، مفرطين، مقصرين. لماذا؟ الإرادة ضعيفة. وهذا من أخوف آثار الذنوب والمعاصي على العبد، وهي إضعاف الإرادة التي إذا ضعفت صار مهزوماً أمام الشيطان، وأمام شهوات النفس الأمارة بالسوء، وأمام شياطين الإنس، فهو مهزوم، ما يستطيع أن يجاهد الشيطان، ولا يستطيع أن يجاهد نفسه، ولا يستطيع أن يجاهد شياطين الجن والإنس، لأنه كيف يجاهدهم وصاحب إرادة ضعيفة؟ ما يستطيع. وذكر رحمه الله تعالى أن هذه الإرادة تضعف وتضعف شيئاً فشيئاً، إلى أن تنسلخ الإرادة بالكلية. ومعناها أنه يصير إلى حال لا يستطيع أن يتوب فيه، لا يستطيع أن يتوب. في هذا الحال صار بحال لا تنفع التوبة معه. ولو مات نصفه، لو مات نصفه يعني لو ذهب بصره وذهب سمعه وعجز عن المشي وصار مقعداً، وصار مريضاً مبتلى بأمراض كثيرة، لضعف إرادته صار حتى لا يستطيع أن يتوب. فربما يبتلى بمرض الإيدز بسبب الذنوب والمعاصي التي وقع فيها من الفاحشة، ربما يصاب ويكون مصاباً بمرض الإيدز. لأن الإنسان إذا أصيب بمرض الإيدز - نسأل الله العافية لنا ولكم - إيش بقي منه؟ هذا نصف موت. لأن من الأمراض ما هي أمراض مستعصية، حتى لو قيل إن هذا الإنسان نصفه مات لما كان في ذلك مبالغة، لأن هذه الأمراض مستعصية، القليل من ينجو منها إذا أصيب بها. فمن الناس لضعف إرادته واستمراره على الذنوب والمعاصي ربما يصاب بمثل هذه الأمراض المستعصية، ومع هذا لا يتوب، ما عنده إرادة قوية يتوب، مع أنه يرى نفسه أنه نصف ميت، أو أنه ما بينه وبين الموت إلا ساعات لأنه مصاب بمرض خطير. طيب لماذا لا يتوب؟ لماذا لا يتوب وهو الآن قد علم أنه مصاب بمرض كذا من الأمراض الخطيرة المستعصية التي قد علم أن من أصيب بها فهذا الموت يعني نسبة أنه يموت نسبة عظيمة لخطورة المرض؟ طيب لماذا لا يتوب؟ يتدارك نفسه، يتوب إلى الله سبحانه وتعالى ما دام أنه نصف ميت؟ لماذا لا يتوب؟ الإنسان يستغرب لماذا لا يتوب. الإرادة ضعيفة، إرادة التوبة ضعيفة عنده إلى هذا الحد. من الذي أضعف الإرادة؟ الذنوب والمعاصي التي كان عليها واستمر عليها ولم يقلع عنها، أضعفت إرادته شيئاً فشيئاً، شيئاً فشيئاً، حتى انسلخت الإرادة، إرادة التوبة من قلبه بالكلية. فربما يصل إلى حال يتيقن فيه الموت، أو أنه يغلب على ظنه أنه ميت، ومع هذا ومع هذا لا يتوب. وهذا من أعظم وأخوف آثار الذنوب والمعاصي على الإنسان، أنها تحرمه التوبة إلى الله سبحانه وتعالى في وقت يحتاج فيه أن يتوب إلى الله سبحانه وتعالى، لأنه ربما ما بقي بين حياته وبين الانتقال من هذه الدنيا إلا كذا وكذا من الأيام، أو كذا وكذا من الساعات أو اللحظات، ومع هذا لا يستطيع. والسبب ضعف الإرادة. أو ربما يأتي بشيء من الاستغفار وغير ذلك، لكنه استغفار الكذابين، استغفار الكذابين باللسان. فمن الاستغفار ما هو استغفار الكذابين. ما هو استغفار الكذابين؟ استغفار الكذابين هو الاستغفار باللسان فقط، هذا استغفار الكذابين: "استغفر الله، استغفر الله" باللسان، أما القلب فالنية معقودة على فعل المعاصي. ماذا ينفع هذا الاستغفار باللسان إذا كانت النية في القلب معقودة على فعل المعاصي وعلى الاستمرار عليها؟ ما ينفع لو استغفر ما استغفر، ما دام أن النية في القلب استمرار على المعاصي، على السرقة، على ترك الطاعات، فلا ينفع هذا الاستغفار لأنه استغفار الكذابين. إنما استغفار الصادقين هو الاستغفار الذي يكون معه الصدق في القلب، والنية الصادقة في القلب على ترك الذنوب والمعاصي. من الناس من تسمعه: "استغفر الله، استغفر الله"، وإذا نظرت إلى أفعاله تعجب: كيف تستغفر الله وأنت تفعل هذه الأفعال؟ إذا كنت حقاً تستغفر الله جل وعلا بلسانك، لا بد أن يظهر ذلك، لا بد أن يظهر ذلك على أفعالك. استغفار الكذابين هو الذي يؤتى به باللسان، والقلب فيه من النوايا السيئة التي انعقد عليها القلب وأصر على فعلها والاستمرار عليها. قال رحمه الله تعالى: ومنها أنه ينسلخ من القلب استقباحها، فتصير له عادة، فلا يستقبح من نفسه، ولا رؤية الناس له، ولا كلامهم فيه. وهذا عند أرباب الفسوق هو غاية التهتك وتمام اللذة، حتى يفتخر أحدهم بالمعصية ويحدث بها من لم يكن يعلم أنه عاملها، فيقول: يا فلان عملت كذا وكذا. وهذا الضرب من الناس لا يعافون، ويسد عليهم طريق التوبة، وتغلق عنهم أبوابها في الغالب، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل أمتي معافى إلا المجاهرون، وإن من الإجهار أن يستر الله على العبد ثم يصبح يفضح نفسه، فيقول: يا فلان عملت يوم كذا وكذا كذا وكذا، فيهتك نفسه، وقد بات يستره ربه». ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع أثراً من آثار الذنوب والمعاصي، وهي أن العبد ينسلخ قلبه من استقباح الذنوب والمعاصي. لماذا؟ لأنه ألف الذنوب والمعاصي، واعتاد الذنوب والمعاصي، فصار لا يستقبح القلب، فصارت عادة له. خلاص، اعتاد الذنوب والمعاصي واعتاد فعل الذنوب والمعاصي، فصار لا يستقبحها القلب، ولا يستنكرها، لأن القلب انسلخت منه هذه الأمور الطيبة، حياة القلب غير موجودة، مات القلب. كان يستقبح المنكرات، كان يستبشع القتل، وكان يستبشع السرقة، يستبشع الزنا، ويستبشع النظر إلى الحرام، ويستبشع سماع الغناء، ويستبشع الكلام السيء، ويستبشع كذلك المعاصي. لكن لما اعتاد على فعل المعاصي وأصر عليها، ألفها واعتادها، فصار القلب لا يستقبح هذه الذنوب والمعاصي. بل وليس الأمر كذلك، بل حتى صار لا يستحي من رؤية الناس له، لا يستحي يفعل الذنوب والمعاصي جهاراً نهاراً، جهاراً نهاراً، لا يستحي، لما يرى فيها شيئاً، اعتادها وألفها. نعم، ربما يفعل عند الناس ما يستحي من فعله، ولكن لأن قلبه صار لا يستقبحها لا يبالي. صدق الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت». ربما يفتشي أمام الناس، يأخذ المال أمام الناس، يأتي هذا له معاملة أو له غرم، وعنده ناس، ناس عشرة، عشرون، مئة، يقول: وين حقي؟ هات حق الغرم، هات حق الغرم أمام الناس، عنده تستقر، تقول: سبحان الله، كيف هذا ما يستقبح؟ هذا ما يستقبح، ألف هذا، اعتاد هذا، صارت عادة له، هذا شيء سهل: هات حق الغرم، هات كذا، ما يستحي. وربما يمشي بين الناس، نعم، ولو يعني مكشوف العورة، لا يستقبح هذا. ربما شيء من عورته مكشوفة، على سروال صغير كشفت، كشف شيء من عورته، لا يستحي ولا يبالي. اعتاد هذا أن يخرج أمام الناس على هذا الحال، ما يستقبح هذا، ما يستقبح هذا. لماذا؟ لأنه اعتاد الذنوب والمعاصي. وهكذا يقال في بقية الذنوب والمعاصي: إذا ألفها الإنسان صار القلب لا يستقبحها، ولا يستحي من رؤية الناس إليه. بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن هذا الأمر في آخر الزمان يصل إلى ذروته من عدم استقباح الذنوب والمعاصي، وأن الناس يتسافدون في الطرقات كتسافد الحمر، كالحمير. نعم، حين تتسافد ويركب بعضها بعضاً أمام الناس، يصل الحال بالناس في آخر الزمان إلى هذا، أنهم يواقعون الذنوب والمعاصي والفواحش أمام الناس، أمام الناس. يأتي الشخص يريد أن يمر، ما يستطيع أن يمر، هاول في الطريق أمامه، عنده كما يركب، يركب الذكر من الدواب الأنثى، كالحمار مع الأتان. أين الحياة؟ أين استقباح هذا الأمر إلى هذا الحد؟ نعم، فيأتي الشخص كما قرر، يقول: لو تنحيتم عن الطريق، لو تنحيتم عن الطريق يمر الناس. والآن انظرنا - صلى الله العافية والسلام - ما وصل إليه حال كثير من الناس من عدم استقباح الذنوب والمعاصي. النساء متبرجات في الشاشات، نساء متبرجات في الطائرات مضيفات، نساء في محلات يبعن وقد كشفن عن شعورهن، خالطن الرجال، وما هو أعظم من ذلك مما ينشر في القنوات أو في الشاشات باسم التمثيل أو باسم كذا وكذا وكذا من الفواحش والزنا. أين استقباح الذنوب والمعاصي؟ أين استقباح هذه المنكرات؟ صاروا لا يستقبحون. بل المصيبة صارت فناً، صار هذا من التقدم والتطور. فواحش الذنوب والمعاصي والإعلان بها، صار هذا من التطور والتقدم. بلاد الفلانية متطورة ومتقدمة، ومتقدمة، ما هو التطور فيها وما هو التقدم؟ النساء يخرجن من غير الحجاب، كاسيات عاريات، مائلات مميلات، هذا التطور. سبحان الله. وهكذا وهكذا. وكل ذلك من التورط لا من التطور، هو من العفن لا من الفن. نسأل الله العافية والسلامة. والسبب في ذلك ألف هذه الذنوب والمعاصي، واعتياد فعل هذه الذنوب والمعاصي، حتى صار الناس لا يستقبحونها. الآن الإنسان إذا عاش في بعض القرى بعيداً عن المدنية المزعومة، إذا عاش في بلاده، الحمد لله لا يرى نساء في الشوارع كاسيات عاريات، ولا يرى مثل هذه الفواحش. إذا ذهب بلاداً أخرى، ذهب بلاداً أخرى مما يقال إنها من البلاد المتقدمة والمتطورة، سبحان الله، ربما أول يوم يستقبح ما يرى، وينكر ما يرى، لكن إذا بقي عدة أيام تضعف عنده هذه الإرادة، تضعف عنده، يمكن أول أيام يرعف الأرض، لكن بعد ذلك يألّف شيئاً، وإذا استمر على هذا ما يأتي الشهر أو أكثر إلا ويرى الأمر ما فيه شيء، يرى يستغرب الناس: كيف هذا؟ اعتادوا، أصلاً هذا الأمر اعتادوه. صلى الله عليه وسلم، فالقلب يمرض بمثل هذه المواضع، مواضع الفواحش، يصل في حال أنه لا يستقبحها بعد ذلك. فنسأل الله العافية والسلامة، ونسأل الله جل وعلا أن يعافي قلوبنا، وأن يوفقنا لكل خير. وصلى الله وسلم وبارك على محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.