الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 707، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المقطع حديث دعاء النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس بالفقه في الدين والتأويل، وكيف استجاب الله له فصار من كبار المفسرين رغم صغر سنه. ويؤكد الشيخ على وجوب اجتهاد المسلم في طلب العلم بنفسه وعدم التواكل أو اليأس، مستشهداً بقصة أبي هريرة في التحذير من ترك العلم.
يسرد المقطع قصصاً لجماعة من السلف طلبوا العلم مع قلة الفهم فمنحهم الله فهماً وحفظاً كثيراً، ويضرب المثل بالحافظ ابن حجر الذي استلهم من أثر الحبل في الحجر فاستمر حتى أصبح خاتمة الحفاظ. كما يروي قصة الشيخ مقبل بن هادي الذي ظن عدم صلاحيته للعلم فأحببه الله وأعطاه حافظة طيبة، ويذكر طلب ابن عباس العلم عند كبار الصحابة.
يبرز المقطع مكانة ابن عباس العلمية وشهادة الصحابة له، ويشرح أن دعاء النبي له بـ «الفقه في الدين» يعني الفهم الشامل لدين الله لا الفقه الاصطلاحي الضيق. كما يوضح المعاني اللغوية الصحيحة للتأويل في العربية، مبيناً أن صرف اللفظ عن ظاهره ليس من معانيه الأصلية بل هو اصطلاح محدث.
يختتم المتحدث ذكر ما ورد في الحديث المتعلق بالعرب، معلناً الاكتفاء بما تم ذكره من فوائد وأقوال في هذا الباب. ويختم بتفويض العلم كله لله تعالى واعتراف القصور عن الإحاطة بكل ما ورد.
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبل بن هادي الوادعي رحمه الله: قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: حدثنا حسن بن موسى وهو الأشيب، قال: حدثنا زهير، أبو خيثمة، زهير بن معاوية، قال: عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، وهو كوفي ثقة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وضع يده على كتفي، أو على منكبي، شك سعيد، ثم قال: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل». قال: هذا حديث حسن على شرط مسلم، إنما كان حسنًا لأن حسن بن موسى فيه كلام في حفظه. فهذا الحديث قد جاء في صحيح البخاري، وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري، لكن ليس فيه «وعلمه التأويل»، وإنما فيه «اللهم فقهه في الدين». وهذه الدعوة من النبي عليه الصلاة والسلام لابن عباس، استجاب الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام، فأفتى ابن عباس، والصحابة وكبار الصحابة لا زال بعضهم موجودًا، وابن عباس اجتهد في العلم رضي الله تعالى عنه، وأخذ عن كبار الصحابة، فعمر كان يلازمه، ويلازم عليًا، ويلازم كبار الصحابة كزيد بن ثابت، ويأخذ وينهل من العلم. حتى قال رجل من الأنصار لما رأى حلقة عبد الله بن عباس في المسجد النبوي وقد كبرت: «هذا الفتى أعقل مني»، قال: «هذا الفتى أعقل مني، فقد قال لي: تعالى نطلب العلم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم الكبار، فقلت: يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفيهم كبار وأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام؟». وهذا تجد هذا الفهم عند كثير من الناس، يقول: عندنا كثير من طلبة العلم، كثير من كذا، ويهمل لأجل أنه يتكل على غيره، فالواجب على المسلم أنه يجتهد بنفسه، وينفع نفسه، وينفع دينه، وينشر هذا الدين، لا يفكر في نفسه فقط، أو أنه يفكر أنه لا يستطيع، ولا يستطيع أن يستمر في طلب العلم، أو يترك طلب العلم لشدته، كل ذلك تضيع. وقد جاء عن أبي هريرة، ذكره ابن بطه وغيره، وذكره أيضًا الخطيب في «العمل بالعلم»، وإسناده لا بأس به. أنا مما قد يحسن: أن رجلًا قال لأبي هريرة: «يا أبا هريرة، إني أريد أطلب العلم، ولكن تصعب علي، وشق علي حفظه»، أو قال: «وشق علي العلم، أفأتركه؟» فقال: «تركك له إضاعة، تركك له إضاعة، إذا تركت العلم ضيعت العلم، ضيعت نفسك». فلو أنك لا تفهم إلا شيئًا يسيرًا، فتجلس فتتعلم، أفضل لك من أن تذهب إلى... أو تترك هذا العلم. ولهذا كان بعض أهل العلم يجاهد، وهو يكون في نفسه أنه لا يصلح لهذا الشأن، يقول بعضهم في نفسه: «أنا ما أصلح أن أكون طالب علم لأن فهمي قليل، وحفظي قليل، وكذا»، فييأس نفسه بسبب هذه أو بهذه الأفكار. وقد جاء عن جماعة من السلف أنهم طلبوا العلم مع قلة الفهم، فجعل الله عز وجل لهم الفهم الكثير، والحفظ الكثير. وهكذا يقال، وإن كان في القصة شيء، أن الحافظ ابن حجر رحمه الله كان يطلب العلم، فرأى من نفسه أنه بطيء في الفهم، رأى من نفسه أنه بطيء في الفهم، وبطيء في الحفظ، فأحدث نفسه أنه يترك هذا العلم، ثم أنه مر على بئر، ركوة فيها ماء، بئر فيها ماء ينزح منها، وكانت هذه البئر على طرفها، وعلى شفارها حجر، معنية، بنيت بحجر في أطرافها حتى لا تتفاقأ، قال: فرأى الحبل الذي ينزل ويطلع قد أثر في الحجر، الحبل هذا الذي يطلعون به الماء وهو حبل قد أثر في الحجر لاستمراره، لأنه دائم، فقال: هذا حجر، أو هذا حبل قد أثر في الحجر لدوامه، فكيف لا يؤثر الدوام في العلم؟ فاجتهد رحمه الله، وأصبح أكبر الحفاظ، حتى كان يلقب بخاتمة الحفاظ، يلقب بخاتمة الحفاظ، ختم الله عز وجل الحفظ الكثير بالحافظ ابن حجر رحمه الله، وكان عجوبة في الحفظ، قد يأتي ويقرأ كتابًا فيرسخ في ذهنه هذه المعلومات من هذا الكتاب، فإذا شرح حديثًا تذكر ما في هذا الكتاب، يكتب لك ممكن صفحة من ذلك الكتاب أو أكثر، ثم يقول: وهذا الكتاب ليس عندي، وإلا لا كتبت منه أكثر، لكن قد قرأته قبل كذا وكذا من السنين، ثم يأتي ويذكر أشياء في ذلك الكتاب، وهذا لشدة حفظه رحمه الله. ولهذا يقول الشيخ ربيع رحمه الله: يقول أن الحافظ لا يستطيع أحد أن يأتي بحفظه في هذا العصر، لا يقارن أحد بحفظه، الحافظ ابن حجر في هذا... في هذا العصر، لكن في الاطلاع فقد يكون من يفوق ابن حجر. فقال الشيخ الألباني... يقول الشيخ ربيع رحمة الله عليه: يقول الشيخ الألباني يفوق الحافظ في الاطلاع، معنا أكثر منه اطلاعًا، أكثر اطلاعًا من الحافظ ابن حجر. فلهذا لا يأس، وشيخنا مقبل رحمه الله، هذا العلم الذي استفاد منه كثير من الناس، ونهلوا من علمه، قال: كنت أقول: يا مقبل، ما لك وما للعلم؟ أنت رجل مزارع، لا تصلح للعلم، لا تصلح لكذا. فقال: كنت أذهب إلى الحرب، وأدرس، وأحرس في الليل، كان يحرس في بعض الفنادق في مكة، قال: وأدرس، وكان في نفسي... يقول: أني سأترك العلم لأنني لا أفهم، ورجل مزارع، وكذا، ثم أن الله عز وجل ألقى علي محبة العلم، فأحببت العلم، فدرست في الحرم المكي عند مشايخ كثر، ولما فتحت الجامعة... أو تحولت، ثم تحول شيخنا رحمه الله إلى الجامعة الإسلامية، واستفاد كثيرًا جدًا، وحفظ، وأعطاه الله عز وجل حافظة طيبة في العلم. فلهذا لا يؤيس الإنسان نفسه. فقال هذا الأنصاري، وهذا سبب فرحنا، قال: هذا الأنصاري كان، هذا الفتى أعقل منه، فقال: «ألا نطلب العلم عند كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟». فقال: فقلت: يا ابن عباس، أترى الناس يحتاجون إليك وفيهم كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ فلما دخل، وجد المسجد غاصًا عند ابن عباس، ابن عباس يدرسهم، وكان ابن عباس كما قال أبو جمرة: يحضر في مجلسه أهل الفقه، وأهل التفسير، وأهل النحو، وغيرهم، فكلهم ينهلون من علم ابن عباس، كان إمامًا في التفسير، حتى شهد له كبار أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ومنهم عمر، وابن مسعود، كان ابن مسعود يقول: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس»، لو... لو... لو حضر أسناننا ما ساوته من أحد، يقول ابن مسعود: لو حضر ابن عباس أسناننا، معنى لو كان في سننا، ما... ما جاء أحد في مكانته، فقال: فكان يقول: «نعم ترجمان القرآن ابن عباس». فهذا يدلك على دعوة... بارك... دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «اللهم فقهه في الدين»، والمراد بالفقه ليس الفقه الخاص الذي يذكره الفقهاء، وإنما المراد بالفقه هو الفهم والمعرفة في دين الله، سواء كان في التفسير، أو في الفقه، أو في التوحيد، أو في غيرها من الأبواب، فالمراد الفقه والفهم في دين الله جل وعلا. ولهذا جعل النبي عليه الصلاة والسلام الفقه في الدين هو الخيرية، الخيرية لمن فقهه الله عز وجل في الدين، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث معاوية: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين»، «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين». ولما قيل للنبي عليه الصلاة والسلام: أي الناس أتقى؟ قال: أو قالوا: أي الناس خير؟ قالوا: أتقاهم لله، أو أي الناس أكيس؟ في حديث أبي هريرة في البخاري، قال: أي...؟ قالوا: قال النبي الصلاة والسلام: «أتقاهم»، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قالوا: تسألوني عن نبي الله يوسف، ابن نبي الله، ابن خليل الله، أنا أكرم الخلق، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قالوا: تسألوني عن معادن العرب، خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، خيارهم في الجاهلية، أي من كان من هؤلاء خير وساد وسيد في الجاهلية، فما يكون سيدًا في الإسلام إلا إذا فقه دين الله، خيارهم في الجاهلية خيار في الإسلام إذا فقهوا. فالفقه في الدين منزلة عظيمة، ولهذا دعا النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس، وقوله: «وعلمه التأويل»، التأويل المراد به التفسير، المراد به التفسير، لأن من معاني التأويل في اللغة: يفسر، معنى التأويل: «وما يعلم تأويله إلا الله»، أي تفسيره، وأيضًا يطلق على معالي الشيء وحقيقته: «هل ينظرون إلا تأويله، يوم يأتي تأويله، يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق»، فهل ينظرون إلا تأويله؟ أي عاقبة أمره، أو حقيقة المآل، حقيقة المآل. فهذه الثلاثة المعاني في لغة العرب، أما التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، فهذا ليس موجودًا في لغة العرب، أن التأويل بمعنى صرف اللفظ عن ظاهره، وإنما ابتدعه بعض أهل البدع، وسموه تأويلًا، سموا التحريف تأويلًا، سموا التحريف تأويلًا، فانتشر بعد ذلك، صار العرف، صار العرف عند أهل الأصول، فيسمون التحريف، تحريف اللفظ أو تحريف المعنى، يسمونه تأويلًا، والصحيح أنه ليس موجودًا في لغة العرب. طيب، هذا ما يذكر بهذا الحديث، ونكتفي به، والله تعالى أعلم.