الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 705، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المقطع ضعف رواية الذهبي عن فترة انقطاع الوحي ومحاولة النبي صلى الله عليه وسلم الانتحار، مبيناً أنها من بلاغات الزهري الضعيفة. كما يقارن بين أقوال ابن عباس وسعيد بن المسيب والشعبي في سن البعثة ومدة المكث بمكة والمدينة، مرجحاً قول ابن عباس ويذكر رواية ابن إسحاق عن توقع أهل الكتاب لبعثته.
استأذن ابن عباس رضي الله عنهما علياً في مناظرة الخوارج الذين اعتزلوا في حروراء، فدخل عليهم وعرض عليهم الحجة بوجود الصحابة وعدم انضمام أحد منهم للخوارج. فذكر الخوارج شبهتين: الأولى حكم الرجال في أمر الله، والثانية قتال علي لهم دون سبي أو غنيمة.
يروي المقطع مناظرة ابن عباس مع الخوارج الذين اعترضوا على علي بثلاث نقاط: التحكيم بالرجال، قتالهم دون سبي أو غنيمة، ومحاه لنفسه لقب أمير المؤمنين. رد ابن عباس بكل نقطة مستدلاً بالقرآن والسنة فانتهت المناظرة برجوع الخوارج عن اعتراضاتهم.
عاد ألفان من الخوارج عن ضلالتهم، بينما قاتل الباقون في النهروان وقتلهم المهاجرون والأنصار. روى هذا الحديث عبد الرزاق ويعقوب الفسوي والطبراني والحاكم، وصححه الحاكم على شرط مسلم مع ذكر رواية أخرى في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة الذهبي رحمه الله: وقال الزهري عن عروة عن عائشة: فتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حزناً شديداً، وقد مرارا الظهر. هنا خطأ حصل للإمام الذهبي؛ لأن الحديث في البخاري وفي غيره قال: بعد حزناً شديداً: "فيمما بلغنا، فيما بلغنا". وهذا يدل على أن هذا الكلام الذي سيأتي لم يرويه الزهري عن عروة عن عائشة، وفعل المؤلف هنا كأن هذا الحديث رواه أيضاً عن عائشة، أو الكلام هذا رواه عن عائشة، وليس صحيحاً، وإنما هذا بلغه الزهري، بلغه عن النبي عليه الصلاة والسلام. وبلاغات الزهري من أضعف البلاغات، مراسيله من أضعف المراسيل. قالوا: فتر الوحي فترة حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حزناً شديداً. وهذا الفتور الذي فتر الوحي بعد أن جاء النبي صلى الله عليه وسلم في الغار فترة من الزمن، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يحب أن يأتيه الملك، فحصل له حزن شديد. قال: وغدا مراراً كي يتردى من شواهق الجبال، وكلما أوفى بذروة ليلقي نفسه تبدى له جبريل. يعني يذهب إلى الجبال الشاهقة ليقتل نفسه، وهذا كلام غير صحيح ولم يحصل من النبي عليه الصلاة والسلام. وقال: كلما أوفى بذروة ليلقي نفسه تبدى له جبريل فقال: يا محمد إنك رسول الله حقاً، فيسكن لذلك جأشه وتقر نفسه فيرجع. فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا لمثل ذلك. والصحيح أن الفترة التي فتر فيها الوحي ليست فترة طويلة، وهذا الكلام يدل على أنها فترة طويلة. قال: فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال مثل ذلك. رواه أحمد في مسنده والبخاري، لكن كما قلنا أن هذا من بلاغات الزهري وليس بإسناده عن عائشة. وقال هشام بن حسان عن عكرمة - هشام بن حسان هو القردوسي - عن عكرمة عن ابن عباس: بعث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لأربعين سنة، فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، ثم أمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة. رواه البخاري. وهذا هو الذي اتفق عليه العلماء ومشى عليه أهل السير: أن النبي عليه الصلاة والسلام بعث في الأربعين، ومكث بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنوات، وتوفي سنة ثلاث عشرة، وعمره ثلاث وستون سنة. وقال يحيى بن سعيد الأنصاري عن سعيد بن المسيب: أنزل على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو ابن ثلاث وأربعين سنة، فمكث بمكة عشراً، وبالمدينة عشراً. وهذا جاء في طبقات ابن سعد بإسناد لا بأس به، وهذا ليس صحيحاً عن كلام سعيد، وكلام ابن عباس مقدم عليه، وهو الذي مشى عليه كما قلنا أهل السير. وقال محمد بن أبي عدي - وهو محمد بن إبراهيم البصري، وهو ثقة - عن داود بن أبي هند - وهو ثقة - عن الشعبي - وهو عامر بن شراحيل الشعبي - قال: نزلت عليه النبوة وهو ابن أربعين سنة، فقرن بنبوة إسرافيل ثلاث سنين، فكان يعلمه الكلمة والشيء ولم ينزل القرآن، فلما مضت ثلاث سنين قرن بنبوة جبريل فنزل القرآن على لسانه عشرين سنة، ومات وهو ابن ثلاث وستين. وهذا لا يعرف، والصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم جاءه إسرافيل لم يعرف ذلك في السنة، وإنما الذي جاءه جبريل، الله أعلم من أين جاء الشعبي بهذا. أخبرنا أبو المعالي اللبرقوهي، قال: أخبرنا عبد القوي بن الجباب، قال: أنبأنا عبد الله بن رفاعة - وهو هذا سند الذهبي إلى تهذيب السيرة لابن هشام - قال: أخبرنا علي بن الحسن الخلعي - وهو صاحب كتاب الخلعيات، وهو من الأسانيد العالية - قال: أخبرنا أبو محمد بن خاش، قال: أخبرنا عبد الله بن ورد، قال: أخبرنا عبد الرحيم بن عبد الله البرقي، قال: حدثنا عبد الملك بن هشام - هو صاحب السيرة، صاحب تهذيب سيرة ابن إسحاق - قال: حدثنا زياد بن عبد الله البكائي - وهو يقال أنه من أفضل من روى سيرة عن ابن إسحاق، وإن كان في الحديث ضعيف لكن في السيرة يعتمد عليه كما قال الذهبي - عن محمد بن إسحاق قال: كانت الأحبار والرهبان وكهان العرب قد تحدثوا بأمر محمد صلى الله عليه وعليه وسلم قبل مبعثه، لما تقارب من زمانه. أما أهل الكتاب فعما وجدوا في كتبهم من صفته وصفة زمانه، وما كان عهد إليهم أنبياؤهم من شأنه. وأما الكهان فأخبرتهم الشياطين بما استرقت من السمع، وأنها قد حجبت عن استراق السمع ورميت بالشهب. قال الله عز وجل: ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾. قال: فلما سمعت الجن القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك، ذهبوا يبحثون ما الذي حصل حتى مروا ناس من الجن والنبي عليه الصلاة والسلام في مكان يقال له نصيبين وهو يقرأ القرآن، فلما سمعوه قالوا: هذا الذي من أجله حصل ما حصل. قال: فلما سمعت الجن القرآن من النبي عليه الصلاة والسلام عرفت أنها منعت من السمع قبل ذلك، لأن لا يشكل الوحي بشيء من خبر السماء فيتلبس عليهم، فآمنوا وصدقوا وولوا إلى قومهم منذرين. وذكر الذهبي رحمه الله شيئاً من هذا الباب من التبشير ببعثة النبي صلى الله عليه وسلم، إن شاء الله نذكر ذلك في ما سيأتي من الدروس. بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى، شيخنا مقبل بن هادي الوادعي في مسند عبد الله بن عباس: قصة مناظرة ابن عباس الخوارج. قال رحمه الله: قال النسائي رحمه الله في الخصائص - أي خصائص علي - ألف النسائي رحمه الله كتاباً سماه خصائص علي بن أبي طالب. قال: أخبرنا عمر بن علي - وهو المقدمي - والصفار - وهو ثقة ثبت حافظ - قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي - وهو سعيد البصري، إمام من أئمة السنة والحديث - قال: حدثنا عكرمة بن عمار - وهو الدهني، وهو ثقة - قال: حدثنا أبو الزميل - أبو الزميل هو سماك بن الوليد، وهو أيضاً ثقة - قال: حدثني عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما خرجت الحرورية فاعتزلوا في دارهم. الحرورية سموا حرورية لأنهم اعتزلوا في حروراء، منطقة في الكوفة، يقال لها حروراء، فسموا حرورية. قال: اعتزلوا في دارهم، أي في مكانهم الذي هو حروراء، وكانوا ستة آلاف. فقلت لعلي رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين، أبرد بالصلاة، لعلي أكلم هؤلاء القوم. قال: إني أخافهم عليك. أبرد بالصلاة معنا،أخر صلاة الظهر حتى أذهب وأكلمهم وأرجع، لعلي أكلم هؤلاء القوم. فقال علي رضي الله عنه لابن عباس: إني أخافهم عليك لأنهم ما يتورعون في دماء المسلمين. قلت: كلا. وفي رواية أنه قال: ليس علي منهم بأس. قال: فلبست وترجلت - ترجلت معناه امتشرت - ودخلت عليهم في دار نصف النهار وهم يأكلون. فقالوا: مرحبا بك يا ابن عباس، فما جاء بك؟ قلت لهم: أتيتكم من عند أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام المهاجرين والأنصار، ومن عند ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وصهره، وعليهم نزل القرآن، فهم أعلم بتأويله منكم. فأنا هذه مقدمة جعلها ابن عباس: أولاً جئت عند أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين هم أعرف الناس بكتاب الله، وعند ابن عم النبي عليه الصلاة والسلام وصهره الذي مات النبي صلى الله عليه وسلم وهو عنه راض، وما سيرضى النبي صلى الله عليه وسلم إلا عن رجل عدل. قال: وليس فيكم منهم أحد. ليس في الخوارج بحمد الله أحد من الصحابة. وهذا يدلك على أنهم على باطل، ولو كانوا على حق لكان معهم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، لكن سلم الله عز وجل الصحابة من هذا القول. ولأن هذه البدعة من أول البدع التي حصلت في الإسلام، فلهذا كانت بدعة شنيعة وغيرت موازين السنة. ولأن غالباً من يقول بهذا تجد أنه يحب السنة، لكن غلا في أمره حتى خرج عن السنة الصحيحة إلى البدعة، بل إلى غير الإسلام. ولهذا قال النبي عليه الصلاة والسلام: يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وقال: يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم. قالوا: عليهم نزل القرآن فهم أعلم. قالوا: وليس فيكم منهم أحد. لأبلغكم ما يقولون وأبلغهم ما تقولون. معنى كأن ابن عباس يريد أن يفهمهم: إنما أنا رسول من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم حتى أنظر في كلامكم، من الذي تريدون ومن الذي تنقمونه على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: فانتحى لي نفر منهم. قلت: هلموا ما نقمتم على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وابن عمه. قالوا: ثلاث. قلت: ماهن؟ قال: أما إحداهن فإنه حكم الرجال في أمر الله، وقال الله عز وجل: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾. انظر إلى الأفهام القاصرة والأفهام البعيدة عن كتاب الله، بل حتى عن اللغة. قالوا: حكم الرجال في أمر الله، وقال الله: إن الحكم إلا لله. ما شأن الرجال والحكم؟ قلت: هذه واحدة. هذا أول واحد. وهذا يدل على أن ابن عباس رضي الله عنه عرف كيف يناقشهم، وهكذا المناقشة الذي يريد أن يرد مثلاً أو يخرج عن طائفة أو يهدمهم، يقال له: ماذا تنتقد عليهم؟ وغالب من يخرج بدون علم لا يدري ما الذي ينتقد عليهم، لو قلت له: ائتِ بشيء عند هؤلاء، ما جاء بشيء يتمسك به. قال: فقال: وأما الثانية فإنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم. أنا كيف يقاتل أناس ولم يسبي ولم يأسر منهم ولم يغنم، لم يأخذ غنائمهم وأموالهم؟ إن كانوا كفاراً لقد حلس بهم، ولئن كانوا مؤمنين ما حلس بهم ولا قتالهم. لكأن هؤلاء يعتقدون أن القتال ما يكون إلا على الكفار، وسبحان الله تجد أن هذا إلى الآن المفهوم عند كثير من هؤلاء الخوارج، سواء كانت سرورية أو غيرها، يعتقدون أن القتال ما يكون إلا على الكفار، ما يكون إلا على الكفار، كما استدل بعضهم بقتال الصحابة على مانع الزكاة، قال: هذا يدل على كفرهم. وهذا جهل، فليس كل من يقاتل يدل ذلك على كفرهم. الله عز وجل قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾. أن هذه الباغية تقاتل مع أنهم مسلمون، وشهد الله عز وجلهم بالإيمان، إلا أنهم بغوا. قاتل ولا قتال. قلت: هذه اثنتان، فما الثالثة؟ وذكر كلمة معناها: قالوا: محى نفسه من أمير المؤمنين، فإن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندك شيء غير هذا؟ قالوا: حسبنا هذا. على ثلاث نقاط: أولاً الحكم، أنه حكم الرجال، والثاني أنه قاتل ولم يسبي ولم يغنم، والثالثة أنه محى نفسه من أمير المؤمنين، فقالوا: إن لم يكن أمير المؤمنين فهو أمير الكافرين. قلت: هل عندكم شيء غير هذا؟ قال: حسبنا هذا. قلت لهم: أرأيتم إن قرأت عليكم من كتاب الله جل ثناؤه وسنة نبيه عليه الصلاة والسلام ما يرد قولكم أترجعون؟ قالوا: نعم. قلت: أما قولكم حكم الرجال في أمر الله، فإني أقرأ عليكم في كتاب الله أن قد صير الله حكمه إلى الرجال في ثمن ربع درهم، فأمر الله تبارك وتعالى أن يحكم فيه. أرأيتم قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. أنا حكم الرجال هنا في ربع دينار، أنا في ثمن ربع دينار، أي في ثمن هذا الحيوان. قال: وكان من حكم الله أنه صيره إلى الرجال يحكمون فيه، ولو شاء يحكم فيه، أن لو شاء الله عز وجل لقال لهم: كذا وكذا، من قتل كذا أتى بكذا، لكن جعل ذلك الحكم لذوي الخبرة. قال: فجاز من حكم الرجال. أنشدكم بالله: أحكم الرجال في صلاح ذات البين وحقن دمائهم أفضل، أو في أرنب؟ قالوا: بلى، بل في هذا أفضل. قالوا: في المرأة وزوجها: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾. أنشدكم بالله: حكم الرجال في صلاح ذات بينهم وحقن دمائهم أفضل من حكمهم في بضع امرأة؟ أنا حكم الله عز وجل الرجال هنا في حكم في بضع امرأة حتى لا تحصل المشاكل بين الرجل وامرأته، فحكم الرجال. وهذا من باب إصلاح ذات البين. قال: خرجت من هذه؟ قالوا: نعم، خرجت. قلت: وأما قولكم قاتل ولم يسبي ولم يغنم، أفتسبون أمكم عائشة؟ تستحلون منها ما تستحلون من غيرها وهي أمكم؟ فإن قلتم: إنا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم، وإن قلتم: ليس بأمنا فقد كفرتم. لأنهم تكذيب للقرآن: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. الله عز وجل حرم نكاح أزواج النبي عليه الصلاة والسلام من بعده، حرم نكاح أزواج النبي صلى الله عليه وسلم من بعده، فكيف بأن يكونوا أسرى ويسبون وتكون مملوكة؟ فقال: هذا التكذيب لما جاء في كتاب الله. إن قلتم: إننا نستحل منها ما نستحل من غيرها فقد كفرتم. وابن عباس ذكر عائشة لأجل أن يحجهم، وعائشة رضي الله عنها لم تشاركهم، لكن خرجت في الجمل لأجل الإصلاح، خرجت في الجمل لأجل الإصلاح، وكانت تخضع لعلي، كانت تخضع لعلي، فلهذا نسبها ابن عباس ليحجهم. قال: وإن قلتم: ليس بأمنا فقد كفرتم. النبي قال الله عز وجل: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾. فأنتم بين ضلالتين، فأتوا منها بمخرج. أفخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. قال: وأما محي نفسه من أمير المؤمنين، فنأتيكم بما ترضون. أن النبي الله صلى الله عليه وعليه وسلم يوم الحديبية صالح المشركين، فقال لعلي: اكتب يا علي: هذا ما صالح عليه محمد رسول الله. قالوا: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. قال سهيل بن عمرو للنبي صلى الله عليه وسلم: لو نعلم أنك رسول الله ما قاتلناك. فقال: اكتب باسمك اللهم. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: امحُ يا علي. اللهم إنك تعلم أني رسول الله. امحُ يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. ومع أن علياً رفض أن يمحو، فقال: والله يا رسول الله لا أمحوها. حتى قال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين هي؟ فدلاه على مكانها، فمحاها النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يمحوها علي. قال له: امحُ يا علي واكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله. فتنازل عليه الصلاة والسلام عن كلمة رسول الله، ليس معنى أنه ليس رسول الله. وتنازل علي رضي الله عنه عن كلمة أمير المؤمنين، ليس معنى ذلك أنه تنازل عنها، وإنما فقط محاها لأجل الصلح. قال: والله لرسول الله صلى الله عليه وعلي وسلم خير من علي، وقد محا نفسه، ولم يكن محوه نفسه ذلك محاه من النبوة. أخرجت من هذه؟ قالوا: نعم. فرجع منهم ألفان، وخرج سائرهم فقتلوا على ضلالتهم، أي قاتلوا في النهروان، قتلهم المهاجرون والأنصار. هذا حديث حسن. يعني رجع ألفان منهم، وأما البقية فحاندوا. قال: الحديث أخرجه عبد الرزاق، وقال: حدثنا عن عكرمة بن عمار. وأخرجه يعقوب الفسوي في المعرفة والتاريخ، والطبراني في الكبير، والحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه. ثم ذكر رواية أخرى، إن شاء الله تعالى نذكرها في الدرس الذي سيأتي. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.