الجواب الكافي 17

الدرس في الجواب الكافي 17، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

ارتباط الأعمال بالخير والشر وموقف الجبرية

يشرح ارتباط الخير والشر بالأعمال ويبين تأثير الأعمال في المقادير، ويرد على الجبرية الذين ينكرون هذا الارتباط. يشير إلى أن الشرع والقدر والواقع يدلون على هذا التأثير.

ترتيب الجزاء على الأعمال في القرآن

يشرح ترتيب حصول الخيرات والشرور على الأعمال في الدنيا والآخرة مستشهدا بآيات قرآنية، ويبين أن الجزاء يأتي وفقا للأعمال. يشير إلى أن هذا المبدأ مذكور في أكثر من ألف موضع في القرآن.

الثواب على الأعمال الصالحة والاستقامة

يشرح ترتيب الثواب من الله على الأعمال الصالحة مثل التقوى والاستقامة، ويبين أن تحقيق هذه الأعمال يترتب عليه ثواب كبير مثل المغفرة والأجر العظيم. يشير إلى أن عدم تحقيق هذه الشروط يؤدي إلى الحرمان من هذا الثواب.

تحذير من البدع الصوفية

يحذر من بدعة القيام في بعض الطرق الصوفية ويبين أن الاستقامة الحقيقية تكون باتباع طريقة الرسول صلى الله عليه وسلم والصحابة. يشير إلى أن هذه البدع قد تؤدي إلى السقوط وغيره من المخاطر.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله عليه وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد وقفنا في الدرس الماضي فيما قرأنا عند قول الإمام مقيم رحمه الله تعالى: وتارة يأتي بآدات لما الدال على الجزاء، كقوله: ﴿فلما آسفون انتقمنا منهم﴾، قال: ونظائره وتارة يأتي بإن وما عملت فيه، كقوله: ﴿إنهم كانوا يسارعون في الخيرات﴾، وقوله: عندكم ماذا، وقوله: في ضدي، نعم، هذا هو الصواب؛ لأن النسخة التي عندي، وقوله: في ضوء هؤلاء، الصواب في ضد هؤلاء، أي ضد الذين ذكروا، وهم الذين يسارعون في الخيرات، قال: وقوله في ضد هؤلاء «إنهم كانوا قوم سوء فأغلقناهم أجمعين». قالوا: وتارة يأتي بآدات لولا الدال على ارتباط ما قبلها بما بعدها، كقوله: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين لنبث في بطنه إلى يوم يبعثون﴾، وتارة يأتي بلو الدال على الشرط، كقوله: ﴿ولو أنهم فعلوا ما يعظون به لكان خيرا لهم﴾. قالوا: بالجملة، فالقرآن من أوله إلى آخره صريح في ترتب الجزاء بالخير والشر، والأحكام الكونية والأمرية على الأسباب، بل في ترتب أحكام الدنيا والآخرة، ومصالحها ومفاسدها على الأسباب والأعمال. ومن تفقه هذه المسألة وتأملها حق التأمل انتفع بها غاية النفع، ولم يتكل على القدر جهلا منه وعجزا وتفريطا وإضاعة، فيكون توكله عجزا وعجزه توكلا، بل الفقيه كل الفقيه الذي يرد القدر بالقدر، ويدفع القدر بالقدر، ويعارض القدر بالقدر. بل لا يمكن الإنسان يعيش إلا بذلك، فإن الجوع والعطش والبرد، وأنواع المخاوف والمحاذير هي من القدر، والقلق كله ساهون في دفع هذا القدر بالقدر. وهكذا من وفقه الله وألهمه رشده يدفع قدر العقوبة الأخروية بقدر التوبة والإيمان والأعمال الصالحة، فهذا وزان القدر المخوف في الدنيا وما يضاده سواء، فرب الدارين واحد، وحكمته واحدة لا يناقض بعضها بعضا ولا يبطل بعضها بعضا. فهذه المسألة من أشرف المسائل لمن عرف قدرها ورعاها حق رعايتها، والله المستعان. لكن يبقى عليه أمران بهما تتم سعادته وفلاحه، أحدهما أن يعرف تفاصيل أسباب الشر والخير، ويكون له بصيرة في ذلك بما شهده العالم، وما جربه في نفسه وغيره، وما سمعه من أخبار الأمم قديما وحديثا. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الفصل ارتباط الخير والشر بالعمل، وذلك ليبين رحمه الله أن الخير والشر مرتبط بالأعمال، فترتب الخير وترتب الشر إنما هو وفق الأعمال. فهناك أعمال إذا عملت وفعلها العبد ترتب عليها الخير، وأعمال إذا فعلها العبد ترتب عليها الشر، فالشر والخير يترتبان على الأعمال. وهذا به رد على الجبرية بشتى فرقهم؛ لأنهم يقولون: لا ارتباط بين العمل وما يحصل، أي لا ارتباط بين المقادير التي تحصل بالأعمال والأسباب، ولا أثر للأسباب في ذلك. وهذا باطل يرده الشرع، ويرده القدر، ويرده الواقع. فإن الشرع قد دل أن ما يترتب من المقادير له ارتباط بما حدث من الأعمال، وبما عمل من الأسباب. فما عمل من الأسباب كان من أسباب ما ترتب من المقادير؛ لأن الله جل وعلا جعل أسبابا وأعمالا إذا فعلت ترتب عليها الخير، وجعل أسبابا وأعمالا إذا فعلها العبد ترتب عليها الشر؛ لأن الله جل وعلا الحكيم الموصوف بالحكمة. ولذلك جعل ما يترتب من المقادير ومن الأمور مرتبطا بأسباب إذا حدثت حدثت المقادير. فجعل أسبابا للخير وأسبابا للشر، وأسبابا للهداية وأسبابا للضلال، وأسبابا للإسلام وأسبابا للكفر، وأسبابا لتحصيل الرزق وأسبابا لحرمان الرزق، وأسبابا لطول العمر وأسبابا لنقصان العمر، وهكذا. فإذا أتى العبد بأسباب الخير ترتب الخير، وإذا أتى بأسباب الشر ترتب الشر. قال رحمه الله: وقد رتب الله سبحانه حصول الخيرات في الدنيا والآخرة، وحصول الشرور في الدنيا والآخرة في كتابه على الأعمال، أي بسبب الأعمال، أعمال تنتج الخير وأعمال تنتج الشر. قال: ترتيب الجزاء على الشر كما قال جل وعلا: ﴿جزاء وفاقا﴾، فجزاء الإحسان الإحسان، والجزاء السيئة سيئة مثلها. وهكذا ﴿من يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره﴾، فما يترتب إنما يترتب على الأعمال، ترتيب الجزاء على الشرط والمعلول على العلة والمسبب على السبب. وهذا في القرآن يزيد على ألف موضع، يعني في كتاب الله جل وعلا ما يزيد على ألف موضع يدل على أن ما يترتب من الخير والشر إنما بسبب الأعمال وجزاء الأعمال. وجاء بصيغ متنوعة، تارة بشروط وتارة بالجزاء، وغير ذلك مما سيأتي. قال: فتارة يرتب الحكم الخبر الكوني والأمر الشرعي على الوصف المناسب له، كقوله تعالى: ﴿فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. فالآن ترتب هذا الحكم، وهو أن الله جل وعلا جعلهم قردة خاسئين، ترتب هذا نتيجة العمل الذي عملوه، جعلهم الله جل وعلا قردة خاسئين، هذا الحكم حكم الله جل وعلا عليهم، حكم به عليهم. ما سبب وقوع هذا الحكم؟ وما سبب ترتب هذا الحكم على هؤلاء؟ سبب ترتب هذا الحكم عليهم والعقاب ما فعلوه، أعمالهم هي السبب، وهو أنهم عتوا عما نهوا عنه. نهاهم الله جل وعلا عن فعل ذلك، الاعتداء على السبت، فتحايلوا، فهذا العتو وهذا الإعصيان والاستكبار؛ لأن العتو بمعنى الاستكبار والعصيان، فعصيانهم واستكبارهم عن هذا الأمر حيث لم يمتثلوا ما نهوا عنه، فيتركوا الصيد يوم السبت ويتركوا الحيل. فترتب عليه حكم الله جل وعلا أن جعلهم قردة خاسئين، ﴿فلما عتوا عما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين﴾. قالوا: وقوله: ﴿فلما آسفون انتقمنا منهم﴾، الله جل وعلا انتقم من أقوام، سبب انتقام الله جل وعلا على هؤلاء، وترتب هذا الحكم منه جل وعلا، وهو الانتقام لما عملوه، بسبب ما عملوه، وهو أنهم أغضبوا الله جل وعلا، وقعوا في مقت الله جل وعلا، وقعوا في أمور تغضب الله جل وعلا. فلما وقعوا وعملوا ما يغضب الله جل وعلا عاقبهم الله جل وعلا بأن انتقم منهم، ﴿إنا من المجرمين منتقمون﴾، فلما أغضبوه جل وعلا ولما أجرموا انتقم الله جل وعلا منهم. والله قال: ﴿فلما آسفون﴾، أي أغضبون، الأسف يأتي على معنيين: الغضب والحزن، والذي يثبت لله جل وعلا الغضب، ولا يثبت له الحزن، ما جاء في كتاب الله جل وعلا بمعنى الحزن، الأسف في قول يعقوب: «يا أسفا على يوسف»، أي يا حزنه. فالأسف هنا بمعنى الحزن، فهذا يثبت للمخلوق ولا يثبت لله، والأسف أتى بمعنى الغضب، ﴿فلما آسفون﴾، ليس أحزنوا، أسف هنا بمعنى الغضب، أي فلما أغضبون، ﴿فلما آسفون انتقمنا منهم﴾. قالوا: وقوله: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾، هذا الحكم، وهو قطع يد السارقة، السارق والسارقة، هذا الحكم ترتب هذا الحكم للعمل، وهو السرق، نعم، وإلا لا أحد يقطع يد أحد هكذا من غير سارق، لكن الحكم يترتب إذا ثبتت السرق من سرق، قطعت يده، فترتب هذا الحكم كان جزاء على عمل السارقة، ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾. قالوا: وقوله: ﴿إن المسلمين والمسلمات إلى قوله والذاكرين الله كثيرا والذاكرات أعد الله لهم مغفرة وأجرا عظيما﴾، ترتب هذا الحكم وهذا الثواب من الله جل وعلا، وهو المغفرة والأجر العظيم لما عملوا، لما كانوا من المسلمين وكانوا من الذاكرين وكانوا من الصابرين والصادقين والخاشعين والمتصدقين إلى آخر ما جاء في هذه الآيات من الأوصاف، ترتب على هذه الأعمال هذا الثواب من الله جل وعلا، وهو أنه جل وعلا أعد لهم مغفرة وأجرا عظيما. قالوا: وهذا كثير جدا، وتارة يرتبه على صيغة الشرط والجزاء، كقوله تعالى: ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم﴾، وقوله: ﴿ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾، وقوله: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾. فهذا الذي ترتب إنما ترتب لحصول المشروط، فهذه أعمال تترتب بشروط، إذا توفرت الشروط ترتبت هذه الأعمال أو ترتبت هذه الأحكام من الثواب من الله جل وعلا والنعيم منه جل وعلا والأخوة في الدين. فمن اتقى الله جل وعلا وحقق التقوى ترتب على تحقيقه تقوى الله جل وعلا هذا الثواب من الله جل وعلا، وهو أنه يجعل له فرقانا يفرق به بين الحق والباطل. كثير من الناس اليوم تخبطوا لا يعلمون الحق من الباطل ولا الخير من الشر ولا المنكر من المعروف، والسبب في ذلك عدم تحقيق التقوى، ما حققوا التقوى في قلوبهم وفي أعمالهم وفي أنفسهم، فكيف يريدون هذا النور وهذا الثواب أن يعرفوا طريق الخير من طريق الشر، طريق النجاح من طريق العذاب؟ فلا يترتب هذا ولا يتحقق إلا بالتقوى. ومن يقول: ما أدري أين الحق وأين الصواب؟ أين الباطل وأين كذا؟ نقول: الخلل عندك أنت؛ لأنك لم تأت بما جعلها الله جل وعلا شرطا لتحصيل هذا حتى يتبين لك الخير من الشر والحق من الباطل والمعروف من المنكر، لكن حققت تقوى الله جل وعلا ترتبت هذه الأمور، ﴿إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم﴾، هل حققت التقوى؟ حققت التقوى في مالك في نفسك في عبادتك في معاملتك في أمورك كلها؟ حقق هذا الأمر أولا عليك أن تأتي بهذا الشرط، كيف تريد أن يتحقق لك هذا الأمر وأنت قد فرطت في تحقيق شرط تحقيقه وهو تقوى الله جل وعلا؟ وهكذا كذلك من الناس من يريد الغيث من الله جل وعلا، لماذا كثر القحط؟ ولماذا كثر الجدب؟ ولما قلت البركات في الأرزاق؟ ولما كثر الضيق في العيش؟ ولما ولما ولما؟ جواب ولما ولما ولما عدم الاستقامة، عدم الاستقامة، لما صار أكثر الناس على غير استقامة على دين الله جل وعلا وعلى غير شرع الله جل وعلا منع القطر من السماء، منع البركات في الأرزاق، وهكذا. فترتب هذه الأشياء بسبب عدم الاستقامة؛ لأنه لا يمكن أن يحصل الخير وتترتب البركات في الأرزاق والغيث من رب العالمين جل وعلا والناس على غير استقامة، شرط ﴿ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾، هذا منطوق الآية، مفهومها إذا لم يستقيموا، ﴿ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾، معناها أن تحقيق هذا الأمر مشروط بالاستقامة، فلابد أن يحقق العباد الاستقامة لله جل وعلا حتى يتحقق لهم ما يريدون من الخير والبركة والعيش الهني وغير ذلك. ما هي الطريقة؟ هذه التي يحركون الرؤوس، بعض الناس يفعل ذلك، هذه الآية يقول: الطريقة مذكورة في القرآن، هؤلاء تم تنكرون الطريقة وإيش الطريقة؟ الطريقة معناها يقفون ويقومون قياما، والذين يفعلون بسم الله العافية، وهي من البدع والمحدثات، يقومون ويأتون بأذكار وأذكار ويتمايلون ويتمايلون، وربما يسقط منهم الواحد، نعم، أنا أعرف ناسا من أقربائي رحمهم الله قد توفوا، ناس -الله أن يرحمهم- كانوا يدخلون مع هؤلاء، والله إنهم يسقطون، يسقطوا، يؤتى به إلى الدار يحملون إلى البيت، سقطوا في الطريقة، تعب بس كدوخة. يقول: ﴿ولو استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماء غدقا﴾، ما هي الطريقة؟ هذه الطريقة الصراط المستقيم، طريقة الفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم، هل فعل الطريقة الرسول صلى الله عليه وسلم؟ ما استقاموا على هذه الطريقة، والصحابة فعلوا هذه الطريقة، جلسوا يذكرون الله، المستعان. انتهى الوقت، وأصل في درس الغد، شكرا للمشاهدة.