الدرس في الجواب الكافي 49، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يُنبه الشيخ على خطورة الغرور بالأعمال الصالحة ويحذر من سوء الخاتمة. يجب على المسلم أن يجمع بين العمل الصالح والخوف والرجاء.
الذنوب والمعاصي تؤثر سلباً على الأفراد والمجتمعات وتؤدي إلى الخسارة في الدنيا والآخرة. يُذكر العديد من الأمثلة القرآنية على العقوبات التي حلت بالأمم السابقة.
يتحدث عن أثر المعاصي والذنوب مستشهدا بقصص الأمم السابقة، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه أجمعين.
الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فقد كان الكلام في الدرس الماضي فيما ذكر الإمام مقيم رحمه الله تعالى من نقولات عن السلف الصالح، الصحابة والتابعين لهم بإحسان، وما كان عليه من الخوف من الله جل وعلا، مع ما أتوا به من الأعمال العظيمة. فلم يغتروا بما ذكر فيهم من الترضي، أي الصحابة، وتزكية الشهادة لهم بالجنة، فلم يغتروا بذلك، وإنما ذلك زادهم عملا ومسارعة وخوفا ورجاء، هذا لعظيم إيمانهم بالله جل وعلا. فمنهم من يقول: ليتني شجرة تعضد، ومنهم من يقول: ليتني شعرة في جنب عبد مؤمن، ومنهم من يقول: ليتني بهيمة تذبح وتأكل، ومنهم من يقول: لو خرجت لا لي ولا علي. وهكذا من هذه الكلمات العظيمات الدالة على خوف هؤلاء القوم من الله جل وعلا. ومنهم من إذا سمع الآيات يغشى عليه ويمرض ويعاد، وغير ذلك مما نقل رحمه الله تعالى، الذي خلاصته خوف السلف الصالحين من الله جل وعلا، وعدم اغترارهم بما معهم من الأعمال. وهكذا يجب على المسلم، وهكذا يجب على العبد، أن لا يغتر بأعماله مهما كانت، عندهم الأعمال لا يغتر، ولا يأمن على نفسه النفاق، كما كان أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فإذا كان كذلك، فهو على الجادة، وهو الذي يرجى له الخاتمة الحسنة والثبات على الحق. أما إذا حصل الغرور بالأعمال، فهذا نذير شر، نذير شر على صاحبه، ويخشى عليه من سوء الخاتمة، أن يسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. والسبب خبث الطوية وعدم الإخلاص والاغترار، وعدم معالجة الأمر في أوانه، وترك الغرور والترفع. فالإنسان إذا لم يتدارك نفسه، وهو يعلم من نفسه أن عنده غرورا بأعماله، فإذا لم يتدارك نفسه لعلاج ما في قلبه من الغرور أو الترفع أو العجب وغير ذلك، فلا يأمن على نفسه سوء الخاتمة. يأتي في آخر الأمر بسبب غروره، فيترك الأعمال يقصر شيئا فشيئا، ويزداد العجب شيئا فشيئا، والغرور، فتكون الخاتمة سيئة. ولهذا أمثلة قد حصلت في أناس أعجبوا بأعمالهم واغتروا بها، فكانت نهايتهم تلك النهاية، سوء الخاتمة والعياذ بالله. فمنهم من مات بين أحضان الكافرات، ومنهم من صار يحارب أهل الإسلام، ومنهم من صار لا يرضى إلا بالخضوع له وبالحب تعظيما له، وغير ذلك مما صار عليه حال كثير ممن اغتر بأعماله. ذلك الإنسان إذا كان الخوف ملازما له، غلبة مهما عمل من الأعمال، فهذا على الجادة، فهذا على الجادة، مادام أنه مع العمل عنده الخوف ألا يقبل منه، فإنه سيكون على الاستمرار في الطاعة والإخلاص فيها، ومجاهدة النفس، وسؤال الرب جل وعلا بالعفو عن الزلل والتقصير والتفريط. فعلى المسلم أن ينتبه، وعلى العبد أن ينتبه، فيجعل سيرته كسيرة هؤلاء الأخيار، من الجمع بين الأعمال والخوف والرجاء. ثم ذكر ابن القيم رحمه الله تعالى قال: فصل ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان. قال: فلنرجع إلى ما كنا فيه من ذكر دواء الداء الذي إن استمر أفسد دنيا العبد وآخرته. فمما ينبغي أن يعلم أن الذنوب والمعاصي تضر ولا بد، أن ضررها في القلب كضرر السموم في الأبدان، على اختلاف درجاتها في الضرر. وهل في الدنيا والآخرة شر وداء إلا سببه الذنوب والمعاصي؟ فما الذي أخرج الأبوين من الجنة دار اللذة والنعيم والبهجة والسرور إلى دار الآلام والأحزان والمصائب؟ وما الذي أخرج إبليس من ملكوت السماء وطرده ولعنه ومسخ ظاهره وباطنه؟ فجعلت صورته أقبح صورة وأشنعها، وباطنه أقبح من صورته وأشنع، وبدل بالقرب بعدا، وبالرحمة لعنة، وبالجمال قبحا، وبالجنة نارا تلظى، وبالإيمان كفرا، وبموالاة الولي الحميد أعظم عداوة ومشاقة، وبزجل التسبيح والتقديس والتهليل زجل الكفر والشرك والكذب والزور والفحش، وبلباس الإيمان لباس الكفر والفسوق والعصيان؟ فهان على الله غاية الهوان، وسقط من عينه غاية السقوط، وحل عليه غضب الرب تعالى، فهو ومقته أكبر المقت. فأرداه فصار قوادا لكل فاسق ومجرم، رضي لنفسه بالقيادة بعد تلك العبادة والسيادة. فعياذا بك اللهم من مخالفة أمرك وارتكاب نهيك. وما الذي أغلق أهل الأرض كلهم حتى على الماء فوق رؤوس الجبال؟ وما الذي صلت الريح على قوم عاد حتى ألقتهم موتى على وجه الأرض كأنهم أعجاز نخل خاوية، ودمرت ما مرت عليه من ديارهم وحروثهم وزروعهم ودوابهم حتى صاروا عبرة للأمم إلى يوم القيامة؟ وما الذي أرسل على قوم ثمود الصيحة حتى قطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم؟ وما الذي رفع قرى اللوطية حتى سمعت الملائكة نبيح كلابهم، ثم قلبها عليهم فجعل عاليها سافلها فأهلكهم جميعا، ثم أتبعهم حجارة من السماء أنطرها عليهم، فجمع عليهم من العقوبة ما لم يجمعه على أمة غيرهم؟ ولإخوانهم أمثالها، وما هي من الظالمين ببعيد. وما الذي أرسل على قوم شعيب سحاب العذاب كالظلل، فلما صار فوق رؤوسهم أمطر عليهم نارا تلظى؟ وما الذي أغرق فرعون وقومه في البحر، ثم نقلت أرواحهم إلى جهنم، فالأجساد للغرق والأرواح للحرق؟ وما الذي خسف بقارون وداره وماله وأهله؟ وما الذي أهلك القرون من بعد نوح بأنواع العقوبات ودمرها تدميرا؟ وما الذي أهلك قوم صاحب ياسين بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم؟ وبنوا إسرائيل كذلك، كم نالوا من هذه العقوبات، فنالوا من العقوبات، ومن كذلك الاعتداءات عليهم بسبب وقوعهم في الذنوب والمعاصي؟ ومنهم من مسخهم الله جل وعلا قردة وخنازير، وهم اليهود، بسبب المعاصي. التحايل على شرع الله ينهون عن الصيد يوم السبت، فيلقون الشباك يوم السبت، ويأتون يوم الأحد ويقولون: الصيد يوم الأحد. يتحيلون على الله عز وجل، هذه الحيلة ظاهرها أنها لا شيء فيها، لأنه ما الصيد يوم السبت، الصيد يوم الأحد. قالوا: نحن نهينا عن الصيد يوم السبت، لا تعزم في السبت، وهم قالوا: نحن نجينا يوم الأحد، لكن الشباك يوم السبت رموها، هذه حيلة ظاهرها أنها ما فيها شيء، والحقيقة أنها فيها، وذلك مسخهم قردة وخنازير. ذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع هذا الفصل لبيان ضرر الذنوب في القلب، وأن ضرر الذنوب في القلب كضرر السموم في الأبدان. الأبدان تتضرر بالسموم، فكذلك القلوب تتضرر بالذنوب، كما أن البدن يتضرر بالسم، فإن القلب يتضرر بالذنوب، بل ضرر الذنوب على القلوب أعظم من ضرر السموم على الأبدان. لأن القلب إذا فسد، فسد سائر الجسد، القلب إذا فسد، فسد سائر الجسد، لكن إذا فسد الجسد قد لا يفسد القلب. فضرر السموم على الأبدان، لكن ضرر الذنوب على القلوب والأبدان، لأن الذنوب تفسد القلوب، وإذا فسدت القلوب فسدت الأجساد. فعظيم ضرر الذنوب على القلوب. وذكر رحمه الله تعالى في هذا الموضع إلى ما أراد ذكره، وقد سبق أيضا أن ذكره فيما يتعلق بذكر دواء الداء، فإن دواء الإدمان الطاعة والإقلاع عن الذنوب والمعاصي. الفساد الحاصل للعباد في دنياهم، وكذلك يؤدي إلى فساد آخرتهم، هي الذنوب والمعاصي. فإذا وقع الإنسان في الذنوب والمعاصي، أفسد على نفسه دنياه وآخرته. وأي فساد أعظم من هذا الفساد؟ إذا أفسد الإنسان على نفسه دنياه وآخرته، فقد جنى على نفسه أعظم الجناء. والإنسان يفسد على نفسه دنياه وآخرته بسبب اقترافه الذنوب والمعاصي. فبقدر الوقوع في الذنوب والمعاصي، وبقدر الوقوع في شيء من الذنوب والمعاصي، يقابله حصول فساد، يقابله حصول فساد العبد في دنياه وفي آخرته. وهذا يوجب الحذر من الوقوع في الذنوب والمعاصي. ضرر الذنوب والمعاصي ليس بالهين، ضررها الخسارة التي ما بعدها خسارة، خسارة الدنيا وخسارة الآخرة. والناس يتفاوتون في هذا. ثم أشار رحمه الله تعالى إلى آثار الذنوب والمعاصي على أصحابها، كيف كان أثر وضرر الذنوب والمعاصي على أصحابها. ذكر سبب إخراج الأبوين من الجنة، أبينا آدم وأمنا حواء، ما هو السبب؟ المخالفة، المخالفة زين لهم الشيطان الأكل من الشجرة التي نهاهم الله جل وعلا عن الأكل منها. فماذا ترتب على هذه المخالفة؟ مخالفة مع أنها مخالفة فيها إغواء الشيطان، خطير أقسم بالله لآدم أن هذه شجرة الخلد. حتى ذكر بعض العلماء: سبب وقوعه في هذا، لم يتوقع أن أحد يكذب على الله ويقسم على الله. فأقسم بالله، انظر وعظم آدم هذا القسم، ومع هذا ترتب على ذلك ما ترتب. نحن الآن في الأرض، وإلا مسكنا الجنة هي دارنا. أخرجنا منها إبليس غر أبانا آدم بالأكل من الشجرة، وزين له ذلك. فكان أثر هذه المخالفة الخروج. أبونا آدم تاب، تاب الله جل وعلا عليه، لكن بقي أثر هذه المخالفة، بقي أثر هذه المخالفة الخروج إلى هذه الدنيا. وما الذي أخرج إبليس من الملكوت الأعلى؟ كان مع الملائكة، كانت له تلك المنزلة، فعصى ربه جل وعلا وخالف أمر الله وتكبر وحسد. فماذا كان من آثار هذا الذنب وهذه المعصية؟ طرد الله إبليس ولعنه، وأبدله بعد تلك الكرامة إهانة، وبعد الرحمة لعنة. فصار إمام الكافرين، يلعن ويستعاذ به، ويستعاذ بالله، يستعاذ بالله منه، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. كم من الناس من يقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم؟ إهانة ما بعدها إهانة، إهانة ما بعدها إهانة. من الذي أوقعه في هذه المعصية التي وقع فيها؟ الكبر والحسد. وهكذا أشار إلى ما حصل لهذه الأقوام الكثيرة التي ذكرها ربنا عز وجل في كتابه الكريم، أمم وأقوام ذكرها الله عز وجل في كتابه، كيف حلت بها العقوبات، حل بها الدمار والخراب. منهم من أغرق حتى على الماء فوق رؤوس الجبال، ومنهم من سلط الله جل وعلا عليه من ريح دمرت بنيانهم ودمرت عروشهم وصارعتهم حتى صاروا كأعجاز نخل خاوية. وهناك من أرسلت عليهم الصيحة، وهم قوم ثمود، حتى أفزعتهم غاية الفزع، فقطعت قلوبهم في أجوافهم وماتوا عن آخرهم. قوم لوط، هذه المعصية التي وقعوا فيها، التي ما سبقهم بها من أحد من العالمين، يأتون الذكرى، والله المستعان. والأسف أن هذه المعصية موجودة، وربما عند جماعة من الناس أنها هينة وسهلة، يتهاون فيها الناس. فاللواط منتشر، اللواط منتشر. كم من الناس من يغري أولاد الأجمال بالأموال أو بغير ذلك ليفعل بهم هذه الجريمة النكراء. ويظن أن هذا بالأمر الهين. انظر إلى عقوبة اللوط، يتبين لك شناعة هذه الجريمة، شناعة هذه الجريمة. السرقة، السارق تقطع يده، والزاني إذا لم يكن محصنا يجلد، وشارب الخمر يجلد. لكن اللوط ما يفعل به؟ هل تقطع يده؟ هل يجلد؟ اللوط يغتل، يرمى من أعلى شاهق في البلاد، أعلى شاهق وأعلى جريمة، يرمى. لماذا؟ لعظيم هذه الجريمة. ومع هذا، الناس يعظمون السرقة: فلان السارق. أعود زاني مثلا محصن، يعني دزن، يعني بامرأة. سبحان الله، وهو يفعل اللواط، وهو يفعل اللواط. فلان فلانا مع فلان، فلانا مع فلان في السيارة، ما أدري زنى، ويمكن قبل ما يزني. المهم عظيمة هذه، عظيمة. حرق سيارته، وفعل وفعل وفعل. وربما هو يفعل اللواط، وعنده سهل. وربما يرى من يفعل اللواط، وعنده الأمر هين، عنده الأمر هين. وهذا للجهل. اللواط أمره عظيم، ليس بالهين. لكن إن عكست الموازين عند كثير من الناس، فربما عظموا أمورا، نعم هي عظيمة، لكن بالمقابل هونوا أمورا هي أعظم من تلك التي عظمها. وكلها عظيمة، وذلك بسبب جهلهم بدين الله جل وعلا. وليس معنا هذا الكلام القصد منه التهوين من أمر، يعني ركوب النساء مع الرجال، أو التهوين في الزنى. النساء لا، كله عظيم، كله كبائر. لكن نريد الناس أن يعرفوا، وأن يفقهوا دين الله جل وعلا وشرع الله، ويرتبوا العقوبات حسب ما رتبت بالشرع، حسب ما رتبت بالشرع. السرقة عظيمة، والشرب الخمر عظيم، نعم أيضا كذلك. واللواط عظيم، والزنى عظيم، وغير ذلك. ثم أشار رحمه الله تعالى أيضا إلى ما حل بالأقوام الأخرى من العقوبات التي أنزلها الله جل وعلا عليهم. فقوم لوط، جعل الله جل وعلا على الأرض عليها سافلة. وقوم شعيب، جعل الله جل وعلا عليهم الظلل العذاب كالظلل، فأمطرت عليهم نار. وهكذا فرعون أغرق وقومه. وقارون خسف به وبداره والأرض. وهكذا قوم صاحب ياسين، أهلكهم الله جل وعلا بالصيحة حتى خمدوا عن آخرهم. وبنوا إسرائيل كذلك، كم نالوا من هذه العقوبات، فنالوا من العقوبات، ومن كذلك الاعتداءات عليهم بسبب وقوعهم في الذنوب والمعاصي. ومنهم من مسخهم الله جل وعلا قردة وخنازير، وهم اليهود، بسبب المعاصي. ونواصل إن شاء الله في ذكر ما ذكره مقيم في هذا الفصل في الدرس القادم. صلى الله وسلم وبارك على محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.