الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 27، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يسرد الشيخ سند حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنه الذي يأمر فيه النبي صلى الله عليه وسلم بركعتي تحية المسجد عند دخوله لقضاء دينه. ويبين أن كل من دخل المسجد لأي غرض يجب عليه أداء ركعتين قبل الجلوس استناداً إلى هذا الحديث.
يوضح المقطع أن النبي صلى الله عليه وسلم مارس البيع والشراء والاستدانة كغيره من البشر، وأن ذلك ليس عيباً بل كمالاً. ويستدل بحياة السلف الصالح الذين كانوا يحترفون الحرف مع علمهم وصلاحهم.
ينفي النص فكرة أن السعي للكسب الحلال أمر تافه، مستدلاً بفعل النبي صلى الله عليه وسلم في الوفاء بالدين وزيادته طواعية دون شرط. ويبين أن الزيادة الطوعية جائزة ومستحبة، أما الزيادة المشروطة فهي ربا محرمة، مع تأكيد وجوب المبادرة بقضاء الدين عند القدرة.
يبيّن المقطع أن أي قرض أو معاملة تتضمن شرطاً يزيد على رأس المال تُعد ربا محرماً لا يجوز شرعاً. ويختتم بالصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وشكر المترجمة والمشاهدين.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمدٍ على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله: حدثنا أحمد بن جناب الحنفي أبو عاصم، وهو ثقة، قال: حدثنا عبيد الله الأشجعي، وهو أبو عبد الرحمن الأشجعي، وهو ثقة، وكان من الأثبات، عن الثوري. قالوا: كتب عن الثوري ثلاثين ألف حديث. قال: عن سفيان، وهو الثوري، سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله، الإمام الحافظ العابد، شهرته وإمامته تغني عن توثيقه، كما قال الإمام الخطيب رحمه الله. قال: عن محارب بن ديثار. محارب بن ديثار هذا له أسماء آباء يعني وأجداد غريبة: محارب بن ديثار بن كردوس بن قرواش بن جعونة، ثم بن سلمة بن صخر. سلمة بن صخر صحابي، جده الرابع سلمة بن صخر، أو الخام الخامس، نعم جده الخامس سلمة بن صخر صحابي، وهو ثقة، بل قيل فيه: ثقة إمام زاهد، حتى قال سفيان الثوري: ما رأيت أزهد منه، ما رأيت أزهد منه. قال: عن جابر بن عبد الله، وهو جابر بن عبد الله بن حرام الأنصاري رضي الله تعالى عنه. تخلف عن غزوة بدر وأحد، جعله أبوه عبد الله بن حرام قائماً على إخوته أو أخواته. وفي غزوة أحد قُتل أبوه عبد الله بن حرام، ثم شهد المشاهد بعدها. قال: كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين، فقضاني وزادني. ودخلت عليه المسجد، فقال لي: صلي ركعتين التحية. من هذا الحديث: قوله: «ودخلت عليه المسجد، فقال لي: صلي ركعتين»، فيه أن من دخل المسجد فإن عليه أن يصلي ركعتين قبل أن يجلس لأي غرض من الأغراض؛ دخل للصلاة، أو دخل لحضور مجلس علم، أو دخل ليتحدث مع إنسان وأراد أن يجلس، فإنه يصلي ركعتين ثم يجلس. وفي هذا الحديث ما كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام من أمور الحياة التي كان يعيشها الناس، فكان عليه الصلاة والسلام يبيع ويشتري، وكذلك يستدين ويقضي كغيره من البشر عليه الصلاة والسلام. ولذلك كان قول المشركين في تنقصهم للنبي عليه الصلاة والسلام بأنه يمشي في الأسواق: ﴿مَا لِهَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا﴾. هذا اعتراض باطل؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام بشر، هو بشر كغيره من البشر، يأكل كما يأكلون، ويشرب كما يشربون، وينكح كما ينكحون، ويبيع ويشتري، ويحتاج كما يحتاج غيره، إلا أن الله عز وجل فضله بالنبوة والرسالة، وليس بذلك عيب. ليس بذلك عيب أن يكون الفاضل، سواء كان من أهل العلم والفضل، ومن كان كذلك من أهل الصلاح والعبادة وغيرهم، أن تكون لهم حرف وأعمال، أو تجارة وبيع وشراء. فهذا النبي عليه الصلاة والسلام وهو رسول الله وخير خلق الله، ومع هذا كان يبيع ويشتري، ومات عليه الصلاة والسلام ودرعه مرهون عند يهودي على ثلاثين صاعاً من شعير، وهو اشترى جملاً من جابر رضي الله عنه، ما سيأتي في الروايات الأخرى، وأتاه جابر ليعطيه ثمن هذا الجمل، يعني اشتراه النبي صلى الله عليه وسلم وأخر الثمن، اشتراه ديناً وأخر الثمن. فليس بهذا عيب أن الإنسان يبيع أو يشتري، وكم كان من السلف من الصحابة ومن بعدهم لهم حرف وأعمال، وكم يمر معنا في تراجم المحدثين: فلان الزيات كان يبيع الزيت، وفلان البزاز كان يبيع الثياب، وفلان الحذاء كان يبيع الحذاء، وفلان السمان كان يبيع السمن، وهكذا ينسبون إلى حرفهم. ما كان ذلك عيباً، بل كانوا يعدون ذلك من الكمال، أن يكون لطالب العلم وللعالم حرفة يحترف بها ويسد بها حاجته ويكف بها وجهه. لكن بعض الناس انقلبت عندهم المفاهيم، وأصبحت عندهم مفاهيم خاطئة، أن من اشتغل وباع واشتروا قالوا: هذا فلان ضاع، أين فلان؟ قالوا: والله يبيع ويشتري، خلاص فلان ضاع من حرفة. سبحان الله! يعني التكسب وطلب الحلال والحرص على ذلك يصبح من الحرف والضياع؟ هذه مفاهيم خاطئة ومفاهيم منكوسة. فأمثال هؤلاء ينبغي أن ينظروا في الأدلة، أدلة الكتاب والسنة، وما كان عليه السلف رضوان الله تعالى عليهم في هذا الباب من الحرص على التكسب، الأعمال الحلال والأعمال المباحة، والكسب الحلال الذي يسد به المرء نفسه وحاجته ويكف به وجهه عن الناس. قال: كان لي على النبي صلى الله عليه وسلم دين، فقضاني وزادني. فقضاني وزادني: قضاني يعني أعطاه الدين الذي له، وهذا فيه الوفاء. ينبغي على المسلم أن يكون وفياً، إذا استدان من إنسان ديناً أو كان له على شخص مال أن يوفيه إياه، ولا يؤخر ذلك إذا جاء وقت السداد وهو مستطيع وقادر. أما إذا كان معسراً فلا حرج عليه، ولصاحب الحق عليه أن يصبر، وإن كان ذا عسرة فنظرة إلى ميسرة. وأما إن كان موسراً عنده المال الذي يسدد به هذا الدين، فلا يجوز له أن يتأخر. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مطل الغني ظلم، يحل عرضه وعقوبته». الواجد الذي عنده ما يسدد به الدين ثم يماطل صاحب الحق، فهذا من الظلم. وقوله: وزادني، فيه جواز الزيادة عند سداد الدين من غير شرط. أخذت من إنسان ديناً عشرة آلاف مثلاً، ولما جئت تسددها له أعطيته أحد عشر ألفاً، وديت له الدين بزيادة، هل هذا يجوز؟ الجواب: نعم يجوز، إذا كان من غير شرط، فيجوز. والدين هذا الحديث قال: فقضاني وزادني، أي على ما اتفق عليه. وهذا من الإحسان، هذا من الإحسان، أنك توفي الدين بزيادة، تعطيه الذي له وتزيده من غير شرط. فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن خيركم أحسنكم قضاء، إن خيركم أحسنكم قضاء». وأما مع الشرط فهو ربا لا يجوز. إذا قلت: أعطيك عشرة آلاف على أن تردها أحد عشر ألفاً، هذا ربا لا يجوز، أن تشترط الزيادة في زيادة الدين. أما إذا وفى لك وأعطاك من عنده من غير شرط، فهذا جائز. وأما مع الاشتراط فهو ربا لا يجوز. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر. شكرا للمشاهدة.