كتاب صلاة المسافرين وقصرها 28

كتاب صلاة المسافرين وقصرها 28

الدرس في كتاب صلاة المسافرين وقصرها 28، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

قصة شراء النبي صلى الله عليه وسلم بعير جابر وتفاصيل البيع

يروي جابر بن عبد الله رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم اشترى منه بعيراً كان قد أعيا، واشترط جابر أن يبلغ به المدينة، فلما وصلا وفى النبي الثمن وزاده، وفي ذلك دليل على جواز التجارة لأهل العلم والفضل كما كان يفعل الصحابة.

الفوائد الفقهية والآداب المستنبطة من حديث جابر

استعرض المقطع جملة من الأحكام والآداب منها: التيسير في النكاح وتقليل المهر، والحث على الكسب الحلال والعمل باليد، وجواز خيار الشرط في البيع كما فعله جابر مع جمله، وبيان هدي الصحابة في التجارة.

سنة صلاة ركعتين عند القدوم من السفر وآداب دخول المسجد

أمر النبي صلى الله عليه وسلم جابراً عند وصول المدينة أن يأتي المسجد فيصلي ركعتين قبل الذهاب إلى أهله، وهي سنة مؤكدة للمسلم إذا قدم من سفر أن يبدأ بالمسجد ويصلي فيه ركعتين، كما تكرر التنبيه عليها في مواضع متعددة من الدرس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد: قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا عبيد الله بن معاذ، وهو العنبري، وثقة، حافظ، قال: حدثنا أبي، وهو معاذ بن معاذ العنبري، قال: حدثنا شعبة، وهو ابن الحجاج، أبو بسطام، أمير المؤمنين في الحديث، عن محارب، وهو ابن دثار، أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: «اشترى مني رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا، فلما قدم المدينة أمرني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم، أمرني أن آتي المسجد فأصلي ركعتين». وحدثني محمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، الملقب بالزمن، وهو من رجال الكتب الستة، من مشايخ الكتب الستة، قال: حدثنا عبد الوهاب، يعني الثقفي، وهو عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، أبو محمد، وهو ثقة، إلا أنه تغير قبل موته بثلاث سنين، قال: حدثنا عبيد الله، وهو عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب القرشي، كان من سادات أهل المدينة، قال: عن وهب بن كيسان، وهو أبو نعيم، قال: قال لي المؤدب، وهو ثقة، عن جابر بن عبد الله، قال: «خرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزاة، فأبطأ بي جملي، وأعيا، ثم قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم قبلي، وقدمت بالغداة، يعني في الصباح، فجئت المسجد، فوجدته على باب المسجد، قال: الآن حين قدمت؟ قلت: نعم، قال: فدع جملك، وادخل فصل ركعتين، قال: فدخلت فصليت، ثم رجعت». هذا الحديث، والرواية التي قبله، تبين أن جابرا رضي الله عنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام في غزوة من الغزوات، وكان معه جمله، فأبطأ به، أي كان بطيئا، كان جمل جابر بطيئا، وأعيا، يعني تعبا، فالنبي عليه الصلاة والسلام قال لجابر: «أَتَبِيعُهُ؟» أتبيعه لي، قال جابر: نعم، واتفق مع النبي صلى الله عليه وسلم على الثمن، إلا أن جابرا اشترط أن يبلغ به المدينة، يعني أن يركبه حتى يصل إلى المدينة، ثم يبيعه للنبي عليه الصلاة والسلام، ويسلمه إياه، فتأخر جابر، وقدم في الصباح، وظاهر ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم قبله، لعله في الليل، فلما جاء وجد النبي عليه الصلاة والسلام على باب المسجد، فقال: «الآن حين قدمت»، يعني ما جئت إلا الآن من السفر، قال: نعم، فقال: «فدع جملك، وادخل فصل ركعتين»، فدخل فصلى، ثم أتى بالجمل للنبي عليه الصلاة والسلام، فأعطاه النبي صلى الله عليه وسلم ثمنه، وزاده، كما في الرواية التي مرت معنا في الدرس الماضي. فهذا الحديث فيه، كما مضى سابقا، جواز شراء الفاضل وبيعه، أن الفاضل قد يبيع ويشتري، ولا عيب عليه في ذلك، ولا نقص، فهذا النبي عليه الصلاة والسلام كان يبيع ويشتري، وهكذا لو حصل من أهل العلم والفضل أن باعوا واشتروا، فليس في ذلك من نقص في حقهم، وهؤلاء الصحابة رضوان الله عليهم، وهم خير هذه الأمة، كانوا يبيعون ويشترون ويتجرون، أبو بكر رضي الله عنه كان من تجار الصحابة، عثمان بن عفان، ذو النورين، كان تاجرا، عبد الرحمن بن عوف كذلك، لما قدم المدينة، وآخى النبي عليه الصلاة والسلام بينه وبين أحد الأنصار، وأراد أن يتنازل عن إحدى مزرعتين له، وكذلك أن يتنازل عن إحدى زوجتيه، فيطلقها ويتزوجها، فقال: «بارك الله لك في أهلك ومالك، دلني على السوق، دلني على السوق»، فذهب يعمل ويتاجر حتى فتح الله عليه، فمر على النبي عليه الصلاة والسلام، وعليه أثر خلوق طيب، قال: «مهيم»، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «مهيم»، أي: ما هذا؟ قال: تزوجت امرأة من الأنصار، قال: «فما أمهرتها؟» قال: وزن نواة من ذهب، قال: «بارك الله لك، أولم ولو بشاة»، قال: أولم ولو بشاة، وهكذا غيرهم من الصحابة كثر، وهكذا من بعدهم من التابعين، ومن بعدهم من علماء الحديث، فكانوا يكتسبون ويعملون، بل النبي عليه الصلاة والسلام حثنا على ذلك، ورغبنا في ذلك، قال عليه الصلاة والسلام: «نعم المال الصالح للرجل الصالح»، وقال: «خير ما أكل المرء من عمل يده إذا نصح»، فالشرع حث على العمل والاكتساب بالطرق الحلال، فلا عيب على الإنسان إذا فعل ذلك، ولو كان من أهل العلم والفضل. وكذلك أيضا في هذا الحديث جواز أن يشتري الإنسان السلعة ثم يبقيها مع صاحبها، إذا اشترط أن يستعملها لفترة معينة، وهذا ما يسمى بخيار الشرط، إذا كان لا ينافي مقتضى العقد، ولا يخالف الشرع، فإن ذلك جائز، فجابر باع جمله النبي عليه الصلاة والسلام، واشترط أن يحمله إلى أهله حتى يوصله إلى المدينة، ورضي النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، فجاز مثل هذا الشرط، أن يبيع الإنسان السلعة ثم يشترط أن تبقى معه، ويدفعها للمشتري بعد أيام مثلا، لكونه له غرض في استعمالها، ومثل هذا لا بأس به، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلمون على شروطهم، إلا شرطا أحل حراما، أو حرم حلالا». وكذلك أيضا فيه استحباب صلاة ركعتين في المسجد إذا قدم الإنسان من السفر، إذا قدم الإنسان من السفر، أول ما يبدأ بصلاة ركعتين في المسجد، وهذا كان من هدي النبي عليه الصلاة والسلام، أنه إذا قدم من السفر، أول ما يبدأ بالمسجد، فيصلي ركعتين، وهنا لما جاء جابر رضي الله عنه، سأله النبي عليه الصلاة والسلام: «الآن قدمت؟» قال: نعم، قال: «ادخل، دع جملك، وادخل فصل ركعتين»، فهاتان ركعتان مستحبتان أن يصلي المسلم إذا قدم من سفر ركعتين في المسجد، فيكون أول ما يزور حين يقدم العبد، أول ما يقدم المسجد، فيزور المسجد، ويبدأ بصلاة ركعتين فيه، ثم بعد ذلك يذهب إلى أهله وإلى حاجته. طيب، هذا ما يتعلق بهذا الحديث، والله تعالى أعلم.