الدرس في كتاب الجنائز 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
تناول المقطع حكم زيارة النساء للقبور، حيث يوجد خلاف بين أهل العلم بين جواز الزيارة بشروط وبين المنع، واستعرض الأدلة من الأحاديث النبوية والشروط اللازمة لزيارة النساء للقبور.
المقطع يتناول حكم زيارة النساء للمقابر، حيث يرى أن الأحاديث تدل على عدم مشروعية زيارة المرأة للقبور، ويستحب لمن زار المقابر أن يقول دعاء معينًا.
اختلف العلماء في انتفاع المسلم بالأعمال الصالحة التي يؤديها غيره، فمنهم من قال بجواز ذلك عمومًا، بينما ذهب آخرون إلى أن الانتفاع مقيد بما دل عليه الدليل الشرعي.
المقطع يمثل ختام كتاب الجنائز حيث ذكر المؤلف آخر ما يريد إيصاله، ثم ختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
بسم الله، الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله، وصحبه، ومن والاه. أما بعد، وقفنا عند قول المؤلف، رحمه الله: «وقال: زوروا القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة»، رواه مسلم. وقلنا بأن زيارة القبور تنقسم إلى ثلاثة أقسام: زيارة شرعية، وزيارة بدعية، وزيارة شركية. فزيارة القبور الشرعية هي زيارة القبور لقصد تذكر الآخرة، والدعاء للأموات بالمغفرة والرحمة. ويشترط بهذه الزيارة الشرعية أن لا تحدد بيوم معين فتتخذ عيدًا. والشرط الثاني أن لا يشد لها الرحال، بقول النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد». والشرط الثالث أن لا يقال هجرًا، أي قولًا فاحشًا. ومن أعظم الفحش دعاء الأموات والاستغاثة بهم. فإن اختل أحد هذه الشروط، فهي زيارة بدعية. وإن وقع في شيء من الشرك، من دعاء الأموات والاستغاثة بهم إلى آخر ذلك، فهي زيارة شركية. فقول النبي، عليه الصلاة والسلام: «زوروا القبور»، هل هذا يشمل كذلك النساء، أم أن هذا الحكم خاص بالرجال؟ في هذه المسألة خلاف بين أهل العلم. فمن أهل العلم من قال: يجوز كذلك للنساء أن يزرن القبور. واستدلوا بعموم هذا الحديث: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة». والمرأة تحتاج إلى أن تتذكر الآخرة كالرجل. واستدلوا كذلك بما جاء عند البيهقي أن عبد الله بن أبي مليكة، رحمه الله، رأى عائشة، رضي الله عنها، وقد خرجت من المقبرة، فقال: يا أم المؤمنين، من أين أقبلت؟ قالت: من المقبرة؛ زرت قبر أخي عبد الرحمن. فقال لها: أليس قد نهي عن هذا؟ قالت: نعم، لكن أذن بعد ذلك. وكذلك استدلوا بحديث أم عطية الصحيح في قصة المرأة التي رآها النبي، صلى الله عليه وسلم، وهي واقفة على قبر ابنها وهي تبكي، فقال لها: «اتقي الله واصبري». قالت: «إليك عني؛ فإنك لم تصب بمصيبتي». قالوا: فهذه الأدلة تدل على جواز زيارة المرأة للقبور. إلا أنهم قالوا: لا بد إذا أرادت أن تزور القبور من شروط. من هذه الشروط أن لا تكون متبرجة، أن تكون متحجبة، لا تخرج متعطرة ولا متزينة إلى آخر ذلك. والشرط الثاني أن لا تفعل منكرًا، أن لا تفعل منكرًا من الصياح والنياحة ونحو ذلك. والشرط الثالث أن لا تجعل الزيارة ماذا؟ يومًا معتادًا أو محددًا. والشرط الرابع قالوا: أن لا تكثر من الزيارة؛ لأن ذلك سبب لإفتتانها، وكذلك ربما أيضًا يفتتن بها غيرها. وذهب جماعة من أهل العلم إلى المنع؛ أن المرأة لا تزور القبور. واستدلوا بحديث أم عطية، رضي الله عنها، في الصحيحين: «نهينا عن اتباع الجنائز ولم يُعزم علينا». قالوا: هذا صريح في النهي عن اتباع الجنائز؛ فحضور أو زيارة القبور داخل في معنى النهي. وكذلك أيضًا استدلوا بحديث: «لعن الله زوارات القبور». جاء في لفظ: «لعن الله زائرات القبور والمتخذات عليها السرج». هو ضعيف بهذا اللفظ، لكن صح بلفظ: «لعن الله زوارات القبور». وهذا اللفظ يحتمل معنى الإكثار من الزيارة، أو كذلك أيضًا قد يراد به المبالغة، يعني في لعن من زارت القبور. وعلى كل حال، الحديث يدل على عدم مشروعية زيارة المرأة للقبور؛ وأن من زارت القبر وأكثرت من ذلك فهي مستحقة للعن. ولا يكون ذلك إلا لارتكاب معصية وذنب؛ بل يدل على أن ذلك كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأن المعصية التي تقرن بلعن أو غضب أو حد في الدنيا وعقوبة في الآخرة تكون كبيرة من كبائر الذنوب. وإن كانت هذه الأحاديث عارضتها ما ذكرنا مما استدل به أهل العلم على الجواز، لكن لا شك أن الأحوط القول بالمنع؛ أخذًا من هذه الأدلة الدالة على المنع. ولأن النساء في الغالب ضعاف، وكذلك ربما يفتتن بزيارة القبور من الوقوع في أنواع من المنكرات من دعاء الأموات والاستغاثة بهم أو نحو ذلك. فلأجل هذا يسد هذا الباب بمنع النساء من زيارة القبور، وهذا أحوط. والله أعلم. وذكر هذا الإمام البيهقي، رحمه الله، بعد أن ذكر حديث عائشة لما قالت: «نهي عن ذلك ثم أذن بعد ذلك». قال: «وصريح حديث أم عطية - يعني نهينا عن اتباع الجنائز - يقول: الأخذ به - يعني - أولى؛ الأخذ به أولى؛ لأنه صريح في الدلالة على النهي». قال: «وينبغي لمن زارها أن يقول: السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون. ويرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين. نسأل الله لنا ولكم العافية. اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم». نسأل الله لنا ولكم العافية. هذا الذكر هو مجمع من أحاديث؛ جمعها المؤلف، رحمه الله، في هذا الموضع. جاء من حديث بريدة، وعن غيره من الصحابة، رضوان الله عليهم. يعني يشرع لمن زار المقابر السلام على أهلها والدعاء لهم بالمغفرة والرحمة. «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون»: يعني أنتم قد سبقتم إلى هذه القبور، ونحن سنلحق بكم. «يرحم الله المستقدمين منكم والمستأخرين»: أي ممن دفن في هذه المقبرة. «نسأل الله لنا ولكم العافية»: أي عافينا الله جل وعلا من عذابه وسخطه وعقوبته. «اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم»: أي في حال حياتنا وبعد موتنا إذا متنا ودفنا في القبور فلا نفتن عند سؤال الملكين، ثم الدعاء لهم. «واغفر لنا ولهم». نسأل الله لنا ولكم العافية. وهذا الدعاء مستحب؛ يستحب لمن دخل المقبرة أن يأتي بمثل هذا الدعاء. قال: «وأي قربة فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت، مسلم نفعه ذلك». والله أعلم. يقول المؤلف، رحمه الله: أي قربة فعلها - أي المسلم الحي - وجعل ثوابها لحي أو ميت، مسلم نفعه ذلك. أي قربة: يعني من صلاة أو صيام أو صدقة أو قراءة قرآن أو حج أو عمرة أو طواف أو دعاء أو غير ذلك من أنواع القرب إذا فعلها وجعل ثوابها لحي أو ميت، فإنه ينتفع بذلك. هكذا ذكر، رحمه الله، بهذا العموم هذا القول. قال به بعض أهل العلم: أن أي قربة يعني يفعلها المسلم ويجعل ثوابها لغيره من المسلمين أنه ينتفع بذلك. واستدلوا بما ثبت من وصول ثواب الأعمال والطاعات، وقاسوا عليها بقية العبادات. وقيل قول آخر: أنه لا يهدى من ثواب الأعمال إلا ما دل عليه الدليل؛ لأن العبادة توقيفية، فلا يشرع منها إلا ما شرعه الله ورسوله. فما دل الدليل على أنه يصل نفعه إلى المسلم فإنه ينتفع به، وما لم يدل عليه دليل فالأصل التوقف في ذلك. فمثلًا مما دل الدليل على أن الميت ينتفع به أو ينتفع به الحي إذا عمله غيره: الدعاء؛ إذا دعا المسلم لأخيه، سواء كان حيًا أو ميتًا، فإنه ينتفع بذلك. قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «ودعوة المسلم لأخيه بظهر الغيب مستجابة؛ على رأسه ملك موكل، كلما دعا لأخيه بخير، قال الملك الموكل: آمين، ولك بمثل». وفي حديث أبي هريرة الصحيح: «إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث، وذكر منها: أو ولد صالح يدعو له». إذن الدعاء ينتفع منه الميت. وكذلك أيضًا الحج والعمرة؛ هذا مما ينتفع به الغير، ويدل عليه قول النبي، عليه الصلاة والسلام، حين سئل: سألته امرأة من خثعم، قالت: «يا رسول الله، إن فريضة الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم». وكذلك حيث بريدة العقيلي، قال: «يا رسول الله، إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج ولا العمرة ولا الضعن، قال: حج عن أبيك واعتمر». وهكذا أيضًا كذلك مما ينتفع به الغير الصيام؛ قال النبي، صلى الله عليه وسلم: «من مات وعليه صيام، صام عنه وليه». كذلك الصدقة؛ حيث في الصحيحين سئل النبي، عليه الصلاة والسلام، قال السائل: «يا رسول الله، إن أمي افتلتت نفسها - ورواه - لو تكلمت تصدقت، أفأتصدق عنها؟ قال: نعم». تصدق عنها. والحديث الآخر لما قالت المرأة: «يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها دين، أفأقضيه عنها؟ أو قالت عليها صوم نذر، قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يجزي عنها؟ قالت: نعم. قال: فصومي عن أمك». فدل هذا على أن الصدقة كذلك ينتفع بها الغير. فهذه الأعمال دلت الأدلة على انتفاع - يعني - المسلم بها إذا فعلها المسلم وأهدى ثوابها إليه. لكن ما لم يأت فيه دليل، مثل قراءة القرآن وهدية ثواب القرآن للأحياء أو الأموات، هل هذا فعله النبي، صلى الله عليه وسلم، أو فعله الصحابة؟ الجواب: لا. إذن نقول مثل هذا لا يشرع؛ لماذا؟ لعدم الدليل الدال على مشروعية ذلك. ولو كان خيرًا لسبقوا إليه. والله يقول: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. قال الإمام الشافعي، رحمه الله: على أن الميت لا ينتفع بإهداء ثواب قراءة القرآن، وغير ذلك أيضًا من القرب والطاعات التي لم يكن لها دليل؛ فالأصل أن نقف بما دل عليه الدليل. هذا هو الأرجح. والله تعالى أعلم. وهذا آخر ما ذكره المؤلف، رحمه الله، في كتاب الجنائز. إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.