الدرس في كتاب الجنائز 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول هذا الفصل أحكام الجنائز وتجهيز الميت، حيث يشرح أهمية تلقين الميت لا إله إلا الله عند الاحتضار وتجهيز الميت كفرض كفاية. كما يشير إلى الإسراع بالجنازة وأحكامها.
يشرح هذا الفصل تفاصيل تجهيز الميت وتكفينه، حيث يبين أحكام الكفن وتجهيز الميت، والواجب والمستحب في تكفين الرجل والمرأة، مع التركيز على أحكام تكفين المحرم والمحرمة.
يتناول هذا الفصل أحكام صلاة الجنازة وكيفية أدائها وأركانها، والدعاء للميت ووالديه في الصلاة، مع شرح كيفية التكبير والتسليم وفقا لمذهب الإمام أحمد وآراء جمهور أهل العلم.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ولا أما بعد. قال أعلام السعادة رحمه الله في كتاب "مند السالكين" في كتاب الجنائز: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله»، رواه مسلم. وقال: «اقرأوا على موتاكم ياسين»، رواه النسائي وأبو داود. وتجهيز الميت بغسله وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه فرض كفاية. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن تك غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». وقال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، رواه أحمد والترمذي. قال: والواجب في الكفن ثوب يستر جميعه، سوى رأس المحرم ووجه المحرمة. إلى آخر ما قال رحمه الله في هذا الكتاب. هذا الكتاب كتاب الجنائز، وكتاب على وزن فعال، معنى المفعول، أي هذا مكتوب فيه أحكام الجنائز. والجنائز جمع جنازة، ويقال جنازة بكسر الجيم وفتحها، قيل: كلاهما بمعنى واحد، وقيل: بالفتح اسم للميت، وبالكسر اسم لما يحمل عليه النعش. قال: والإنسان إذا مرض استحب عيادته وزيارته، فهي من حقوق المسلم على أخيه، كما في الصحيحين عن أبي هريرة، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «حق المسلم على المسلم خمس»، ومنها: «وإذا مرض فعده». فعيادة المريض حق للمسلم أن يزار ويعاد، ويذكر بالله، ويعلق قلبه بالله. وكذلك يحتاج إلى نصيحة وإرشاد وتوجيه، فينصح. وإذا زار المسلم أخاه يحرص على أن يكون وقت الزيارة بوقت مناسب. وإذا زاره فلا يطيل المكث عنده، فقد يحتاج أن يقوم إلى الحمام أو يحتاج أن ينام أو نحو ذلك، فيجد حرجا من كثرة المكث عنده. فالأصل أن يزوره في وقت يسير، يسأل عنه وينصحه ويذكره، ثم ينصرف، إلا إذا علم أنه يحب المكث عنده والإطالة عنده، فلا بأس. فإذا حضره الموت، استحب أن يلقن، يقال له: قل لا إله إلا الله. هذا قول النبي عليه الصلاة والسلام، حديث أنس: «لقنوا موتاكم لا إله إلا الله». وقول: «لقنوا موتاكم» أي: من حضره الموت، وليس المراد من مات، إذا مات ما في فائدة، كيف يلقن وقد مات؟ فالمراد: لقنوا موتاكم، أي: من حضره الموت، عند الاحتضار، يقال له: قل لا إله إلا الله، حتى يكون آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة». وقال: «اقرأوا على موتاكم ياسين»، رواه النسائي وأبو داود. وهذا الحديث حديث معقل بن يسار لا يصح. رواه النسائي وأبو داود وغيرهما من طريق سليمان التيمي عن أبي عثمان، وليس بالنهدي. والحديث فيه ثلاث علل: الاضطراب، والوقف، وجهالة أبي عثمان. ولهذا قال الإمام أبو بكر العربي، قال الدارقطني رحمه الله: هذا حديث ضعيف الإسناد، مجهول المتن. ولا يصح في الباب حديث. إذا الحديث لا يصح، فقراءة ياسين على الأموات - والمراد أيضا هنا: يقرأ على موتاكم، أي: من حضره الموت - كالذي قبله. هذا إذا صح، وينقل المراد على موتاكم، أي: من مات، فيقال: هذا الفعل ليس من المشروع؛ لأن الحديث ضعيف لا يصح. وقراءة ياسين عبادة، والعبادة لا تثبت إلا بدليل، فيكون هذا الفعل من المحدثات. وإن قال به بعض أهل العلم، فقد غفي عليهم ضعف هذا الحديث، هم معذورون. ومن علم حجة على من لم يعلم. وإذا مات الميت، استحب أن يوجه إلى القبلة، أو عند الاحتضار، لحديث: «البيت الحرام قبلتكم أحياء وأمواتا»، رواه أبو داود، وعند البيهقي مرسلا، حسن عن البراء بن معرور: أنه أول من استقبل القبلة حيا وميتا. قال: وتجهيز الميت بغسلهء وتكفينه والصلاة عليه وحمله ودفنه فرض كفاية. تجهيز الميت بغسله هذا من واجبات تغسيل الميت، تكفينه، الصلاة عليه، حمله ودفنه، هذه من الواجبات، لكنها واجبات كفائية، بمعنى: إذا قام به البعض سقط الإثم عن الآخرين. أما تغسيله، فلقصة الرجل الذي وقصته ناقته فمات وهو محرم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «اغسلوه بماء وسدر»، الحديث. وأيضا قال: «وكفنوه في ثوبي». وأيضا حديث أم عطية في قصة ابنة النبي صلى الله عليه وسلم زينب لما ماتت، قال: «اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر من ذلك إن رأيتن ذلك، بماء وسدر، واجعلن في الآخرة كافورا أو شيئا من كافور». فتغسيله وتكفينه من واجبات الكفاية. وكذلك الصلاة عليه، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «صلوا على صاحبكم». وفي مسلم: وكذلك في قصة موت النجاشي، كما في الصحيحين: لما مات النجاشي، وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم بموته، فقال: «إن أخا لكم قد مات، فقوموا فصلوا عليه». قال: وحمله ودفنه كذلك، حمل الميت وتشييعه ودفنه، هذه كلها من فروض الكفايات التي يجب على بعض المسلمين أن يقوموا بها. وإن لم يقم بها أحد منهم أثم الجميع، وإذا قام بها البعض سقط الإثم عن الآخرين. ما هو الفرض الكفائي؟ أنه لا يلزم جميع المسلمين أن يغسلوا الميت، وهذا أثناء ما يمكن أن يجتمع المسلمون كلهم على تغسيل الميت، وإنما المراد أن يحصل هذا الفعل، وهو أن يغسل، فإن هذا فرض كفائي. الواجب الكفائي: منظور فيه إلى الفعل، الفعل دون الفاعل، منظور فيه إلى الفعل دون الفاعل، فالمقصود حصول هذا الفعل، وهو أن يغسل، وأن يكفن، وأن يصلى عليه، إلى آخره، فيحصل هذا ببعض المسلمين. قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أسرعوا بالجنازة، فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه، وإن كانت غير ذلك فشر تضعونه عن رقابكم». هذا الحديث فيه الأمر بالإسراع بالجنازة. والإسراع بالجنازة يشمل الإسراع في تغسيلها وتكفينها، وفي الصلاة عليها، وفي حملها ودفنها. فالسنة أن الميت لا يؤخر، لا يؤخر إذا مات، يعجل بتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، هذه السنة، إلا إذا كان هناك عذر، أو حاجة إلى التأخير، كأن يكون مثلا هذا الميت هو ولي أمر المسلمين، ويحتاج الأمر إلى أن ترتب الأمور بعد موته: من يتولى الإمارة مثلا، أو الولاية، حتى لا تطلب أمور المسلمين، فيرتب هذا الأمر، فمع ذلك يعلن عن موته، ويقام بالصلاة عليه إلى آخره. أو مثلا يموت هذا الميت بجناية، كأن يقتل، فيحتاج أن يتأكد من سبب القتل الذي مات بأثره، قد يعني يموت مسموما أو نحو ذلك، أو فيه آثار ضرر أو شيء من ذلك، فيحتاج أن تنظر الجثة، ويتأكد من علامات الموت، نحو ذلك، فتؤخر لأجل البحث الجنائي، هذا لا بأس به، هذا له حاجة. أو مثلا يموت في الليل، وليس هناك أحد من الناس يصلي عليه إلا القلة، وتكثير الصلاة على الميت أمر مطلوب، فإذا أخر إلى الصباح حتى يكثر عليه المصلون، هذا أيضا عذر. وقوله: «فإن تك صالحة فخير تقدمونها إليه»، يعني الجنازة، إن كانت صاحبها من أهل الإيمان، ومن أهل الخير، ومن أهل الصلاح، فهو يقدم على خير، يقدم على روضة من رياض الجنة، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «القبر روضة من رياض الجنة، أو حفرة من حفر النار». وإن كانت غير ذلك، يعني غير صالحة، من أهل الكفر، أو أهل الفسوق، أهل الفجور، فشر تضعونه عن رقابكم، فهو سيقدم على كذلك شر له، عذاب وعقوبة، وسخط من الله جل وعلا. وفي حديث أبي سعيد في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا وضعت الجنازة، فاحتملها الرجال على أعناقهم»، وهذا يدل أن الذي يحمل الجنازة هم الرجال، فإن كانت صالحة قالت: «قدموني، قدموني»، وإن كانت غير صالحة قالت: «يا ويلها، أين تذهبون بها؟»، تصيح، تولول. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يحسن خاتمتنا، وأن يجعلنا من أهل الخير والصلاح. وجاء أيضا في حديث في الصحيح: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر أن المؤمن إذا مات، أن الفاجر أو الكافر إذا مات استراح منه العباد والبلاد، استراح منه العباد والبلاد. وقال: «نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه»، رواه أحمد والترمذي من حديث بريدة. هذا الحديث يخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن نفس المؤمن معلقة، يعني: محبوسة عن دخول الجنة، حتى يقضى عنه دينه، حتى يقضى عنه دينه. فإذا قضي عنه الدين دخل الجنة، وهذا يدلنا على خطر الديون، والتساهل فيها. فإن الإنسان إذا استدان ولم يسدد الدين الذي عليه ومات، تبقى نفسه معلقة، لو كان من أهل الجنة، ما يدخل الجنة حتى يسدد هذا الدين. وفي حديث قتادة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن المجاهد في سبيل الله يغفر له كل شيء، ثم أوحى الله إليه: «إلا الدين». فأعاد: «يغفر له كل شيء إلا الدين»، فإن جبريل أخبرني بذلك. مجاهد في سبيل الله الذي يقتل في سبيل الله، مع أنه يغفر له جميع ذنوبه، ويبشر بالجنة إلى آخر ذلك، إلا أمر الدين؛ لأنه يتعلق بحقوق الناس، حقوق الخلق مبنية على المشاحة. نعلم هذا: صاحب الدين هل يرضى أن يتنازل ويعفو؟ فهذا حق له، فأراد بهذا رحمه الله الإشارة إلى أولا: خطر الديون، وعظيم أمرها وشانها. والأمر الثاني: أنه ينبغي أن يعجل المسلم في سداد ديونه، وأنه إذا اضطر إلى أخذ دين، ينبغي أن يكون في نيته أنه يسعى ويصدق في رد هذا الدين لصاحبه. أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه الله». إذا أخذ المال وهو في نيته أنه يردها إلى صاحبها، أعانه الله على ذلك، وأوفقه لتسديد هذا الدين، إن كان في حال الحياة، أو كان بعد الموت أن يعفو صاحب الدين عن دينه. وأما إذا أخذها يريد تلاعبا بأموال الناس، يريد إتلافها، يعني: يستعملها ولا يردها إلى صاحبها، أتلفه الله. وهذه يعني: هذا دعاء من النبي عليه الصلاة والسلام له بالتلف، وهو يشمل التلف في الدنيا والتلف في الآخرة. أتلفه الله، قد يصيبه شيء من المصائب والابتلاءات التي تذهب ماله، وتذهب ربما بصحته وعافيته، أو يبتلى في أولاده، أو نحو ذلك. أو يتلفه الله في الآخرة، يعني: يهلك ويكون من الخاسرين، ومن أهل النار والجحيم. فالأمر خطير. وكذلك أيضا أراد أن يشير إلى أن من الحقوق المتعلقة بالتركة: قضاء الديون. فإن التركة تتعلق بها حقوق بعد موت الميت، ومنها: تجهيز الميت، تغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، هذا كله يأخذ من تركة الميت، يخرج من تركة الميت قبل قسمة التركة. أيضا قضاء الديون، هذه من الحقوق المتعلقة بالتركة قبل قسمتها. نأتي أولا: نسدد الديون التي عليه، إن كان هناك ديون موثقة برهن، نبدأ بها. ثم ثانيا: نسدد الديون المطلقة التي عليه، عنده لله لفلان كذا وكذا من المال، وهذا يطالبه بكذا وكذا من المال، نعطي هذا الذي له، وهذا الذي له، نسدد الديون التي عليه. ثم بعد ذلك الأمر الرابع: ننتقل إلى الوصية، إن كان له وصية أوصى بها، فننفذ الوصية، يعني: بقدر الثلث، وتكون لغير وارث، بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا وصية لوارث». ثم بعد ذلك نقسم ما تبقى من المال للورثة. إذن أمر الديون مقدم على قسمة التركة، لابد نسدد الديون التي عليه من ماله وتركته، ثم بعد ذلك بعد الوصية إن كان أوصى، تقسم ما تبقى من المال على الورثة. قال: والواجب في الكفن ثوب يستر جميعه، سوى رأس المحرم ووجه المحرمة. الواجب في الكفن ثوب يستر جميعه، يعني: يستر جميع البدن، ولا يكون شفافا؛ لأن الشفاف لا يحصل به الستر، فوجوده كعدمه، يكون ثوبا ثخينا. وإذا وجد الثوب هذا الواجب، إذا كفناه في ثوب واحد وستره هذا الثوب، هذا يكفي. لكن المستحب أن يكفن في ثلاثة أثواب، المستحب أن يكفن في ثلاثة أثواب بيض من قطن، هذا المستحب لحديث عائشة في الصحيحين: كفن النبي صلى الله عليه وسلم في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف، ليس فيها قميص ولا عمامة. السحولية يعني: من اليمن، منطقة سحول، وهي من مناطق إب. وقوله: من كرسف، يعني: من قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة، يعني: يكون ثوب خالص، ليس في كفن الميت أكمام تدخل فيها اليد، ولا عنق تدخل فيها الرأس إلى آخره، تكون مفتوحة. طيب هذا المستحب، وإلى الواجب كما ذكر: ثوب واحد، إذا استره حصل المقصود. لكن يستحب ثلاثة أثواب، يوضع الثوب الأول في الأرض، ثم الثوب الثاني فوقه، ثم الثالث فوقه، ويوضع فيما بينها الحنوط والطيب، ثم يلف فيها الميت، يوضع الميت في الوسط، وسط هذا الثوب الأعلى، ويغطى الطرف الأيسر إلى جانبه الأيمن، والأيمن إلى جانبه الأيسر، ثم الثاني كذلك، ثم الثالث كذلك. وما زاد من الكفن في الأطراف يلف عند رأسه وعند قدميه، ثم يربط. هذه صفة التكفين. قال: ثوب يستر جميعه، وهكذا الصبي مثلا كذلك يكفي الثوب واحد. وبعض قال: الصبية ثلاثة أثواب. فالواجب هو الثوب إذا حصل به الستر حصل المقصود. قال: سوى رأس المحرم، يعني: المحرم إذا مات وهو محرم، فإنه لا يغطى رأسه، بقول النبي صلى الله عليه وسلم في الرجل الذي وقصته ناقته: «ولا تخمر رأسه»، لا تغطوه. لماذا؟ لأن المحرم يمنع من تغطية رأسه، يمنع من تغطية رأسه. وجاء في رواية: «ولا تخمر رأسه ولا وجهه»، وهي عند مسلم عن ابن عباس. لكن هذه الرواية شاذة، ذكر الوجه شاذ. نعم، الصحيح أنه قال: «لا تخمر رأسه» فقط. أما الوجه لا بأس أن يغطى. قال: ووجه المحرمة، يعني: إذا ماتت المرأة وهي محرمة، فإنه لا يغطى وجهها. لا يغطى وجهها، وهذا ليس بصحيح، بل يجوز أن يغطى وجه المحرمة. والمحرمة إنما ممنوعة من تغطية الوجه بما يربط على الرأس، كالنقاب والبرقع، وليست ممنوعة من تغطية وجهها بما هو غير ذلك مما لا يربط على الرأس، كأن يلقى الخمار من فوقها. فلهذا: المحرمة يغطى وجهها إذا ماتت، بشيء لا يربط على رأسها، كغطاء يوضع عليها، ويغطى وجهها به، هذا والصحيح أن وجهها يغطى؛ ولأن المرأة عورة، نعم، ووجهها كذلك عورة، فيجب أن تغطى. قال: وصفة الصلاة عليه: أن يقوم فيكبر، فيقرأ الفاتحة، ثم يكبر ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم يكبر ويدعو للميت، فيقول: ذكر بعض الأدعية، ثم قال: ثم يكبر ويسلم. الصلاة للجنازة الأركان أركانها أربع تكبيرات، لابد من أربع تكبيرات، ويصح عن النبي عليه الصلاة والسلام لما صلى على النجاشي كبر عليه أربعا، ولم يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كبر على جنازة أقل من أربع تكبيرات، فيكون الأربع تكبيرات هذه من أركان صلاة الجنازة. وكذلك أيضا قراءة سورة الفاتحة؛ لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». والصلاة على الجنازة الصلاة صلاة، نعم. وابن عباس في البخاري صلى بصلاة الجنازة وقرأ الفاتحة، وقال: «لتعلموا أنها سنة». وكذلك التسليم في آخرها؛ لعموم حديث علي: «تحليلها التكبير، وتحليلها التسليم». وكذلك أيضا الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، والدعاء للميت. إن تشتمل الصلاة على الجنازة على أربع تكبيرات، وقراءة الفاتحة، والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، هو الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة، وهو المقصود من صلاة الجنازة، هو الدعاء للميت بالمغفرة والرحمة. قال: يقوم فيكبر، فيقرأ الفاتحة، يكبر: أي تكبيرة الإحرام، وهي التكبيرة الأولى من تكبيرات الجنازة، ويقرأ الفاتحة. وهل يأتي بدعاء الاستفتاح؟ الجواب: لا، دعاء الاستفتاح في صلاة الجنازة ليس فيها دعاء استفتاح؛ لأن هذا لم يثبت على النبي عليه الصلاة والسلام، ولأنها صلاة مبنية على التخفيف. لكن يستعيذ ويبسمل ويقرأ الفاتحة. قال: ثم يكبر، أي: تكبيرة الثانية، ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم. لو قال: «اللهم صل وسلم على نبينا محمد» كفى. لكن لو أتى بالصلاة الإبراهيمية فهي أكمل، الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم كما نصلي عليه في الصلاة: «اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إلى آخره»، هذا أكمل. ودليل ذلك ما جاء في أثر سهل بن حنيف: أنه قال: «من السنة في الصلاة على الجنازة أن يكبر الإمام، ثم يقرأ بفاتحة الكتاب بعد التكبيرة الأولى، ويقرأ في نفسه، ثم يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم، ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرتين». نعم، الأثر هذا رواه الشافعي في مسنده، وجاء أيضا عند الإمام ابن أبي شيبة، وهو أثر حسن أو صحيح بمجموع الطرق، قصته الشيخ الألباني رحمه الله في الإرواء. فأخبر أن هذا من السنة أن يصلى على الميت في الجنازة، ثم يخلص له الدعاء في التكبيرتين الأخيرتين. قال: إلا أن هنا في هذا الأثر قال: «ولا يقرأ»، قال: «ويخلص الدعاء للجنازة في التكبيرتين»، ولا يقرأ في شيء منهن، ثم يسلم سرا في نفسه. هذه اللفظة يعني في هذا الأثر هو عند الإمام الشافعي في مسنده، لكن فيها ضعف. وجاء الأثر من طرق أخرى ليس فيها ذكر هذه اللفظة، يعني: «يسلم سرا في نفسه»، مع ذكر القراءة والصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، فتكون هذه لفظة غير محفوظة، ذكره أن يسلم سرا في نفسه، بل المشروع أن يسلم جهرا، أن يسلم جهرا، يسمع الإمام، يسمع المأمومون تسليم الإمام. نعم، وفي أثر المسيب - وهو صحيح - أنه قال: «ثلاثة تركها الناس، فعلها النبي عليه الصلاة والسلام، وذكر منها: التسليم في الجنازة كالتسليم في الصلاة»، التسليم في الجنازة كالتسليم في الصلاة. قال: ثم يكبر ويدعو للميت، يعني: تكبيرة الثالثة، إذا كبر التكبيرة الثالثة يدعو للميت، الذي ورد والثابت عن النبي عليه الصلاة والسلام. فإن لم يحفظ منها شيء، فيدعو له من المغفرة والرحمة: «اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، اللهم ادخله الجنة، اللهم اعذه من النار»، ونحو ذلك من مثل هذا الدعاء. قال: فيقول: «اللهم اغفر لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا، وشاهدنا وغائبنا، وذكرنا وأنثانا، اللهم من أحييته منا فأحييه على الإسلام، ومن توفيته منا فتوفه على الإيمان». نعم، وهذا جاء عند الإمام أحمد وأبي داود والترمذي من حديث أم بريدة رضي الله تعالى عنها، صاحب الشيخ الألباني رحمه الله، هذا من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم في صلاة الجنازة. ومثل هذا يدعى للميت إذا كان صغيرا، إذا كان صغيرا لا بأس يدعى له بهذا مثل هذا الدعاء؛ لأنه يشمل الكبير والصغير: «لحينا وميتنا، وصغيرنا وكبيرنا» إلى آخره. وإن دعى به للكبير أيضا لا بأس، أيضا: «اللهم اغفر له وارحمه وعافه وعفو عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقيه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، اللهم لا تحرمنا أجره، ولا تفتنا بعده، واغفر لنا وله». هذا في صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك، حتى قال عوف: لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يدعو للميت بهذا الدعاء، قال: «حتى تمنيت أن أكون أنا الميت»، تمنيت أن أكون أنا الميت. وهذا أصح دعاء في هذا الباب، في باب الدعاء للميت، هذا أصح ما ورد، حديث عوف بن مالك في صحيح مسلم. وهناك أيضا بعض الأحاديث الأخرى جاء في السنن: «اللهم إن فلان بن فلان في ذمتك، وحبل جوارك، اللهم فقه فتنة القبر، وعذاب النار، وأنت أهل الوفاء والحمد»، الحديث. نعم، وحديث عوف بن مالك هذا حديث عظيم، ودعاء بليغ، يعني: للميت بالمغفرة والرحمة، والمبالغة في ذلك، حتى ينقى ويصفى من الذنوب والخطايا، كما يصفى الثوب الوسخ الدنس من وسخه بالثلج والماء والبرد، اجتمعت هذه ثلاثة منظفات على الثوب الأبيض الذي يظهر فيه الوسخ، لا يبقى من الوسخ شيء. وهذا يشك أنه مبالغة في الدعاء له بالمغفرة والرحمة والتجاوز عما حصل منه. قال: وإن كان صغيرا، قال بعد الدعاء العام: «اللهم اجعله فرطا لوالديه، وذخرا، وشفيعا مجابا، اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما، واجعله في كفالة إبراهيم، وقه برحمتك عذاب الجحيم». هذا الحديث بطوله الله أعلم من أخرجه، لكن أوله: «اللهم اجعله فرطا لوالديه وشفيعا»، أو «اللهم اجعله سلفا وفرطا وسلفا»، هذا الصحيح من قول الحسن، من قول الحسن البصري، أخرجه البخاري في صحيحه معلقا بصيغة الجزم، ووصله عبد الرزاق في مصنفه. وأما بقية الألفاظ، الله أعلم من أخرجها، هذا عنده تعليق على هذا الأثر. على كل لا بأس لو دعا به للصغير: «اللهم اجعله فرطا»، الفرط هو الذي يتقدم، يتقدم غيره ليجهز لهم إكرامهم. والله يجعله فرطا لوالديه، يعني: أن يتقدمهم ويتلقاهم على بوابة الجنة فيكرمهم، وذخرا، وشفيعا مجابا، أن يشفع لهم يوم القيامة. ثم قول: «اللهم ثقل به موازينهما، وأعظم به أجورهما» إلى آخره، فالدعاء هنا لوالدي هذا الميت، لوالدي هذا الميت. قال: ثم يكبر ويسلم، يعني: يكبر تكبيرة الرابعة، ثم يسلم. نعم، في مذهب الإمام أحمد: التسليم واحدة إلى جهة اليمين: «السلام عليكم»، أو «السلام عليكم ورحمة الله». ويجوز التسليمتين، يسلم عن يمينه وعن شماله، في قول جمهور أهل العلم. وكما سمعنا في أثر المسيب، قال: «والتسليم في الجنازة كالتسليم في الصلاة». صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.