الدرس في كتاب الجنائز 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يجب على المسلمين دفن الميت في المقبرة، ويستحب توسيع القبر وتعميقه، ويجوز دفن أكثر من ميت في قبر واحد عند الضرورة. ولا يشرع الأذان والإقامة عند دفن الميت.
يجوز تسطيح القبر أو تسنيمه، ويرش بالماء بعد الدفنة، ويوضع عليه علامة. كما يبين حكم دفن الكافر، وفضل حضور الجنازة والصلاة عليها، ويحذر من تجصيص القبر والبناء عليه.
يستحب التعزية للمصاب بالميت بألفاظ تخفف عنه الحزن، ويجوز البكاء على الميت دون نياحة، وزيارة القبور مشروعة لتذكر الآخرة دون تحديد وقت معين لها.
الزيارة الشرعية للقبور تكون خالية من الشرك وتحديد الوقت، ولقصد تذكر الآخرة، ولا يشد لها الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد. وتحذر من الزيارة البدعية والشركية.
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. وقفنا عند قول المصنف رحمه الله: «ثم يكبر ويسلم»، يعني التكبير الرابع ثم يسلم، والتسليم في الجنازة كالتسليم في الصلاة، لأثر «مشعود» رضي الله عنه: «ثلاث كان رسول الله يفعلها تركها الناس، وذكر منها التسليم في الجنازة كالتسليم في الصلاة». إذن يسلم في الجنازة تسليمتين عن اليمين وعن الشمال، ولو سلم تسليمة واحدة فهو أيضا صحيح، قد ثبت ذلك عن بعض الصحابة رضوان الله عليهم. وهذا يزيد على التكبيرات الأربع، فصح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كذلك كبر خمس تكبيرات في حديث زيد بن أرقم أنه كبر خمسا، ثم قال: «فعله رسول الله صلى الله عليه وسلم». وأما الزيادة على الخمس من ست إلى تسع، فهذه ثبتت عن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم. نعم، وقد ذكرها الشيخ الألباني رحمه الله في كتابه «أحكام الجنائز». قال: «ودفنه»، أي دفن الميت، أن هذا من فروض الكفايات، يجب على المسلمين أن يدفنوا الميت. والله عز وجل يقول: ﴿ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ﴾، يعني أمات الله الإنسان وأمر أن يقبر وأن يدفن في الأرض. فدفن الميت من فروض الكفايات، أن الناس يعني يحفرون لهذا الميت حفرة ويدفنوه فيها، وذلك حتى لا يتأذى الناس منه، لأن الجثة إذا ماتت تغيرت رائحتها، ولو بقيت بين الناس لعافوها ولا تأذوا منها. فكان إكرامه بدفنه إكراما له. ويدفن الميت في المقابر، في المقبرة المكان المعد لدفن الموتى، هذا هو الأصل أنه يدفن في المقبرة. طيب إذا مات الإنسان في البحر مثلا، إنسان في سفينة ومات وهو في السفينة، ولو ترك حتى يصل إلى البر لتغير ونتن وتأذى من في السفينة، كيف يفعلون؟ فالجواب أنهم يعني يربطوه بشيء ثقيل ويرموه في البحر، فيكون البحر قبره. وإن أكلته الحيتان فيكون هذا قبره نعم، ولا يبقى؛ لأن الناس يتضررون بذلك. طيب إذا دفن في المقبرة، فيستحب في القبر أن يوسع، أن يوسع نعم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «احفروا ووسعوا». وكذلك أن يعمق القبر بما يغلب على الظن عدم وصول السباع إليه، وكذلك أيضا ألا ينال منه النباشون الذين يحفرون حتى يأخذوا الكفن. فيكون الحفر عميقا ليحصل بذلك صيانة هذا الميت من وصول السباع إليه. لو كانت حفرة يعني قريبة من سطح الأرض، لربما جاءت السباع فحفرت ونهشت لحم هذا الميت. كذلك يعمق. والصواب أنه ليس له حد معين، بعض العلماء يقول: يعني إلى حد الصدر، ومنهم من يقول: إلى حد القامة، أن يقف داخل القبر ويرفع يده. طيب والصواب أنه كما قال الإمام مالك: ليس في هذا حد معين، يحفر له بما يغلب على الظن حصول الصيانة له من عدم وصول السباع، وكذلك عدم استطاعة النباشين للوصول إليه بسهولة. وإذا حفر القبر، فعندنا طريقتان للدفن: إما اللحد، وإما الشق. اللحد بأن يحفر القبر، ثم في أسفل القبر تحفر حفرة في زاوية القبر تكون إلى جهة القبلة، هذه تسمى باللحد. وأما الشق فيكون في وسط القبر، حفرة يوضع فيها الميت. وفي الحديث: «اللحد لنا والشق لغيرنا». «اللحد لنا والشق لغيرنا»، حسنه الشيخ الألباني رحمه الله. نعم، والنبي صلى الله عليه وسلم لحد له في قبره، حديث عمرو بن العاص قال: «إذا مت فالحد لي لحدا، وضعوا علي اللبن كما صنع برسول الله صلى الله عليه وسلم». وقال أهل العلم: اللحد يستحب إذا كانت الأرض قوية؛ لأن الأرض تتماسك، يمكن أن يحفر في أسفل القبر لحدا. وأما إذا كانت الأرض رخوة، فالمستحب الشق، أن تحفر في وسط القبر حفرة يوضع فيها الميت. طيب إذا دفن الميت وأدخل إلى القبر، فالمستحب أنه يدخل من جهة رجلي القبر، يدخل من جهة رجلي القبر. الآن مثلا هذا القبر، وجئ بالميت، فإننا نضع الرأس، فننعش في هذه الجهة، جهة رجلي القبر، ثم يدخل هكذا واضح، فيسحب من جهة رجلي القبر، الموضع سيكون فيه قدمه يدخل من هذه الجهة، هذا هو المستحب، جاء به في الحديث. ويقال عند إنزاله: «بسم الله وعلى ملة رسول الله»، كما ثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. من العلماء من يقول: بل يوضع الميت يعني وضعا من وسط القبر، يؤتى بجنازة هنا ويحمل ويوضع هكذا، هذا جائز، لكن المستحب أن يوضع من جهة رجلي القبر، هذا المستحب، وإلا هذا جائز أيضا أن يحمل من وسط القبر ويوضع مباشرة. نعم، يتولى دفن الميت يعني ليس هناك شيء من الأدلة تدل على أنه لابد أن يتولى دفن الميت بعض أقاربه، بل من كان يحسن ذلك، ولو كان ليس من الأقارب لا بأس أن يتولى دفن الميت. ويدل على هذا: إمامة النبي عليه الصلاة والسلام لما توفيت زينب، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل من رجل لم يقارف أهله الليلة»، يعني لم يجامع أهله، فقال أبو طلحة: «يا رسول الله»، فنزل رضي الله عنه فتولى دفنها، تولى دفنها. فيدل هذا أنه لا يعني يلزم أن يكون الدافن من أقرباء الميت، لكن لو أراد أحد أن يتولى ذلك من أقربائه فلا بأس، هو أولى، كأبيها مثلا أو عمها أو أخيها أو نحو ذلك من المحارم. نعم، فإذا أوضع الميت في القبر، فإنه يعني يوضع إلى جهة القبلة، يوضع على خده الأيمن أو جانبه الأيمن، فيكون موجها إلى جهة القبلة. ويجوز دفن أكثر من ميت في قبر واحد إذا اضطر إلى ذلك، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في قتل أحد، كان يدفن الرجل والرجلين والثلاثة في قبر واحد. فإذا حصل مثل ذلك، حصل قتال مثلا وكثر القتل، أو وباء وكثر الموت، فإنه يشق أن يحفر لكل واحد قبر، يدفن الاثنين والثلاثة، يدفن الاثنين والثلاثة في قبر واحد لا بأس بذلك. نعم، وإذا دفن الميت ووضع في قبره، فإنه يرجع التراب الذي يخرج من القبر، ولا يشرع قبل ذلك، لا يشرع أن يؤذن ويقام داخل القبر، هذا الفعل من البدع والمحدثات، الأذان والإقامة عند دفن الميت هذا من البدع، لم يثبت ذلك عن نبي عليه الصلاة والسلام. ثم إذا دفن يرد التراب الذي خرج من القبر، التراب الذي خرج من القبر هو الذي يعاد في القبر، فحينئذ سيرتفع القبر يعني نحوا من شبر أو أقل أو أكثر، على حسب يعني ما يغطي الميت من الموضع الذي خرج منه التراب. قد يكون إنسان كبير وعريض فيأخذ موضعا أكثر أكبر، وآخر نحيف فيأخذ موضعا أقل. فالذي يخرج من القبر هو الذي يعاد على القبر. نعم، ولا يرفع أو يجصص أو يبنى عليه، كما سيأتي في نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك. وهل يسنم القبر يعني يجعل هيئة السنام، يرجع التراب عليه فيكون هكذا، أو يسطح فيكون هكذا مسطحا؟ كلاهما جائز، كلا الأمرين جائز أن يسطح وأن يسنم. نعم، وفي حديث سفيان الثوري: «أنه رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما»، رأى قبر النبي صلى الله عليه وسلم مسنما. نعم، وكان كما قلنا كلا الأمرين جائز، التسنيم والتسطيح. ثم يرش شيء من الماء على القبر بعد دفنه حتى يتماسك، حتى يتماسك. ويوضع عليه علامة، شيء من الحجر، علامة على أن هذا قبر. نعم، أما التفريق بين الذكر والأنثى، فيوضع للذكر حجرين ويوضع للأنثى ثلاثة أحجار، هذا ليس عليه دليل، ليس عليه دليل. طيب فإذا فرغ من دفن الميت، سيأتي أنه يستغفر له ويدعى له بالتثبيت. طيب هذا بحق المسلم، أما الكافر، هل يدفن الكافر؟ الجواب: نعم يدفن، لكن لا يصلى عليه، لا يصلى عليه، ولا يدفن في مقابر المسلمين، إنما يدفن في مكان يعني بعيد، حتى لا يتأذى الناس منه. لما مات أبو طالب، قال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي: «نعم، إن عمك الشيخ الضال قد مات، فاذهب فواره»، ثم قال: «لا تحتثن شيئا حتى أخبرك»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. إذا الكافر يدفن حتى لا يتأذى الناس من ريحته، ولا يصلى عليه، ولا يكفن، ولا يقبر في مقابر المسلمين، يدفن كالجيفة، يدفن كالجيفة حتى لا يتأذى الناس من رائحته. قال المصنف رحمه الله: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه»، رواه مسلم. ما من رجل مسلم يموت فيقوم على جنازته أربعون رجلا لا يشركون بالله شيئا إلا شفعهم الله فيه، فيه استحباب تكثير المصلين على الميت حتى يبلغوا مثل هذا العدد أو أكثر. وكذلك أيضا أن يكونوا على هذه الصفة من التوحيد وإخلاص العبادة بالله، أنهم لا يشركون بالله شيئا. فإذا وجد مثل هذا العدد، نحو أربعين، أو كانوا على هذا الوصف موحدين، فهؤلاء يعني ترجى قبول شفاعتهم. وشفاعتهم هو الدعاء، دعاؤهم للميت بالمغفرة والرحمة ودخول الجنة والنجاة من النار. فإذا كانوا كذلك، رجي أن يشفع لهذا الميت: «إلا شفعهم الله فيه». جاء في حديث عائشة أيضا في الصحيح: «ما من ميت يموت فيقوم على جنازته أمة من المسلمين يبلغون مئة إلا شفعهم الله فيه». لأن هذا على أن كثرة العدد مطلوب، أن كثرة العدد مطلوب مع كذلك حسن الوصف، أن يكونوا من الموحدين. وهذا فيه فضل التوحيد، وأن دعاء الموحد مقبول، يقبله الله جل وعلا ويستجيب له، يستجيب لمن دعا من أهل التوحيد. قال: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: نهى أن يقبر الرجل ليلا»، نهى أن يقبر الرجل ليلا. وصحة هذا الحديث صحيح، أن الصحابة دفنوا تلك المرة التي كانت تقوم بالمسجد وتقوم بتنظيفه، ماتت ليلا فدفنوها ليلا. وأيضا الصحابة دفنوا النبي صلى الله عليه وسلم ليلا، وأبا بكر وعمر وعثمان دفنوا ليلا. فدل هذا أنه يجوز أن يدفن الميت ليلا، لكن ما الذي يعني يحمل عليه هذا الحديث؟ نهى أن يقبر الرجل ليلا «إلا أن يضطر»، قال أهل العلم: هذا إذا كان سيدفن الميت في الليل ويقصر في حقه، يعني من تجهيز التكفين والصلاة عليه مثلا، يعني يكون الكفن غير موجود أو غير يعني مهيئ للتكفين الميت به، أو يكون الناس غير مجتمعين. فإذا دفن في الليل سيقصر في يعني تحصيل العدد المطلوب في الصلاة على الميت، فمثل هذه الحال لا يقبر في الليل، وإنما ينتظر إلى الصباح حتى يصلي عليه الناس. نعم، فعلى هذا يحمل هذا الحديث. وأما إذا حصل المقصود من كثرة العدد الذي سيصلي على هذا الميت، وإحسان الكفن، فلا بأس أن يقبر ليلا، فلا بأس أن يقبر ليلا. قال: «وقال النبي صلى الله عليه وسلم: من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قراط، ومن شهدها حتى تدفن فله قراطان»، قيل: «وما القراطان؟» قال: «مثل الجبلين العظيمين»، متفق عليه. هذا الحديث فيه فضيلة شهود الجنازة، من شهد الجنازة حتى يصلي عليها فله قراط، ومن شهد حتى تدفن فله قراطان. يعني إذا صلى عليها وحضر دفنها كان له قراطان. قيل: «يا رسول الله، وما القراطان؟» قال عليه الصلاة والسلام: «مثل الجبلين العظيمين»، يعني من الأجر. وفي رواية مسلم: «أصغرهما مثل جبل أحد»، يعني لهم مقدار عظيم من الأجر مثل الجبلين العظيمين. ففيه فضيلة شهود الجنازة، وهذا ترغيب من الشرع للمسلم أن يشهد جنازة أخيه المسلم، وحتى يكثر عليها المصلون والحاضرون، فيرغبون في مثل هذا الأجر، ويحصل المقصود من تشييع الميت، وكذلك حضور صلاته ودفنه. وجاء في رواية من الإمام أحمد: «من تبع الجنازة إيمانا واحتسابا، وكان معها حتى يفرغ من دفنها، حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، رجع من الأجر بقراطين». في هذا الحديث يعني تقييد هذا الأجر بمن شهد الجنازة إيمانا واحتسابا، أي محتسبا للأجر، محتسبا للأجر. وكذلك أنه كان معها حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، حتى يصلى عليها ويفرغ من دفنها، فإنه يرجع من الأجر بقراطين. وظهر هذا الحديث لثبي هريرة: «من شهد الجنازة حتى يصلى عليها»، أنه «إن لم يتبعها»، يعني لا يلزم أن يتبعها من بيتها أو من موضعها حتى يصلى عليها، بل لو كان في المسجد وجئ بالجنازة إلى المسجد، والآن ما اتبعها، جاءت الجنازة إلى المسجد فصلى عليها، يعتبر يعني في حقه شهد الجنازة حتى صلى عليها. جئ بها فصلى عليها، ثم ذهب، حضر دفنها، فإنه بهذا يتحصل بإذن الله على القراطين. قال: «و نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه»، تجصيص القبر، والحديث صريح، رواه مسلم. نعم، حديث جابر رضي الله عنه: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يجصص القبر، ولا أن يبنى عليه»، يبنى عليه بناء من الآجر أو من الطين أو من الحجر، وصممت إلى آخره، لا يجوز. لماذا؟ لأن هذا ذريعة إلى الوقوع في الشرك بعبادة الله جل وعلا، والاغترار بهذا الميت، فضلا أن يبنى عليه قبة كما يفعل هذا المتصوف، فهذه الأمور من الأمور المحرمة التي نهى عنها النبي عليه الصلاة والسلام سدًا لذريعة الشرك. فلا يجصص، ولا يبنى عليه، ولا يعني يزخرف، إنما يعاد ما خرج منه من الطين، الطين والتراب الذي أخرج من جميع القبر هو الذي يعاد فوق القبر فقط. فلا يزاد شيء آخر، ما يبطن من مكان آخر ويوضع على القبر، لا يوضع عليه التراب الذي أخرج منه، قل أو كثر، قل أو كثر. قال: «أن يقعد عليه»، كذلك لا يجوز القعود على القبور؛ لأن هذا إهانة للأموات. والنبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك احتراما لهم، وهو القاعد عليه الصلاة والسلام: «كسروا عظم الميت كسره حيا». ورأى النبي صلى الله عليه وسلم رجل يمشي بين القبور، فقال: «يا صاحب السبتين، ألقي سبتتيك، فقد آذيت، ألقي سبتتيك، فقد آذيت». فلا يقعد على القبر، ولا يوطأ القبر بالقدم، كل هذا لا يجوز. قال: «وكان إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل»، رواه أبو داود، صححه الحاكم. نعم، حديث عثمان رضي الله عنه: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه، وقال: استغفروا لأخيكم، واسألوا له التثبيت؛ فإنه الآن يسأل». فيستحب بعد الفراغ من دفن الميت أن يستغفر له، يقال: «اللهم ثبته بالقول الثابت»، «اللهم ثبته بالقول الثابت»، تدعو له بالمغفرة والثبات بالقول الثابت؛ فإنه الآن يعني يسأله الملكان، كما في حديث البراء في الصحيحين، وجاء مطولا في خارج الصحيح، حين يسألانه: «من ربك؟ وما دينك؟ ومن نبيك؟» فأنت تدعو الله عز وجل له أن يثبته؛ لأن الجواب عن هذه الأسئلة هو لتثبيت الله سبحانه وتعالى للعبد: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو سؤال العبد في قبره». نعم، هذا هو المستحب. قال: «ويستحب تعزية المصاب بالميت»، التعزية هي تسلية الميت بشيء من الكلمات التي تخفف عنه هذه المصيبة، مصيبة فراق هذا الميت. فالإنسان إذا يعني مات قريب له، يتأثر ويحزن على فراقه، فأذن الشرع بتعزية هذا المصاب بشيء مما يسل عليه ويخفف عنه ألم الحزن. وهناك ألفاظ ثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولو عزاه بأي لفظ من الألفاظ التي يحصل بها المقصود فذلك جائز. ومن أصح ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم قوله: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». قال هذا النبي صلى الله عليه وسلم لإحدى بناته حين فقدت ولدها، عزاها بهذه التعزية: «إن لله ما أخذ، وله ما أعطى، وكل شيء عنده لأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب». ولو عزاه بغير ذلك مما تعرف عليه الناس، فلا بأس، مثلا ما تعرف عليه الناس أن يقال لقريب الميت: «عظم الله أجركم، أحسن الله عزاءكم، وغفر الله لميتكم»، لا بأس، أو نحو ذلك من العبارات التي فيها حصول التسلية له. والذي يعزى هو الذي يعني يتألم ويحزن لفراق هذا الميت. أما إذا كان فرحا بموته مثلا، فهذا لا يعزى، ليس هناك معنى للتعزية؛ لأن التعزية تسلية وتخفيف، أما إذا كان فرحا ما عنده شيء من الحزن على فراق هذا الميت، إذن لا حاجة هنا إلى التعزية. وهذا قد يكون إذا كان الميت يعني رجل شرير، ففرح الناس بموته، هذا ما يعزى نعم؛ لأنه ليس هناك معنى للتعزية. وهل تخص التعزية بوقت يعني أيام محدودة؟ بعض الفقهاء يقولون: التعزية ثلاثة أيام فقط، وليس على هذا دليل، ليس على هذا دليل. بل يعزيه ولو يعني علم بموته بعد أسبوع أو أسبوعين أو ثلاثة أسابيع أو شهر، وما زال هذا القريب في شيء من الحزن على فراقه، فلا بأس أن يعزيه. ليس هناك دليل أن التعزية تكون في ثلاثة أيام فقط. نعم، ثم كذلك تعزية المصاب، هل لها مكان معين؟ الجواب: لا، يعزيه في أي مكان، في البيت، في المسجد، في السوق، في المقبرة، المكان الذي يتيسر أن يجده فيه، فيعزيه. وليس من السنة أن يجتمع الناس للتعزية، يعني ترفع خيمة ويقال: هذا هذه الخيمة للعزاء، وربما يعني يصنع الطعام أهل الميت لهذا الميت لمن جاء يعزيه، هذا ليس أيضا من السنة، بل هذا من النياحة، هذا من النياحة. صنع الطعام من أهل الميت للناس، هذا من النياحة، كما جاء في حديث جرير بن عبدالله البجلي: «كنا نعد صنع الطعام والاجتماع لأهل الميت من النياحة». والنياحة محرمة، والنياحة محرمة، ويرفع المرأة صوتها بالمصيبة، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك من النياحة. وإنما يعزي الإنسان ويذهب، وجد في المسجد، في السوق، أي مكان يعزيه، من غير يعني احتياج إلى أن يجعل أيام محدودة، واستقبال لمن يأتي للتعزية، إلى آخر ذلك. قال: «وبكى النبي صلى الله عليه وسلم على الميت، وقال: إنها رحمة»، والحديث في البخاري. نعم، فيه جواز البكاء على الميت، جواز البكاء على الميت من غير نياحة، مجرد دمع العين، فهذا لا بأس به. النبي صلى الله عليه وسلم لما مات ابن إبراهيم، بكى عليه الصلاة والسلام، وقال: «إن العين تدمع، وإن القلب ليحزن، وإنا على فراقك يا إبراهيم لمحزونون». نعم، وبكى النبي صلى الله عليه وسلم. ورأى سعد بن عبادة لما زاره وهو في مرضه، بكى ودمعت عيناه، فقال عبدالرحمن بن عوف: «أنت يا رسول الله؟» فقال: «يا ابن عوف، إنها رحمة، وإن الله وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». نعم، وفي حديث آخر: «أن النبي صلى الله عليه وسلم بكى، وقال: إن العين تدمع، وإن القلب ليحزن، ولا نقول إلا ما يرضي ربنا»، في موت ابنه إبراهيم، ابن النبي عليه الصلاة والسلام. فالمقصود أن مجرد البكاء يعني جائز، هذه من الرحمة، أن القلب يحزن وتدمع العينان على فراق هذا الميت، فالبكاء جائز. أما ما يزيد على البكاء من الصياح والنوح وشق الجيوب وضرب الخدود، هذا هو المحرم. ولهذا قال: مع أنه لعن النائحة والمستمعة، النائحة التي تنوح وترفع صوتها، والمستمعة لذلك. وإن كان الحديث بهذا اللفظ فيه ضعف، وهو عند داود، وفيه ضعف. لكن صح حديث المسعود: «لعن النبي صلى الله عليه وسلم الصالقة والحالقة والشاقة»، لعن النبي صلى الله عليه وسلم الصالقة والحالقة والشاقة. الصالقة التي ترفع صوتها عند المصيبة وتصيح، والحالقة التي تحلق شعر رأسها عند المصيبة، والشاقة التي تشق ثيابها عند المصيبة، فهذه ملعونة. وفي حديث مالك في صحيح مسلم: «قال النبي صلى الله عليه وسلم: والنائحة إذا لم تتب قبل موتها، أقيمت يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب». فهذا وعيد شديد، إذن على حرمة النياحة. إذن المشروع هو البكاء فقط من غير نياحة. قال: «وزوروا القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة»، هو مسلم، حديث بريدة رضي الله عنه. النبي صلى الله عليه وسلم كان أولا عن زيارة القبور سدا لذريعة الشرك، فلما رسخ التوحيد في قلوبهم، أذن لهم النبي صلى الله عليه وسلم بزيارة القبور؛ لأجل تذكر الآخرة. قال: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة». فزيارة القبور إذا كان لقصد تذكر الآخرة، فهي مشروعة، يزور الإنسان القبور فيتفكر في أحوالهم، وأنه يوما ما سيكون مثلهم، سينتقل إلى منازلهم، فيستعد بذلك من الأعمال الصالحة، ويحسن الأعمال، ويتوب وينيب إلى الله جل وعلا، فهذا لا بأس به. لكن يشترط في ذلك أن لا تكون الزيارة في وقت محدد، أن لا تكون الزيارة في وقت محدد، فتكون كالعيد. وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره عيدا. كذلك أيضا تكون الزيارة خالية من الشرك، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زوروا القبور، ولا تقولوا هجرا»، كما رواه النسائي من حديث السائب، «هجرا» يعني قولا فاحشا. ومن أعظم الفحش هو الشرك في عبادة الله. فإذا خلت الزيارة من هذه الأمور، فهي الزيارة الشرعية، أن تكون من غير تحديد وقت معين، وأن لا يقال فيها هجرا، وتكون لقصد تذكر الآخرة. وأيضا أن لا يشد لها الرحال، لما يسافر من نجد إلى زيارة القبر؛ لأن يسلمنا عن شد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد النبي عليه الصلاة والسلام، والمسجد الأقصى. فشد الرحال إلى غير هذه المساجد الثلاثة، هذا كذلك من الأمور المحرمة. فإذا انتفت هذه الأمور، كانت الزيارة الشرعية. فإذا وجد فيها شد للرحال، أو تخصيص للزيارة بوقت محدد، فهذه من الزيارة البدعية. فإن وجد فيها شرك في عبادة الله، من دعاء الميت، واستغاث به، أو الذبح له، أو نحو ذلك، فهذه زيارة شركية. قال: «زوروا القبور؛ فإنها تذكر بالآخرة». قال: «وينبغي لمن زارها أن يقول...». نترك ما تبقى إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. صلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.