الدرس في كتاب الوقف 1، ألقاها
الوقف يعرف لغةً بأنه الحبس، وشرعًا بأنه حبس الأصل وتسبيل المنفعة للتقرب إلى الله. يُشجع على الوقف لما فيه من بر وقربة.
يشترط في الوقف أن يكون على بر أو معروف وأن يصح بيعه مع بقاء أصله. يُستحب الوقف لما ورد في الكتاب والسنة والإجماع.
الوقف يصح إذا كان على قربة وطاعة، ويجوز للإنسان أن يقف وقفًا على نفسه. كما يجوز لمن ولي الوقف أن ينتفع منه.
يتضمن الدعاء بحمد الله والاعتراف بوحدانيته والاستغفار. يعكس علاقة العبد بربه وتقواه ورغبته في التوبة.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، قال الإمام موفق الدين أبو محمد بن قدامة المقدسي، رحمه الله تعالى وغفر له، في كتابه "عمدة الفقه": كتاب الوقف. قال بعد أن فرغ رحمه الله تعالى من الكلام على كتاب البيوع، انتقل إلى الكلام على كتاب الوقف. ولعل المناسبة في ذكر كتاب الوقف بعد كتاب البيوع هي انتقال الملك من مالكه إلى غيره، لكن البيوع على سبيل البدل، وأما الوقف على سبيل التبرع. فلعل هذه هي المناسبة التي لأجلها ذكر الإمام بن قدامة رحمه الله تعالى كتاب الوقف بعد كتاب البيع. وقبل ذلك، الكتاب في معناه يدل على الجمع والضم، ومنه يقال: الكتيبة لجماعة الجند، وكل ما كان مجتمعًا يقال فيه بأنه كتاب وكتيبة. وقوله رحمه الله تعالى: كتاب الوقف، أي مكتوب في الكلام على أحكام الوقف ومسائله. والوقف لغة مصدر وقف يقف وقفًا، وهو بمعنى الحبس. وشرعًا عرفه الإمام ابن قدامة رحمه الله تعالى كما في الكتاب بقوله: وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. أي هذا هو حقيقة الوقف وماهية الوقف. وبعض أهل العلم عرفوا الوقف بأنه حبس مالك ما له المنتفع به مع بقاء عينه عن التصرفات برقبته، وتسبيل منفعته على شيء من أنواع القرب المشروعة ابتغاء وجه الله. وهذا التعريف بهذا التفصيل فيه توضيح لمعنى الحبس لمعنى الوقف، فهو حبس مالك ما له المنتفع به. لابد أن يكون ذلك المال ينتفع به، فخرج مال لا ينتفع به. وقولهم: مع بقاء عينه عن التصرفات برقابته، فحقيقة الوقف هو تحبيس الأصل، أي الأصل أصل المال يكون محبسًا. والوقف مستحب، ودليل استحبابه من الكتاب والسنة والإجماع. فربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم حث على الصدقات، والوقف من جملة الصدقات. ونبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حث على هذا الأمر، ومن ذلك ما رواه الإمام مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا مات الإنسان انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له". وجاء في صحيحي البخاري ومسلم من حديث عمر، وهو يعتبر الأصل في باب الوقف ومعرفة شروط الوقف، أن النبي صلى الله عليه وسلم حثه وأمره على أن يحبس أصل مال له، وأن يتصدق بريع ذلك المال. والإجماع قائم على هذا الفعل وأنه من القرب وأنه من الطاعة. قال رحمه الله: كتاب الوقف، وهو تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة. أي هذا هو حقيقة الوقف أن يحبس الأصل، ومثلنا، وأن يسبل الثمرة، أي ريع ذلك الأصل يجعله في سبيل الله جل وعلا. قال: ويجوز في كل عين يجوز بيعها وينتفع بها دائمًا مع بقائها. قوله رحمه الله تعالى: ويجوز في كل عين، هذه الفقرة جمعت شروط الموقوف. فالموقوف يجوز في كل عين ما وصفها، يجوز بيعها، فخرج ما لا يجوز بيعها. قال: ولا يصح إلا على بر أو معروف. وهذا كذلك من شروط الوقف، أنه لا يصح إلا على بر أو على معروف، بمعنى أنه إذا لم يكن على بر ولا على معروف فإنه لا يصح. قال: ولا يصح في غير ذلك مثل الأثمان والمطعومات والرياحين. مثل الأثمان، الأثمان يقولون بأنها لا تبقى، أصلها لا يبقى، والمطعومات كذلك أصلها لا يبقى، وكذلك الرياحين أي العطور ما شابهها كذلك أصلها لا يبقى. وفي هذا كله، شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يقول: يصح فيه الوقف بناء على ما تقدم. قالوا: ولا يصح إلا على بر أو معروف. ومسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، أن يكون الوقف على قربة وطاعة، بمعنى لو أنهم أوقفوا ليس على معصية ولا على قربة وطاعة، هل يصح الوقف أم لا؟ الصحيح صحته، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى. وهل للإنسان أن يقف وقفًا على نفسه؟ الصحيح الجواز. ولو أنه أوقف شيئًا لله تبارك وتعالى، سواء وقفًا عامًا أو على معين، فله أن ينتفع بذلك الموقوف مع الناس. والدليل على هذا ما جاء في صحيح مسلم في قول النبي صلى الله عليه وسلم في بئر رومة: "من يشتريها ويجعل دلوه مع دلاء المسلمين". فهو ينتفع أم لا ينتفع؟ الجواب: لا بأس بذلك. قال رحمه الله تعالى: ولا يصح إلا على بر أو معروف، مثل ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: يا رسول الله، إني أصبت مالًا بخيبر لم أصب مالًا قط هو أنفس عندي منه، فما تأمرني فيه؟ قال: "إن شئت حبست أصلها وتصدقت بها". هذا الحديث كما سمعتم هو الأصل في هذا الباب، أي في باب الوقف في معرفة شروط الوقف وما يصح من الوقف وما لا يصح منه. قال: غير أنه لا يباع أصلها ولا الخارج منها. لا يباع أصلها يعني المقصود لا يباع لحساب مالكها. لكن له أن يبيع الخارج منها ويجعل ثمنه في مكان الوقف الذي أوقفه عليه. قال: فتصدق بها عمر في الفقراء وفيه القرب وفي الرقاب وفي سبيل الله وابن السبيل والضيف. هذه أصناف عينهم عمر رضي الله عنه وأرضاه في أنهم هم مستحقون لوقفه. قال: "لا جناح على من وليها أن يأكل منها أو يطعم صديقًا غير متأول فيه". أن يطعمه حاجته، ولا يخرج معه شيئًا. إلى هنا نكتفي بهذا القدر في هذا اليوم، وما تبقى نؤجل إلى درس لاحق بإذن الله تبارك وتعالى. سبحانك اللهم بحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.