الدرس في شرح كتاب أصول السنة للإمام أحمد 1، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يستهل الشارح قراءة رسالة أصول السنة للإمام أحمد بسندها المعتبر، مبيناً أن أول أصول السنة هو التمسك بهدي الصحابة رضي الله عنهم عقيدة وعبادة ومنهجاً. ويؤكد أن التمسك بهدي الصحابة هو الفاصل بين أهل السنة وأهل الأهواء، وأن كل بدعة ضلالة موجبة للخروج عن دائرة السنة.
يؤكد المقطع أن البدع تميت السنن ولا تجتمع معها، وأن النبي صلى الله عليه وسلم حذر منها قبل ظهورها لخطورتها معرفاً إياها لغة واصطلاحاً. ويقسمها إلى بدع حقيقية وبدع إضافية مشدداً على أن كل بدعة ضلالة ولا توجد بدعة حسنة في الشرع.
يبيّن المقطع أن صلاة التراويح سنة ثابتة وليست بدعة، ويؤكد أن كل بدعة ضلالة تمحو معالم السنة. كما يحذر من المراء والجدال في الدين ومجالسة أهل الأهواء لقوة الشبه وضعف القلوب.
يختتم المتحدث الدرس بالصلاة والسلام على النبي محمد وعلى آله وصحبه أجمعين مع الإشارة إلى أن العلم عند الله تعالى. وتعد هذه العبارة خاتمة تقليدية للمجالس العلمية والدروس الشرعية.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فنبتدأ القراءة في رسالة الإمام أحمد «أصول السنة»، كما هو مقرر في هذه الدورة العلمية الثانية. وهذه الرسالة، كما سمعتم، تسمى بـ «أصول السنة» لإمام أهل السنة أحمد بن حنبل الشيباني رحمه الله. ونذكر هنا في بداية الرسالة السند إلى الإمام أحمد في ذكر هذه الرسالة، وقد ذكر سندها الإمام اللالكائي رحمه الله. قال الإمام اللالكائي رحمه الله: أخبرنا علي بن محمد بن عبد الله السكري، قال: حدثنا عثمان بن أحمد بن السماك، قال: حدثنا أبو محمد الحسن بن عبد الوهاب بن أبي العنبر قراءة عليه من كتابه في شهر ربيع الأول من سنة ثلاث وتسعين ومائتين، قال: حدثنا أبو جعفر محمد بن سليمان المنقري البصري بتنيس، قال: حدثني عبدوس بن مالك العطار، قال: سمعت أبا عبد الله أحمد بن حمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى يقول. فهذا هو السند المشهور لهذه الرسالة من طريق عبدوس بن مالك العطار. قال: «أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، والاقتداء بهم، وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة، وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء، وترك المراء والجدال والخصومات في الدين». ابتدأ رحمه الله الإمام أحمد رحمه الله هذه الرسالة «أصول السنة» بقوله: «أصول السنة عندنا». والأصول جمع أصل، والأصل: ما بُني عليه غيره، كأصل البيت أساسه الذي يُبنى عليه البيت. فأصول الشيء: أي الأشياء الأساسية التي يُبنى عليها غيرها. والسنة: المراد بها الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم عقيدة وعبادة ومنهجاً وغير ذلك من أمور الدين. فبالمعنى العام، السنة هنا: الطريقة التي كان عليها النبي صلى الله عليه وسلم. وقوله: «عندنا» يعني: معاشر أهل السنة، لأن هذه الأصول تخالف ما عليه أهل البدع والأهواء. ومن خالف أصلاً من أصول أهل السنة فهو من أهل البدع، كما ذكر الإمام الشاطبي رحمه الله في كتابه «الاعتصام»: أن الرجل إذا خالف أصلاً من أصول أهل السنة فهو من أهل البدع، وإذا خالفهم في جزئيات، إذا كثرت هذه الجزئيات، فإن كذلك تخرجه من دائرة السنة. فهذه الأصول، إذا خالف فيها الإنسان، فإنه بهذا يخرج عن دائرة أهل السنة والجماعة. قال: «التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم». نعم، فأول أصول السنة: التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، أي: عقيدة وعبادة ومنهجاً وسلوكاً. فتسير على ما سار عليه أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولهذا، النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكر افتراق الأمة، قال: «ستفترق هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة». قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: «من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي». إذن، التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام سبب للنجاة من الهلاك والضلال. وربنا عز وجل يقول: ﴿وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. هذا وعيد شديد لمن خالف ما عليه أهل الإسلام وأهل الإيمان، وأول من يدخل في ذلك الصحابة رضي الله عنهم. «سبيل المؤمنين» أول من يدخل فيهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم. فمن خالفهم وترك ما كانوا عليه فقد توعد بهذا الوعيد العظيم. وذلك أن الصحابة رضي الله عنهم أعلم هذه الأمة، وممن صاحب الرسول عليه الصلاة والسلام وشهد الوحي والتنزيل، فمنزلتهم عظيمة، وقربهم من زمن الوحي كذلك عظيم، فليسوا كغيرهم ممن يأتي بعدهم. والنبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم، وكذلك حث عليه الصلاة والسلام بالتمسك بما كان عليه، وهو القائل عليه الصلاة والسلام: «تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك». تركتكم على مثل البيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك. وكذلك أيضاً في حديث العرباض بن سارية قال: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، عضوا عليها بالنواجذ». تمسكوا بها، وعضوا عليها بالنواجذ. فحث النبي صلى الله عليه وسلم وأمر بلزوم ما كان عليه الصحابة رضي الله تعالى عنهم. ولماذا ذكر هنا: «التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله»؟ ما قال: التمسك بالكتاب والسنة، مع أن التمسك بالكتاب والسنة أصل عظيم من أصول أهل السنة، لا معارضة في ذلك. لكن هنا قال: «التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام»، لأن كثيراً من أهل الأهواء يقولون: نحن على الكتاب والسنة، نحن على الكتاب والسنة، ونستدل بالكتاب والسنة. نقول: هل تفهمون الكتاب والسنة على فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، أو على فهم أهوائكم؟ هنا الفارق. أهل السنة والجماعة يتمسكون بالكتاب والسنة على فهم الصحابة رضي الله تعالى عنهم، بخلاف أهل الأهواء فإنهم يفسرون الكتاب والسنة على حسب أهوائهم. فلهذا فارق أهل السنة والجماعة أهل الأهواء في ذلك. ونقول: التمسك بما كان على أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، والاقتداء بهم، يعني: السير بما كانوا عليه، بما كانوا عليه عقيدة وعبادة إلى آخره. قال: «وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة». كذلك أيضاً حذر من البدع، لأنه لا تجتمع السنة والبدعة. البدع تميت السنن، والسنن تميت البدع. فمن تمسك بالسنة فلا بد أن يترك البدعة، وإلا ذهبت هذه السنن وحلت البدع محلها. فلهذا حذر رحمه الله من البدع وأمر بتركها. وقد حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم في حياته قبل ظهورها وانتشارها، وكان مما يقوله النبي صلى الله عليه وسلم في خطبة الحاجة المشهورة في حديث جابر: «إياكم ومحدثات الأمور، فإن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة». النبي صلى الله عليه وسلم يحذر من البدعة قبل ظهورها لخطورتها، لأن البدع قد يكون فيها شيء يعني في الظاهر من الحق، يغتر به الجاهل، وتميل نفسه إليها، فيفعلها ويرتكبها، ويترك ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم. والبدعة في اللغة: الشيء المخترع الذي ليس له مثال سابق. واصطلاحاً، كما قال الإمام الشاطبي رحمه الله: «طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية». طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يعني: تضاهي الشريعة، يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية من التعبد لله والتقرب إلى الله بفعلها. فالبدعة: طريقة مخترعة جديدة لم يأتِ بها الدين ولم يأتِ بها الشرع، فهي تضاهي شريعة الله ودين الله سبحانه وتعالى، يقصد بها ما يقصد بالطريقة الشرعية من التعبد لله والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى. ولأجل هذا حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم. وسواء كانت البدع بدعاً حقيقية أو بدعاً إضافية، فكل البدع ضلالة. البدع الإضافية: أن يكون لهذه البدع أصل في الدين، لكن غيرت أو زيد فيها في كيفيتها وفي صفتها. هذه يقسمها الإمام الشاطبي: بدع إضافية. مثل: الذكر الجماعي، هذا من البدع الإضافية، لأن أصل الذكر مشروع، لكن الإتيان به بصوت جماعي هذا من البدع، تسمى بدعاً إضافية. والبدع الحقيقية: التي ليس لها أصل في الدين، مثل المولد وغيره. فسواء كانت البدع إضافية أو حقيقية، فالواجب تركها كلها. الواجب ترك البدع كلها والابتعاد عنها، لأن كل بدعة فهي ضلالة. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل بدعة ضلالة». كل البدع ضلالات. هذا نص يدل على العموم، يدل على العموم أن كل البدع ضلالات. ليس في الدين بدعة حسنة، كما قال إمام مالك رحمه الله: «من زعم أن في الدين بدعة حسنة فقد اتهم محمداً صلى الله عليه وسلم بأنه خان الرسالة». لأن الله عز وجل يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ [المائدة: 67]. فإذا كان هناك شيء يزعم أنه من الدين وما بينه الرسول عليه الصلاة والسلام، معنى هذا أنه خان، خان الرسالة التي أمره الله جل وعلا بتبليغها. نعم، قال عمر: «نعم البدعة هذه» لما جمعهم على إمام واحد، على أبي بن كعب، تميم الداري كان يصلون متفرقين، فجمعهم على أبي بن كعب، تميم الداري. فلما رآهم مجتمعين قال: «نعم البدعة هذه». أولاً: الحديث كما سمعنا ليس فيه استثناء، «كل بدعة ضلالة»، وليس هناك بدعة حسنة. وتقسيم بعض الفقهاء البدعة إلى خمسة أقسام: بدعة واجبة، وبدعة مستحبة، وبدعة مكروهة إلى آخره، تقسيم باطل، لأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «كل بدعة ضلالة». طيب، والإمام مالك رحمه الله يقول: «كل بدعة ضلالة، وإن رآها الناس حسنة». وابن مسعود رضي الله عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». وأما قول عمر رضي الله عنه في صلاة التراويح: «نعم البدعة هذه»، معروف أن صلاة التراويح صلىها النبي عليه الصلاة والسلام بضع ليالي، فلما رأى أن الناس قد اجتمعوا وخشي أن تفرض عليهم تركها النبي عليه الصلاة والسلام. وما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لا يمكن أن يقال له بدعة. ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لا يسمى بدعة، لا شرعاً ولا لغة، لا شرعاً ولا لغة. أما قول عمر رضي الله عنه: «نعم البدعة هذه»، فبعض أهل العلم قال: المراد بها البدعة اللغوية. البدعة اللغوية، وهذا فيه نظر، لأن البدعة اللغوية: ما أحدث على غير مثال سابق، وصلاة التراويح على إمام واحد قد حصل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم حين صلوا خلف النبي عليه الصلاة والسلام. والأصح من هذا: أن يقال: أراد عمر رضي الله عنه ما يسمى عند أهل البلاغة بـ «المشاكلة»، ما يسمى بالمشاكلة. كأن قائل يقول: هذه بدعة، فقال: «نعم البدعة هذه». هذا يسمى عند أهل البلاغة بالمشاكلة، يعني: يؤتى باللفظ فيستعمل هذا اللفظ على غير المعنى الأول، على غير المعنى الأول. مثل: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا﴾ [الشورى: 40]. وجزاء سيئة سيئة مثلها، يعني: إذا أساء الإنسان إليك وأخطأ في حقك، فرددت عليه، هي في الحقيقة ليست سيئة، وإنما سيئة في حق الذي بدأ. لكن من باب المشاكلة، لما ذكرت لفظ السيئة، أعيد هذا اللفظ على معنى غير المعنى الأول، فسمي سيئة من باب المشاكلة. ومثله قول القائل: «أصحابنا صنعوا الصبوحة بسحرة، وأتى رسولهما إلي خصوصاً، قالوا: اقترح شيئاً نجد لك طبخة، قلت: اطبخوا لي جبة وقميصة. قالوا: إيش تريد؟ جاو إليه، قالوا: ماذا تريد؟ إيش نطبخ لك؟ قال: اطبخوا لي جبة وقميص، أريد ألبس ثياب». فأطلق لفظ الطبخ على إيش؟ على اللباس والخياطة. هذا من باب المشاكلة. فقول عمر رضي الله عنه: «نعم البدعة هذه»، هو من هذا الباب، من باب المشاكلة. كأن قال: قال هذه بدعة، فقال: «نعم البدعة هذه». وإلا ليست هي ببدعة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قد فعلها، وقد حث عليها في قوله عليه الصلاة والسلام: «من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». فصلاة التراويح مشروعة من قول النبي عليه الصلاة والسلام وفعله، فهي سنة قولية وفعلية، ليست من البدعة في شيء. نعم، قال: «وترك البدع، وكل بدعة فهي ضلالة». قلنا: البدع كلها ضلالات، ليس لها، أو هناك استثناء لشيء من البدع. والبدع، كما سمعتم، يعني: سبب لطمس السنن وذهاب معالم الدين. وقول الإنسان: يقتصر ويجتهد في السنة ويقتصد فيها، خير من يجتهد في بدعة، كما قال ابن مسعود رضي الله عنه: «اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة». اقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. قال: «وترك الخصومات، والجلوس مع أصحاب الأهواء». كذلك أيضاً حذر رحمه الله من الخصومات، يعني: الجدال والخصومة من أجل أن ينتصر الإنسان لنفسه، أو يظهر أن عنده شيء من العلم والمعرفة. هذا مذموم، هذا مذموم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل». ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل. يعني: أوتوا الجدال في الدين والمراء، حتى يعني: يظهر أن عنده شيء من العلم أو شيء من الفقه، فيأتي يجادل، ها من يناظر، من يجادل، يجادل هذا اليوم، يجادل ذاك، وغداً يجادل آخر. هذا مذموم. أما الجدال لإظهار الحق بالتي هي أحسن بالحجة والبرهان، فهذا لمن عنده أهلية لذلك من أهل العلم، هذا أمر جائز. ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [العنكبوت: 46]، إلا بالتي هي أحسن. ويجعل هذا لأهل العلم، يجعل هذا الباب، باب المجادلة، لأهل العلم. وأما أهل الأهواء، وكذلك الجلوس معهم لبيان الحق والهدى عند الحاجة أو الضرورة إلى ذلك، فهذا لأهل العلم. أما غيرهم من عامة المسلمين أو طلاب العلم، لا يفتحون لأنفسهم هذا المجال، لأنه ربما يزل، وتقع شبهة في قلبه، فما تدري إلا وقد زاغ وانحرف. وكما قال الإمام الذهبي رحمه الله: «الشبه خطافة، الشبه خطافة، والقلوب ضعيفة». ولهذا، السلف كانوا ما يسمعون لأهل الأهواء. الإمام محمد بن سيرين، يأتي إليه رجل من أهل البدع يريد أن يحدث، يقول: لا، يقول له: لا، أقرأ عليك قرآناً، فيقول: لا. طاوس بن كيسان، يأتيه رجل من أهل البدع يريد أن يحدثه، فيقول: لا، فقرأ القرآن، وضع أصبعيه في أذنيه، وقال لابنه: «ضع أصبعيك في أذنيك، واشدد، فإن القلوب ضعيفة، فإن القلوب ضعيفة». ما كانوا يسمعون لأهل الأهواء، لأن القلوب قد تقع فيها الشبهة ويتأثر بها الإنسان. والله عز وجل يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]. جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا رأيتم أولئك القوم، فهؤلاء الذين سمى الله، فاحذروهم». أي: الذين يتبعون المتشابه من الأدلة. هذا شأن أهل الأهواء، يتركون الأدلة المحكمة الواضحة البينة، ويذهب يستدل لك بآيات أو أحاديث فيها شيء من الاشتباه، ويستدل بها على بدعته. هؤلاء يجب على المسلم أن يحذرهم، كما أمر النبي صلى الله عليه وسلم: «هؤلاء الذين سمى الله فاحذروهم». كيف الحذر منهم؟ أنهم ما يسمع لهم، ولا يجالسون، ولا يصاحبون، حتى لا يتأثر الإنسان بهم. ذكر الإمام ابن بطه رحمه الله أن ناساً قالوا: كانوا يسبون أهل البدع ويلعنونهم، فجالسوهم وصاحبوهم، فأصبحوا منهم، أصبحوا منهم. المجالسة تؤثر. فلهذا، أهل العلم يحذرون من الجلوس إلى أهل الأهواء وأهل البدع. من عرف منه بدعة، سواء كانت بدعته في باب المعتقد كبدع الجهمية أو المعتزلة أو الأشاعرة أو غيرها من هذه البدع والأهواء، أو من خالف في منهجه وفي طريقته، أمثال هؤلاء لا يجالسون، ولا كذلك يخالطون، حتى يسلم الإنسان من الوقوع فيما وقعوا فيه من الأهواء. وأهل الأهواء سموا بذلك لأنهم تركوا الكتاب والسنة واتبعوا أهواءهم. تركوا الكتاب والسنة واتبعوا أهواءهم، فهم يقدمون أهواءهم على كتاب الله وعلى سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا سموا، سموا بأهل الأهواء. قال: «وترك المراء والجدال والخصومات في الدين». كما قلنا، يترك ذلك حتى تسلم القلوب، ويسلم الإنسان من الزيغ والضلال. القلوب ضعيفة، والشبه خطافة. وليس من طريقة أهل السنة مجادلة الناس، وكذلك مخاصمتهم. إنما هذا يترك لأهل العلم عند الحاجة، إذا احتاج إلى ذلك أن يناظر مبتدعاً أو يجادله، يبين الحق، إذا قدر على ذلك أو احتاج إلى ذلك، فنعم. أما نجعل هذا ديدنه، كل يوم هو يبحث له عن رجل من أجل أن يجادله، هذا ليس من طريقة السلف رضي الله تعالى عنهم، وإنما هذا عند الحاجة والضرورة. وأما كما سمعتم، من دون العلم من طلاب العلم وعامة المسلمين، فإنهم يتركون هذا الأمر، وينشغلون بما ينفعهم من طلب العلم والإقبال على عبادة الله سبحانه وتعالى. طيب، إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، والله تعالى أعلم.