الدرس في التعليق على مذكرة أصول الفقه 73، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش المقطع أجوبة النقض في أصول الفقه كما ذكرها إمام الحرمين الجويني، ويشرح كيفية التعامل مع النقض للعلة. كما يتطرق إلى مفهوم الكسر وكونه قادحًا أو غير قادح في العلة.
يناقش المقطع مفهوم تخلف الحكمة مع وجود الحكم في الفقه الإسلامي، ويستعرض آراء الفقهاء في مسائل مختلفة مثل استبراء الصغيرة والقصر في السفر. يُظهر المقطع اختلاف الفقهاء في التعامل مع هذه الحالات.
الكسر هو إظهار خلل في العلة، ويختلف قدح الكسر بحسب صوره، فمنه ما هو قادح ومنه ما ليس بقادح. يشرح المقطع أنواع الكسر وتأثيرها على العلة.
المقطع يعبر عن ختام الصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويذكر الصيغة الكاملة للصلاة عليه وعلى آله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام الحرمين الجويني، رحمه الله، في كتابه "الورقات في أصول الفقه"، في ذكره لأجوبة النقض: الرابع من أجوبة النقض كون الصورة الواردة فيها النقض مستثناة بالنص من القاعدة الكلية. بأن يقول في بيع العرايا: بيع رطب بتمر، وعلة التحريم التي هي المزابنة موجودة فيه، وقد تخلف حكمها عنها، وهو منع البيع، فهو نقض للعلة. فيجاب عن هذا بأن هذه الصورة أخرجها دليل خاص، مع بقاء علتها معتبرة في تحريم الرطب بالتمر فيما سواها، يعني في غير العرايا، كون العرايا جاز هذا البيع مع أنه بيع تمر برطب، هذا استثناه الدليل، لا يكون نقضًا للعلة في تحريم بيع التمر بالرطب، لكن في غير العرايا يبقى التحريم، لا يجوز بيع الرطب بالتمر. قال: وقد يقول المستدل للمعترض بالنقض في الصورة المذكورة: هذا وارد عليك وعلي، فليس بطلان مذهبي به أولى من بطلان مذهبك. ومثل هذا لا خلاف بين العلماء في أنه تخصيص لحكم العلة، لا نقض لها، فهو تخصيص العام بقصره على بعض الأفراد بدليل خاص. قال: الخامس من أجوبة النقض: وهو أن تكون المصلحة المشتملة عليها العلة معارضة بمفسدة أرجح منها أو مساوية لها. كان يقال في أكل المضطر الميتة: قذارة الميتة علة لحرمة أكلها، والعلة التي هي قذارتها موجودة في هذه الصورة، مع أن الحكم الذي هو منع الأكل متخلف عنها. فيجاب عن هذا بأن مصلحة تجنب المستقذرات معارضة في هذه الصورة بمفسدة أرجح منها، وهي هلاك المضطر إن لم يأكل الميتة، فالقذارة علة لمنع الأكل، ولكنها عورضت بما هو أقوى منها. قال: تنبيهات. الأول: قول المؤلف، رحمه الله، في هذا البحث: وأما الكسر، وهو إبداء الحكمة بدون الحكم، فغير لازم... إلى آخره. قال فيه نظر من جهتين: الأولى أنه عرف الكسر بأنه إبداء الحكمة بدون الحكم، والكسر يشمل أعم مما ذكره. الثاني: أنه قال: لا يلزم به قدح، وبه قال بعض الأصوليين، واختاره الحاجب في بعض المواضع من مختصره، مع أن جماعة من أهل الأصول صححوا أنه قادح. قال الحاجب في مختصره "الأصول": في عده للقوادح الرابع عشر: الكسر، وهو نقض المعنى، والكلام فيه كالكلام في النقض. وقال صاحب "جمع الجوامع" في مبحث القوادح: منها الكسر، قادح على الصحيح؛ لأنه نقض المعنى، وهو إسقاط وصف من العلة... إلى آخره. فالظاهر أن الكسر كالنقض، فعلى أن النقض قادح، فالكسر كذلك، والجواب عنه كالجواب عن النقض. وقال صاحب "الضياء اللامع" في شرح "جمع الجوامع": واتفق أهل العلم على صحته وإفساد العلة به. انتهى محل الغرض منه. واعلم أن من أنواع الكسر ما ذكره المؤلف: وهو إبداء الحكمة بدون الحكم، وجزم بأنه غير قادح، واختاره الحاجب في بعض المواضع من مختصره. ومثل له بقول الحنفي في المسافر العاصي بسفره: مسافر، فيترخص في سفره كغير العاصي؛ لأن وجود علة الترخص وهو السفر، وكونه عاصيًا لا يمنع أن يترخص برخص السفر؛ فمعصيته على نفسه، أما كونه مسافرًا، وقد أجاز الشرع للمسافر الترخص برخص السفر، فله أن يترخص. قال: فإذا قيل له: ولما قلت: إن السفر علة للترخيص؟ قال: بالمناسبة؛ لما فيه من المشقة المقتضية للترخص؛ لأنه تخفيف، وهو نفع للمترخص. فيعترض عليه بصنعة شاقة في الحضر، كحمل الأثقال، وضرب المعاول، وما يوجب مشقة في ظهيرة القيظ في القطر الحار، يعني في شدة الحر. قال: فهنا قد وجدت الحكمة، وهي المشقة، يعني مشقة الصوم مع وجود شدة الحر والعمل الشاق، ولم يوجد الحكم الذي هو قصر الصلاة وإباحة الفطر، مثلا. فهنا هل يعتبر هذا قادحًا أو لا؟ قال: والجواب عن هذا أن الشرع إنما اعتبر مشقة السفر في العلة في الترخيص: السفر، يعني ليس المشقة، وهذا هو الصحيح أن علة الترخص في السفر هو السفر نفسه، وليس المشقة؛ لأن المشقة أمر مظنون، السفر مظنة المشقة، وقد توجد وقد لا توجد، لكن العلة في الترخص هو السفر نفسه. قال: فأصل العلة لم يوجد في الصنعة الشاقة في الحضر، فلم يقع كسر في العلة؛ فالعلة في الترخص: السفر، وحكمتها رفع المشقة. فأصل العلة لم يوجد في الصنعة الشاقة في الحضر، وهي السفر. قال: فلم يقع كسر في علة، إذن لا يكون هذا اعتراضًا صحيحًا. قال: وسفر العاصي بسفره علة للترخص، والمانع من تأثيرها هنا عند من يقول به: أن الترخيص تخفيف، والتخفيف على العاصي إعانة له على معصيته، والله تعالى يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ وهذا ليس بصحيح، بل له أن يترخص، وهو آثم على معصيته. قالوا: من أنواع الكسر تخلف الحكمة مع وجود الحكم، اختلف فيه: هل ينتفي فيه الحكم لانتفاء حكمته أو لا؟ أو لا ينتفي؟ بناء على أن المعلل بالمظنة لن يتخلف فيه الحكم بتخلف الحكمة، نظرًا إلى إناطة الحكم بالمظنة. وإلى هذا الخلاف أشار في "مراقي السعود" بقوله: وفي ثبوت الحكم عند الانتفاء للظن والنفي خلاف العريفاء. وقال في شرحه لمراقي السعود المسمى "بنشر البنود": لكن الفروع المبنية على هذه القاعدة منها ما رجح فيه ثبوت الحكم مع انتفاء الحكمة، ما رجح فيه ثبوت الحكم كاستبراء الصغيرة، يعني بحيضة. كاستبراء الصغيرة بحيضة؛ فالحكم وجوب الاستبراء، والحكمة التأكد من براءة الرحم، مع أن هذه الحكمة هي في الحقيقة حاصلة؛ المعروف أن الصغيرة أو البكر أن رحمها بريء وخال من وجود حمل، ووجد الحكم ولم توجد الحكمة، هذا المقصود هنا: وجد الحكم ولم توجد الحكمة. قال: منها ما رجح فيه ثبوت الحكم كاستبراء الصغيرة؛ فإن حكمة الاستبراء تحقق براءة الرحم، وهي متحققة بدون الاستبراء. وكمن مسكنه على البحر ونزل منه في سفينة قطعت به مسافة القصر في لحظة؛ فإنه يجوز له القصر في سفره، هذا والحكمة وهي المشقة متخلفة هنا على القول بأن الحكمة هي المشقة، لكن وجد السفر، فجاز له الترخص، يعني ثبت الحكم. قال: منها ما يرجح فيه انتفاء الحكم لانتفاء حكمته قطعًا، يعني الذي قبله انتفاء الحكم فيه مظنون، انتفاء فيه الحكم مظنون، وهنا الآن انتفاء الحكم مقطوع به. قال: منها ما يرجح فيه انتفاء الحكم لانتفاء حكمته قطعًا، إلغاء للمظنة من أصلها، أو بدليل مقطوع اقتضى إلغاء المظنة فيها. وعلى هذا يتخرج كثير من المسائل، كشرع الاستنجاء من حصاة لا بلد معها، يعني إذا خرج منه حصاة وهذه الحصاة ناشفة غير مبللة، فعلى القول بنقض الوضوء مطلقًا، فإنه عليه أن يستنجي مع أنه لم توجد الحكمة، ووجد الحكم. قالوا: عدم نقض الوضوء إذا لم توجد اللذة في اللمس، يعني إذا كان اللمس بغير شهوة. قال: إذا لم توجد اللذة في اللمس بباطن الكف أو الأصابع، والحكم ما هو؟ وجود، يعني ما ظن وجود شيء. وإذا أراد اللمس لمس المرأة، فالصواب أنه لا ينتقض به الوضوء مطلقًا، سواء كان بشهوة أو غير شهوة. وإذا أراد مس الذكر أو الفرج، فالصواب أنه ينتقض به الوضوء، ولو كان بغير شهوة. قالوا: نقض بالقبلة على الفم إذا لم توجد اللذة، الصواب كذلك أن القبلة لا ينتقض به الوضوء إلا إذا خرج شيء. قالوا: من المسائل التي تتخرج على القاعدة المذكورة: ما لو قال لمرأته: أنت طالق مع آخر جزء من الحيض. قال: فهذا طلاق صادف حيضًا، وهو علة لتحريم الطلاق، وإيقاع الطلاق في الحيض هو محرم أصلا، إيقاع الطلاق في الحيض محرم، وهو الطلاق البدعي. قال: ولكن يستعقب العدة، فلا تطويل فيه، فالحكمة الموجبة للمنع التي هي التطويل منتفية هنا. يعني يقولون هنا: أنه وجد الحكم مع انتفاء الحكمة؛ الحكمة والعلة من النهي عن طلاق الحائض هو خشية تطويل العدة عليها؛ لأن إذا طلقت حال الحيض، فستعتد مثلا حتى تطهر من هذه الحيضة، ثم تستقبل أول طهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض، ثم تطهر، ثم تحيض الحيضة الثالثة، إذا طهرت منها انتهت عدتها، فيكون فيه تطويل. ويقول: أن لو طلق وصادف الطلاق آخر حيضها، آخر حيضها. نقول هنا: يثبت الحكمة والتحريم، وإن كانت الحكمة وهي خشية التطويل غير موجودة، غير موجودة، لكن الحكم موجود. قال: فمنهم من نظر إلى المعنى، قال: هو سني، يعني طلاق سني؛ لأنه أوقع الطلاق في آخر الحيض. قال: ومنهم من نظر إلى مظنة التطويل، وهو الحيض، فقال: هو بدعي، وهو الصحيح ما دام أنه أوقعه في حال الحيض، ولو كان ذلك في آخر الحيض. قال: وكذلك لو قال لها: أنت طالق مع آخر جزء من الطهر. فعلى أن هذه المسائل المذكورة وأمثالها، أو أمثالها الكثير، ينتفي فيها الحكم لانتفاء حكمته، فتخلف الحكمة عن الحكم كسر قادح في العلة، ولذا انتفى حكمها بانتفاء الحكمة. وعلى أن الحكم فيها باق مع انتفاء حكمته، فعلى قول من يقول: إن هذا النوع من الكسر غير قادح، فلا إشكال. وعلى قول من يقول: إنه قادح، فالجواب عنده أن هذه المسائل علق الحكم فيها بمظنة وجود الحكمة، نعم: بمظنة وجود الحكمة. فالسفر مثلا علقت فيه الأحكام والترخص لمظنة وجود المشقة، فقد توجد وقد لا توجد المشقة، مع ذلك الحكم باق وموجود. وهكذا يقال في هذه المسائل. قال: والمعروف أن المعلل بالمظنة لا يتخلف الحكم فيه بتخلف الحكمة؛ لأن الحكم فيها منوط بالمظنة. وأشار بعض أهل العلم إلى هذا بقوله: إن علل الحكم بعلة غلب وجودها، اكتفى بذا عن الطلب لها بكل صورة... إلى آخره. قالوا: عليه، فالمانع من القدح بهذا النوع من الكسر: إناطة الحكم لمظنة الحكمة، لا بنفس الحكمة؛ وذلك لأن نفس الحكمة ربما لا يمكن انضباطها. فلو علقنا حكم قصر الصلاة وإباحة الفطر في رمضان مثلا بحصول المشقة، لم تنضبط هذه الحكمة لاختلافها باختلاف الأشخاص والأحوال. فأنيط بسفر أربعة برد كما جاء؛ بحيث أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سافر قدر ثلاثة فراسخ قصر، وإن كان هذا يعني ليس حدا للسفر، ليس بمفهوم. وإذا سافر أقل من ذلك لم يقصر، لكن هذا فيه إخبار أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا سافر هذه المسافة قصر الصلاة. قال: مثلا؛ لأنه مظنة المشقة. ومن هنا لم ينظر إلا إلى المظنة عند من يقول بذلك. قال: من أنواع الكسر: إبطال المعترض جزءا من المعنى المعلل به، ونقضه ما بقي من أجزاء ذلك المعنى المعلل به. فعلم أنه إنما يكون في العلة المركبة من وصفين فأكثر، والقدح به مقيد بأن يعجز المستدل عن الإتيان ببدل من الوصف الذي أبطله المعترض. فإن ذكر بدلا يصلح أن يكون علة للحكم، ألغى الكسر واستقام الدليل. وإبطال الجزء بأن يبين المعترض أنه ملغي بوجود الحكم عند انتفائه. والمراد بنقض الباقي: عدم تأثيره في الحكم، له صورتان: الصورة الأولى: أن يأتي المستدل ببدل الوصف المسقط عن الاعتبار. كما يقال في وجوب أداء صلاة الخوف: هي صلاة يجب قضاؤها لو لم تفعل، فيجب أداؤها قياسا على صلاة الأمن؛ فإنها كما يجب قضاؤها لو لم تفعل، يجب أداؤها؛ فوجوب القضاء هو العلة، ووجوب الأداء هو الحكم المعلل بتلك العلة. قال: فيعترض بأن خصوص الصلاة ملغي، ويبين بأن الحج واجب الأداء كالقضاء. فيبدل المستدل خصوص الصلاة بوصف عام هو العبادة، بأن يقول: عبادة يجب قضاؤها لو لم تفعل... إلى آخره. فينقض عليه المعترض أيضا هذا البدل بصوم الحائض؛ فإنه عبادة يجب قضاؤها، ولا يجب أداؤها، بل يحرم، يعني فعلها في الوقت، مع ذلك يجب عليها أن تقضيه متى انتهى حيضها. وصورة الثانية: أن لا يبدل المستدل الوصف الذي أبطله المعترض، فلا يبقى للمستدل إلا قوله: يجب قضاؤها. فينقضه المعترض بأن يقول: ليس كل ما يجب قضاؤه يجب أداؤه، بدليل صوم الحائض في رمضان؛ فإنه يجب عليها قضاؤه، ولا يجب عليها أداؤه، بل يحرم. انتهى. فعلم مما ذكرنا أن الكسر يصدق بأنواع، منها ما لا ينبغي أن يختلف في أنه قادح، ومنها مختلف فيه. والأظهر في بعض صوره عدم القدح. وقد أشار صاحب "مراقي السعود" إلى أنه قادح مع ذكر بعض صوره بقوله في مبحث القوادح: والكسر قادح، ومنه ذكر تخلف الحكمة عنه... ومنه إبطال لجزء... والحيل ضاقت عليه في المجيء بالبدل. قال: وضابط الكسر المنطبق على جميع جزئياته: إنه إظهار خلل في بعض العلة، فيصدق بوجود حكمتها بدونها، وبوجودها دون حكمتها، وبإبطال بعض أجزائها مع العجز عن بدل منه صالح. وقد تقدم إيضاح ذلك كله بأمثلته. قال: وبما ذكرنا تعرف ما في كلام المؤلف، رحمه الله، كما أشرنا إليه. الخلاصة: أن الكسر يكون قادحًا إذا حصل خلل في العلة بأن توجد العلة بدون الحكم، أو يوجد الحكم دون وجود حكمة علته، أو كذلك أيضًا وجود العلة دون الحكم، هذا يعتبر كسرًا وقادحًا للعلة. إلى هنا صلى الله عليه وسلم، على نبينا محمد، وآله وصحبه وسلم.