الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 70، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
المحور يتناول أحاديث نبوية تبرز فضل صلاة الجماعة على صلاة الفرد، حيث تتراوح مضاعفة الأجر بين خمس وعشرين وسبع وعشرين درجة. هذه الأحاديث تشير إلى أهمية أداء الصلاة في جماعة لتحقيق الأجر الأعظم.
هذا المحور يشرح كيفية الجمع بين حديثين مختلفين في تفضيل صلاة الجماعة على صلاة المنفرد، ويقدم ثلاثة أمور للتوفيق بينهما. كما يستدل على أن صلاة الجماعة ليست بشرط صحة ويتناول آراء العلماء حول فرضية صلاة الجماعة.
المحور يتناول فضل صلاة الفجر وشهود الملائكة لها كما ورد في القرآن الكريم والسنة النبوية، حيث إن قراءة الفجر مشهودة من قبل الملائكة. هذا يشير إلى أهمية صلاة الفجر في جماعة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم بن الحجاج أبو الحسين القشيري رحمه الله في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وهو التميمي، قال: قرأت على مالك، وهو مالك بن أنس الأصبحي الحميري، إمام دار الهجرة، كان عالم أهل زمانه وعالم أهل المدينة ومفتيهم ومحدثهم، رحمه الله، صاحب الموطأ، وهو أيضا صاحب المذهب المشهور، مذهب المالكية. نسبة إلى الإمام مالك بن أنس، كان رحمه الله ذهبيًا، حتى قال فيه القائل: يأبى الجواب فلا يراجع هيبة، والسائلون نواكس الأذقان، أدب وقار وعز سلطان التقى، فهو المطاع وليس ذا سلطان. وكان رحمه الله يجل حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فإذا أراد أن يخرج لأجل التحديث يغتسل ويلبس أحسن ثيابه، إجلالا وإكراما لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. قال عن ابن شهاب، وهو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب، قال: عن سعيد بن المسيب، سعيد بن المسيب من حزن المخزومي، من أئمة التابعين، من فقهاء المدينة، أحد الفقهاء السبعة. من هم هؤلاء الفقهاء السبعة؟ فقهاء المدينة هم، عند من؟ نعم، روايتهم ليست عن الحق خارجة، فقل هم: عبيد الله، عروة، قاسم، سعيد، أبو بكر، سليمان، خارجة. وسعيد هو ابن المسيب. قال عن أبي هريرة، وهو عبد الرحمن بن الصخر، على الأشهر، مختلف في اسمه إلى نحو ثلاثين قولا، أشهرها عبد الرحمن بن الصخر، وهو دوسي، من دوس، من اليمن، مشهور بكنيته، رضي الله عنه، وحافظ الصحابة، رضوان الله تعالى عليهم. قال: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءا». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، قال: حدثنا عبد الأعلى، وهو ابن عبد الأعلى الشامي البصري، وهو ثقة، قال: عن معمر، وهو معمر بن راشد، نعم، معمر بن راشد الأزدي اليمني الصنعاني، نزيل اليمن، هو بصري، نعم، نزل اليمن، ولما أراد أن يسافر قيل له: قيدوه، فزوجوه، فبقي في اليمن. قال: عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تفضل صلاة في الجميع -يعني في الجماعة- على صلاة الرجل وحده خمسا وعشرين درجة». قال: وتجتمع ملائكة الليل وملائكة النهار في صلاة الفجر. قال أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾. قال: وحدثني أبو بكر بن إسحاق، قال: حدثنا أبو اليمان، وهو الحكم بن نافع، قال: أخبرنا شعيب، وهو من أبي حمزة القرشي، قال: عن الزهري، قال: أخبرني سعيد وأبو سلمة، سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف، أن أبا هريرة قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول بمثل حديث عبد الأعلى عن معمر، إلا أنه قال: «بخمس وعشرين جزءا». قال: وحدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، وهو القعنبي، أثبت رواة الموطأ عن الإمام مالك رحمه الله، هو عبد الله بن مسلم القعنبي، وكان ابن المديني وابن معين لا يقدمان أحدا من رواة الموطأ على القعنبي، فكان عندهم من أثبت الناس في موطأ الإمام مالك من رواته. قال: حدثنا أفلح، وهو ابن حميد الأنصاري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وهو قاضي المدينة وأميرها في زمنه، كان من أعلا من الناس بالقضاء في زمانه، وكان ثقة عابدا، قال: عن سلمان الأغر، وهو أبو عبد الله الأصبهاني، ثقة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة تعدل خمسا وعشرين من صلاة الفذ -يعني المنفرد-، الفذ بمعنى المنفرد». قال: وحدثني هارون بن عبد الله ومحمد بن حاتم، هارون بن عبد الله هو أبو موسى الحمال، هو ثقة، وصمي بالحمال، قال الذهبي: أنه وجد رجلا منقطعا بطريق مكة فحمله على ظهره، حمله على ظهره، فلقب بالحمال. ومحمد بن حاتم هو أبو عبد الله المؤدب. قال: حدثنا حجاج بن محمد، وهو المصيصي الأعور، ثقة ثبت، اختلط في آخر أمره، لما قدم بغداد قبل موتي، كما ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله، وهو من أثبت الناس، ابن جريج، قال: قال ابن جريج، وهو عبد الملك بن جريج، هو ثقة، إلا أنه مدلس، قال: أخبرني عمر بن عطاء بن أبي الخوار، وهو المكي، ثقة، قال: أنه بينما هو جالس مع نافع بن جبير بن مطعم، وهو تابعي ثقة، من أبناء الصحابة، جبير بن مطعم صحابي، وهو من سادات أهل مكة، من سادات أهل مكة في زمانه، قال: إذ مر بهم أبو عبد الله، ختن زيد بن زبان، مولى الجهنين، الجهنيين، أو الجهنين؟ ها جهنيين، صح، أنا عندي الجهنين بياء واحدة، طيب، صواب الجهنيين، جهنيين، بسم الله، جهينا. قال: فدعاه نافع، فقال: سمعت أبا هريرة يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «صلاة مع الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده». قال: وحدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة جماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة». قال: حدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، ومحمد بن المثنى، وهو أبو موسى العنزي، قال: حدثنا يحيى، عن عبيد الله، ابن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب، أبو عثمان القرشي، قال: أخبرني نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «صلاة الرجل في الجماعة تزيد على صلاته وحده سبعا وعشرين». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: حدثنا أبو أسامة وابن نمير، قال: وحدثنا ابن نمير، قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا عبيد الله بهذا الإسناد. قال ابن نمير عن أبيه: بضعا وعشرين. وقال أبو بكر في روايته: «سبعا وعشرين درجة». قال: وحدثنا ابن رافع، قال: أخبرنا ابن أبي فديك، قال: أخبرنا الضحاك، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال: «بضعا وعشرين». هذه الأحاديث فيها بيان فضيلة صلاة الجماعة، وأن صلاة الجماعة أفضل من صلاة المنفرد بأضعاف، في بعض الروايات: خمس وعشرين ضعفا، وفي بعضها: بسبع وعشرين ضعفا. معنى هذا أن صلاة الجماعة مضاعفة، أجرها مضاعف عن صلاة المنفرد، وهو المراد بقوله: «الفذ»، يعني الذي يصلي وحده، منفردا. ففيه فضل صلاة الجماعة، وأن أجرها أعظم. وهل بين الروايتين تعارض وتنافي؟ رواية خمس وعشرين ورواية سبع وعشرين؟ الجواب: لا، ليس بينهما تعارض. وجمع أهل العلم بين هاتين الروايتين، والتوفيق بينهما بثلاثة أمور. الأمر الأول هو أن يقال: أن مفهوم العدد لا يفيد الحصر، كما هو قول جمهور الأصوليين، ذكر العدد لا يفيد الحصر، لا يفيد الحصر. فمثلاً لو قلت: عندي ألف ريال أعددتها للصدقة، هل يفهم من هذا أنه ليس عندك غيرها؟ الجواب: لا، لا يفهم من هذا أني لا أملك غير هذه الألف. فذكر عدد من الأعداد لا يفهم منه أنه لا يوجد غير هذا العدد. فذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن صلاة الجماعة تفضل على صلاة المنفرد بخمس وعشرين ضعفا، لا يفهم منه أنها لا تدل على زيادة في الأجر أكثر من خمس وعشرين، قد يكون الفضل والأجر أعظم من ذلك وأكثر من ذلك. فذكر الخمس والعشرين لا تفيد الحصر، ولهذا جاءت الروايات الأخرى أنها تفضل على صلاة المنفرد بسبع وعشرين ضعفا. والقول الثاني في الجمع بين الحديثين هو أن النبي عليه الصلاة والسلام أخبر في أول الأمر أنها تضاعف على صلاة المنفرد بخمس وعشرين ضعفا، ثم أخبر بعد ذلك أنها تضاعف على صلاة المنفرد بسبع وعشرين، فحدث بالخمس وعشرين أولا، ثم حدث بالسبع والعشرين ثانيا. والقول الثالث أن يقال: أن ذكر الأقل لا ينافي الأكثر، لأنه داخل في الخمس والعشرين، هي داخلة في السبع والعشرين. فذكر الأقل لا ينافي ذكر الأكثر. أو يقال: أن اختلاف الأجر هو باختلاف أحوال المصلين، باختلاف أحوال المصلين، يعني من حيث الخشوع وحضور القلب والتدبر. فقد تكون صلاة هذا المصلي في جماعة بسبع وعشرين درجة عن صلاة المنفرد، وتكون صلاة الآخر بخمس وعشرين درجة عن صلاة المنفرد، لاختلاف أحوالهما في حال الصلاة. هذا أيضا مما ذكره في الجمع بين الحديثين. وفي هذه الأحاديث دليل على أن صلاة الجماعة ليست بشرط صحة، يعني لا تصح الصلاة إلا في جماعة، لا، كما قال داود الظاهري رحمه الله. ليست الجماعة شرط صحة، بل تصح الصلاة ولو صلاها الإنسان منفردا، بدليل ذكر هذه المضاعفة، أن صلاة الجماعة تضاعف على صلاة المنفرد، معنى أن صلاة المنفرد صحيحة، لكنها قليلة الأجر، ناقصة الثواب. فبهذا رد على داود الظاهري رحمه الله في اشتراط الجماعة لصحة الصلاة. وهل يستفاد منه أن صلاة الجماعة ليست بفرض عين؟ ذكر هذا الإمام النووي رحمه الله في الشرح، أن هذه الأحاديث تدل على أن صلاة الجماعة ليست بفرض عين، وإنما هي فرض كفاية أو سنة مؤكدة. وهذا الكلام فيه نظر. والصحيح كما أشار رحمه الله إلى قول بعض أهل العلم أنها فرض عين، وهذا هو الصحيح، أن صلاة الجماعة فرض عين، يجب على المسلم العاقل القادر أن يصلي الصلوات في جماعة في بيوت الله، لأدلة كثيرة، سيسوق الإمام مسلم رحمه الله بعضا منها في الأحاديث التي ستأتي. نعم، وفيه أيضا فضيلة صلاة الفجر، وأن الملائكة تشهدها، تشهد صلاة الفجر. وهكذا أيضا صلاة العصر، كما في حديث أبي هريرة: «يتعاقب فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار». الحديث. وهكذا أيضا صلاة الفجر في هذه الرواية، قال أبو هريرة: «اقرأوا إن شئتم ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾»، المراد بالقرآن هنا القراءة، يعني المصدر، إن قرآن الفجر، أي قراءة الفجر، كان مشهودا، أي تشهدها الملائكة.