الدرس في كتاب المساجد ومواضع الصلاة 69، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح وجوب طاعة ولاة الأمر وضرورتها، مع شروط ألا يأمروا بمعصية، مستندًا إلى أحاديث نبوية. يُوضح أن الطاعة تكون حتى لو كان ولي الأمر غير قرشي إذا وصل للحكم بالغلبة.
يشرح أمر النبي صلى الله عليه وسلم لأبي ذر بالصلاة في وقتها، وأهمية الصلاة في وقتها مع الجماعة، مع جواز الصلاة مع ولاة الأمر نافلة إذا أخروها.
يشرح حكم الصلاة خلف ولاة الأمر الذين يؤخرون الصلاة، مع ضرورة الصلاة في وقتها ثم الصلاة معهم نافلة، والسمع والطاعة لهم لتجنب الفتنة.
يدعو بحفظ بلاد المسلمين من الفتن والشرور، ورفع البلاء عنهم، مع ختم الدعاء بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، فعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين بن يسار القشيري رحمه الله في صحيحه: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وهو عبد الله بن محمد بن إبراهيم، نعم هو ابن أبي شيبة، قال: حدثنا عبد الله بن إدريس، وهو ابن محمد الأودي، ثقة، عن شعبة، وهو ابن الحجاج، أمير المؤمنين في الحديث، كما قال سفيان الثوري رحمه الله وغيره ممن لقب شعبة بهذا اللقب، بلقب أمير المؤمنين في الحديث، قال: عن أبي عمران، وهو الجوني، ما اسمه؟ نعم عبد الملك بن حبيب، قال: عن عبد الله بن الصامت، وهو الغفاري، ابن أخت ابن أخي أبي ذر، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدع الأطراف -يعني مقطع الأطراف، أطراف اليدين أو القدمين- وأن أصلي الصلاة لوقتها، فإن أدركت القوم وقد صلوا، كنت قد أحرزت صلاتك، وإلا كانت لك نافلة. هذا الحديث يخبر أبو ذر رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم أوصاه أن يسمع ويطيع، أي لمن ولي أمر المسلمين، فصار واليا وحاكما، فعليه السمع والطاعة. والمراد بالسمع والطاعة، أي في طاعة الله، في طاعة الله. أما إذا أمر ولي الأمر بمعصية، فلا يطاع، إنما الطاعة بالمعروف، إنما الطاعة بالمعروف. فإذا أمر بأمر معروف شرعا أو عرفا، وأمرا لا يخالف الشرع، فهنا تجب طاعته، تجب طاعته، للحديث الكثيرة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام في الأمر بطاعة ولاة الأمر: «اسمعوا وأطيعوا، وإن تأمر عليكم عبد حبشي»، «أسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، «على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية، فلا سمع ولا طاعة»، وقال: «من أطاع الأمير، فقد أطاعني، ومن عصى الأمير، فقد عصاني»، وغيرها من الأحاديث الكثيرة عن النبي عليه الصلاة والسلام في وجوب طاعة ولاة الأمر. قال: «وإن كان عبدا مجدع الأطراف»، يعني وإن كان هذا الأمير عبدا مجدع الأطراف، مقطع الأطراف، وهو يعني أردأ العبيد، أردأ العبيد، وأخس العبيد من كان على هذا الوصف، فإذا تأمر وصار أميرا، وجب طاعته: «أسمع وأطيع، وإن كان عبدا مجدع الأطراف». فإن قيل: أليس قد جاء في الأحاديث أن الأصل في الإمامة أنها لقريش، «الأئمة من قريش»، أكد يقول النبي عليه الصلاة والسلام؟ فيقال: هذا في حال الاختيار، هذا في حال الاختيار، إذا أراد أن يختار أهل الحل والعقد أميرا وحاكما، فيقدمون من كان قرشيا مع وجود بقية الصفات المطلوبة في ولي الأمر. أما إذا تغلب الرجل حتى وصل إلى الحكم والإمارة، فهنا يجب له السمع والطاعة، وإن لم يكن قرشيا، بل ولو كان عبدا كما في هذا الحديث، ولو كان عبدا مملوكا: «أسمع وأطع، وإن كان عبدا مجدع الأطراف». فمن وصل إلى الحكم عن طريق الغلب والقهر والسيف وتغلب، وجبت له الطاعة صونا للدماء. فإن الإمارة قد تكون عن طريق الاستخلاف، عن طريق الاستخلاف، كما حصل من أبي بكر لعمر، أو عن طريق الشورى، كما حصل باختيار عثمان لما طعن عمر رضي الله تعالى عنه. وبعض أهل العلم يجعل اختيار أبي بكر رضي الله عنه بالنص، وإن كان ليس هناك نص صريح، إلا أنه إشارة في بعض الأحاديث إلى أن الخليفة بعد النبي صلى الله عليه وسلم هو أبو بكر، كقوله عليه الصلاة والسلام للمرأة التي أتت النبي صلى الله عليه وسلم فقالت: «فإن لم أجدك؟» قالها إتي -يعني مرة أخرى- قالت: «فإن لم أجدك؟» قال: «فأتي أبا بكر». وهكذا في قوله: «مروا أبا بكر فليصل بالناس»، نعم، ونحو ذلك من الأحاديث فيها إشارة إلى أن الخليفة بعده هو أبو بكر رضي الله عنه. وقد تكون بالغلبة والقهر، كما حصل كثير من أمراء بني أمية، فحينئذ تجب السمع والطاعة. ثم أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يصلي الصلاة لوقتها، يعني إذا كان هؤلاء الأمراء يؤخرون الصلاة كما مر معنا في الأحاديث التي مضت أنهم يؤخرونها عن وقتها المختار، فأمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الصلاة لوقتها، أي منفردا. فإذا أدرك الصلاة معهم صلى، وكانت له نافلة، قال: «وإن أدركت القوم وقد صلوا، كنت قد أحرزت صلاتك» -يعني أديت الواجب الذي عليك من الصلاة- «وإلا كانت لك نافلة» -يعني إذا كنت موجودا وقيمت الصلاة، فإنك تصلي- ما تقول أن قد صليت، فتحدث -يعني فتنة- لا تصلي معهم، صل معهم، وتكون لك نافلة، تكون لك نافلة. قال رحمه الله: حدثني يحيى بن حبيب الحارثي، يحيى بن حبيب الحارثي هو أبو زكريا الحارثي، ثقة، قال: حدثنا خالد بن الحارث، هو عثمان أبو عثمان البصري، ووثقه ثبت، قال: حدثنا شعبة عن بديل، وبديل هذا هو ابن ميسرة العقيلي البصري، ووثقه، قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت، سمعت أبا العالية يحدث عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وضرب فخذ -أي النبي عليه الصلاة والسلام- ضرب فخذ أبي ذر، قال: «كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟» قال: «ما تأمر؟» قال: «صل الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن قيمت الصلاة وأنت في المسجد، فصلي». قال: وحدثني زهير بن حرب، وهو أبو خيثمة النسائي، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، وهو ابن علية، نعم، إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم، المعروف بابن علية، نعم، كان إماما حافظا، كان عبد الله بن المبارك ينفق عليه وعلى غيره من أهل الحديث، ويقول: «لولا هؤلاء الخمسة ما التجرد»، ذكر منهم ابن علية، فلما ولي القضاء في عهد هارون الرشيد، أوقف عليه من المبارك ما كان يعطيه من الإعانة، وتغير عليه، فجاء لابن المبارك فلم يلتفت إليه، ثم أرسل له رسالة، ابن علية أرسل لابن المبارك رسالة يخبره -يعني بما يجد من جفوة بالمعاملة- وكذا، فقال من المبارك: «يا ... إلا أن نكشر له العصى»، ثم كتب له رسالة -يعني أرسل له بأبيات ينصحه فيها- فقال في تلكم الأبيات: «يا جاعل العلم له بازية يصطاد أموال المساكين، احتلت للدنيا ولذاتها بحيلة تذهب بالدين، فصرت مجنونا بها بعد ما كنت دواء للمجانين، أين رواياتك فيما مضى عن ابن عون وابن سيرين؟ أين رواياتك فيما مضى في ترك أبواب السلاطين؟ لا تقل أكرهت، فذا باطل زل حمار العلم في الطين». فلما قرأها ابن علية، قام فوطئ بصاق هارون الرشيد، وقال له: «الله الله، ارحم شيبتي، فإني لا أصبر على الخطأ»، فقال له: «لعله أغراك ذاك المجنون»، ثم أعفاه من القضاء. قال الذهبي رحمه الله في «السير»: بعد أن ذكر هذه الحكاية، قال: «وهي منكرة»، وهي منكرة، فهي من طريق العيش عن الحمادين، وقد مات قبلهما. وهذه الأبيات مشهورة التي قالها ابن المبارك لابن علية لما ولي القضاء، قد ذكرها أيضا الحافظ ابن حجر رحمه الله في «التهذيب». قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، له ولدان، أحدهما محدث، هو محمد بن إسماعيل، وهو من قضاة دمشق، من مشايخ الإمام النسائي، من مشايخ الإمام النسائي، وآخر من رؤوس الجهمية، وهو إبراهيم، إبراهيم بن إسماعيل بن علية، يقول بخلق القرآن، جهمي. قال: عن أيوب، وهو أبو تميمة السختياني، أيضا إمام ثقة حافظ، وهو إمام في السنة، وله -يعني مقالات كثيرة في الدفاع عن السنة وفي التحذير من أهل البدع والأهواء- قال: عن أبي العالية البراء، والبراء هي نسبة إلى بري النبل، كان يبري النبل، فقيل له البراء، أختلف في اسمه، حيل زياد من فيروز، وقيل كلثوم، وقيل غير ذلك، فهو مشهور بكنيته، قال: أخرج ابن زياد -هو عبيد الله بن زياد- وكان واليا على الكوفة- الصلاة، فجاءني عبد الله بن الصامت، فألقيت له كرسيا، فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، صنيع ابن زياد، فعض على شفته، وضرب فخذي، وقال: «إني سألت أبا ذر كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك». إيش يسمى هذا؟ عندها الحديث مسلسل، نعم، مسلسل بضرب الفخذ، كل واحد ضرب فخذ الآخر، فالنبي صلى الله عليه وسلم ضرب فخذ أبي ذر، وحدثه، فأبو ذر ضرب فخذ عبد الله بن الصامت، وحدثه، فعبد الله بن الصامت ضرب فخذ أبي العالية، وحدثه، قال: قال: «إني سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، وقال: صل الصلاة لوقتها، فإن أدركتك الصلاة معهم، فصلي، ولا تقل: إني قد صليت، فلا أصلي». قال: وحدثنا عاصم بن النضر التيمي، قال: حدثنا خالد بن الحارث، قال: حدثنا شعبة عن أبي نعامة عن عبد الله بن الصامت عن أبي ذر قال: قال: «كيف أنتم؟ أو قال: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ فصل الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت الصلاة، فصل معهم، فإنها زيادة خير». قال: وحدثني أبو غسان المسمعي، قال: حدثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي عن مطر عن أبي العالية البراء، قال: قلت لعبد الله بن الصامت: «صلي يوم الجمعة خلف أمراء، فيؤخرون الصلاة»، قال: فضرب فخذي ضربة، أو جعتني، وقال: «سألت أبا ذر عن ذلك، فضرب فخذي، وقال: سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك، فقال: صلوا الصلاة لوقتها، واجعلوا صلاتكم معهم نافلة». قال: وقال عبد الله: ذكر لي أن نبي الله صلى الله عليه وسلم ضرب فخذ أبي ذر. والحديث أيضا يدل على ما مضى من أن ولي الأمر إذا أخر الصلاة ولم يمنع من الصلاة، النبي صلى الله وسلم لما ذكر أنه «سترون بعدي أمورا تنكرونها، أو سيكون عليكم أمراء»، فمن أنكر فقد برئ، ومن كره فقد سلم، لكن من رضي وتابع، قالوا: «يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟» قال: «لا، ما أقاموا فيكم الصلاة»، يعني حذر النبي صلى الله وسلم ومنع من الخروج على ولاة الأمر، ما دام أنهم لم يمنعوا الصلاة. فإذا أخروا الصلاة، كذلك لا يجوز الخروج عليهم في هذه الحالة، تصلي أنت في أول الوقت، ثم إذا أدركت الصلاة معهم، صليت، وكانت لك الثانية نافلة، ولا يجعل هذا سببا للخروج على ولاة الأمر، لا يكون هذا سببا للخروج على ولاة الأمر، وشق عصا الطاعة، وتفريق الكلمة، كونه يؤخر الصلاة، صلي أنت في أول الوقت، ثم إذا أدركت الصلاة معه، صليت، وكانت لك نافلة. وانظر كيف الشريعة تحث على جمع الكلمة، وسد أبواب الفرقة والاختلاف، لأن في الخروج على ولي الأمر من الشر ما لا يعلم مدى فتنته ومدى شره. لو أن الناس صبروا على ولاة أمرهم، ولو كان عندهم تقصير، وعندهم ذنوب وخطايا، وعندهم سيئات، فهي على أنفسهم، هم الذين يتحملون هذه السيئات والخطايا والذنوب، أنت مأمور بالسمع والطاعة والصبر، بل حتى لو وصل الأمر إلى الاعتداء عليك بأخذ مالك وضرب ظهرك، كما قال نبي صلى الله عليه وسلم: «أسمع وأطع، وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك»، لماذا؟ لأن الخروج عليهم سبب للفتنة العظيمة والشر العظيم، ويترتب عليه من المنكر ما هو أعظم من الصبر عليهم. والواقع أكبر شاهد، الواقع أكبر شاهد، انظروا ماذا يعني حصل من الزمن الأول الذين خرجوا على ولاة الأمر، كم سفكت من الدماء، وكم زهقت من الأرواح، وكم حصل من الشر بسبب ذلك؟ في زمن الحجاج، في فتنة ابن الأشعث، لما خرجوا على الحجاج، كم قتل من القراء ومن أهل العلم والفضل بسبب خروجهم عليه؟ وهكذا وهكذا بعد ذلك، وهكذا في الزمن المعاصر، ما حصل في سوريا، وما حصل في العراق، وما حصل كذلك في بلادنا اليمنية، وما نحن نعاني منه اليوم من فتن ومصائب وبلايا وحروب، هو كله بسبب الخروج على ولي الأمر، ومخالفة دين الله جل وعلا، وشرع الله سبحانه وتعالى في الصبر على ولاة الأمر، والسمع والطاعة لهم، ما لم يأمروا بمعصية. نسأل الله عز وجل أن يرفع عنا هذا البلاء وهذه الفتن، وأن يحفظ بلادنا اليمنية وسائر بلاد المسلمين من كل شر وسوء ومكروه. وصلى الله وسلم على أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.