كتاب الإيمان 55

كتاب الإيمان 55

الدرس في كتاب الإيمان 55، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

تحريم سب الوالدين وخطورة الكبر

يتناول هذا الفصل تحريم سب الوالدين واعتباره من الكبائر، كما يشرح خطورة الكبر وعدم دخول الجنة لمن كان في قلبه مثقال ذرة منه. يوضح أن سب الرجل لأبي أو أم شخص آخر يعتبر سبا لوالديه.

تعريف الكبر وتحريمه وعقوبته

يُعرّف هذا الفصل الكبر بأنه بطر الحق وغمط الناس، ويبين أنه كبيرة من كبائر الذنوب يعاقب عليها المتكبر بأن لا يدخل الجنة ابتداء. يُوضح الفرق بين التجمل المباح والتكبر.

التواضع وذم الكبر وطلب العلم

يُنبّه هذا الفصل على خطورة الكبر ويشير إلى أن العبرة بتقوى الله وليس بالنسب أو المكانة الاجتماعية. يشجع على التواضع وطلب العلم لله تعالى، ويبين أهمية ترك الترفع والكبر.

ختام بالتواضع والصلاة على النبي

يختتم هذا الفصل بالنصيحة بترك الكبر والتحلي بالتواضع، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مشددا على أهمية هذه الأخلاق في حياة المسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام المسلمين الحجاج أبو الحسين، أني سابوري القشيري -رحمه الله-: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا الليث أبو الحارث الفهمي، عن ابن الهاد، عن سعد بن إبراهيم، عن حميد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن عمر بن العاص، أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه». قالوا: يا رسول الله، وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: «نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». قال: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن المثنى، وابن بشار. أبو بكر بن أبي شيبة اسمه عبد الله بن محمد بن إبراهيم، ومحمد بن المثنى أبو موسى العنزي، وابن بشار اسمه محمد، لقبه ابن بشار، واسمه أبو بكر، ابن بشار اسمه محمد. قال جميعا: عن محمد بن جعفر الملقب بغندر، عن شعبة. وحدثني محمد بن حاتم، قال: حدثنا يحيى بن سعيد، قال: حدثنا سفيان، كلاهما عن سعد بن إبراهيم بهذا الإسناد مثله. هذا الحديث حديث عبد الله بن عمر بن العاص -رضي الله عنهما- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «من الكبائر شتم الرجل والديه». ففيه ذكر كبير من الكبائر، وهو شتم الرجل والديه، أن يشتم الرجل أباه أو أمه. فلما سمع ذلك الصحابة -رضوان الله عليهم- قالوا: يا رسول الله، هل يشتم الرجل والديه؟ يعني هل يقع هذا أن يشتم الرجل والديه؟ فقال النبي -عليه الصلاة والسلام-: «نعم، يسب أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه». يعني يتسبب في سب والديه بسبب سبه لأب الرجل ولأمه، يسب أباه فيسب أباه، ويسب أم الرجل فيسب أمه، فكأنه سب أباه وأمه. وهذا في أن يتسبب الإنسان في فعل الشيء أو الأمر، قد يكون في حكم الفاعل، يكون في حكم الفاعل لذلك مباشرة. فجعل النبي -عليه الصلاة والسلام- من تسبب في سب أبيه وأمه أنه كمن باشر سبه لأبيه وأمه. وسب الأب والأم كبيرة من كبائر الذنوب؛ لأنه من العقوق، من العقوق، وخلاف البر والإحسان الذي أمر الله سبحانه وتعالى به: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا * وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا﴾. فإذا كان لا يجوز أن يقول: «أف»، فكيف بالسب والشتم؟ لا يجوز أن يرد أمرهما بقوله: «أف»، وهي كلمة مكونة من حرفين، فكيف أن يسبهما ويشتمهما؟ وللأسف أن هذا في هذا الزمن يقع صريحا ومباشرة، يوجد من يسب أباه وأمه مباشرة، لا يتسبب بل يسب علانية ومباشرة. ولا شك أن هذا من أعظم الإثم، وهو كما سمعنا كبيرة من كبائر الذنوب. قال -رحمه الله-: وحدثنا محمد بن المثنى، ومحمد بن بشار، وإبراهيم بن دينار، جميعا عن يحيى بن حماد، قال ابن المثنى: حدثني يحيى بن حماد، قال: أخبرنا شعبة، عن أبان بن تغلب، عن فضيل الفقيمي، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة، عن عبد الله بن مسعود، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا. قال: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». هذا الحديث حديث عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». إذا كان في قلبه شيء من الكبر، ولو مثقال ذرة، فإنه لا يدخل الجنة، أي لا يدخل الجنة دخولا أوليا، لا يدخل الجنة دخولا أوليا، يعني إذا دخل أهل الجنة الجنة فإنه لا يدخل معهم، بل يتأخر، يتأخر دخوله. وأيضا يكون معرضا للعذاب والعقوبة بسبب وقوعه في الكبر. وليس المعنى أنه كافر لا يدخل الجنة، ليس معنى أنه لا يدخلها أبدا إذا كان في الأصل أنه مؤمن، لكن المراد لا يدخلها دخولا أوليا، بل يكون تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه، وإن شاء عفا عنه، كسائر أصحاب الكبائر. وإن دخل النار فإنه يعذب فيها ثم يخرج، ويكون مصيره إلى الجنة. لكن هذا وعيد شديد على أنه لا يدخل الجنة ابتداء ودخولا أوليا. لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر، يعني ولو كان في قلبه من الكبر شيئا يسيرا، لو كان في قلبه من الكبر شيئا يسيرا، فإنه موعود بهذا الوعيد. وهذا يدل على تحريم الكبر، وأنه كبير من كبائر الذنوب؛ لأن عقوبته أنه لا يدخل الجنة، ولا يكون هذا الوعيد إلا في كبيرة. قال رجل: إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسنا ونعله حسنا، يعني الإنسان يحب أن يتجمل، يلبس الثياب الجميلة، ويلبس النعال الجميلة، هل هذا يكون من الكبر؟ فقال -عليه الصلاة والسلام-: «إن الله جميل يحب الجمال، الكبر بطر الحق وغمط الناس». فبين النبي -عليه الصلاة والسلام- ما هو الكبر. أما كون الإنسان يلبس ثيابا جميلة ونعلا جميلة، وليس بقلبه شيء من الكبر، فليس هذا من الكبر. كون الإنسان يتجمل ويظهر نعمة الله سبحانه وتعالى عليه، فهذا أمر حسن. والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده». إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده، إذا كان الله أنعم على العبد فلا بأس أن يظهر أثر هذه النعمة في ملبسه، وفي مركبه، وفي مشربه، وفي حياته، من غير إسراف أو تبذير. وقال: «إن الله جميل يحب الجمال». إن الله جميل يحب الجمال، الله جل وعلا قد سمى نفسه بالجميل، واتصف بالجمال، فهو جل وعلا الجميل في أفعاله، وفي ذاته، وفي ربوبيته، وفي خلقه، وفي أحكامه. وهو جل وعلا يحب الجمال، يحب الجمال، يعني كون الإنسان يتجمل بما أحل الله سبحانه وتعالى له، ليس هذا من الكبر. كونه يتنظف ويتجمل ويتزين، هذا شيء مطلوب: ﴿يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. الزينة تشمل ستر العورة، والتزين بما عند الإنسان من ثيابه. قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس». فسر النبي -عليه الصلاة والسلام- لهم الكبر، وما هو الكبر؟ قال: «بطر الحق»، بطر الحق يعني رده وعدم قبوله. إذا رد الإنسان الحق ولم يقبله، هذا من الكبر، هذا هو الكبر، ما يقبل الحق، ما يقبل الحق إذا أتى به فلان من الناس. لماذا؟ يقول: هذا أصغر مني، وأنا أكبر منه، أو هذا يعني ليس في منزلتي في الشرف والنسب، فلا أقبل الحق منه، هذا كبر، هذا كبر. المتواضع يقبل الحق ممن جاء به، فإذا رد الحق فإنه يعتبر بذلك متكبرا؛ لأن الإنسان لا يتكبر على الحق، الحق أكبر من كل إنسان، الحق أحق أن يتبع، الحق أحق أن يتبع، فلا يتكبر الإنسان على قبول الحق. قال: «الكبر بطر الحق وغمط الناس»، غمط الناس يعني استحقارهم، يعني استحقارهم، يستحقر الناس، هؤلاء يعني كذا، وهؤلاء ليسوا بذي نسب ولا شرف، وأنا أحسن منهم، أنا أرفع منهم، ويتكبر عليهم، ويرى أنه يعني له منزلة، وله شرف، هذا من الكبر، استحقار الناس من الكبر. فالكبر بطر الحق، أي رده، وغمط الناس، أي استحقارهم، غمط الناس أي استحقارهم، هذا هو الكبر. فإذا كان في قلب الإنسان شيء من ذلك، فإنه يكون مرتكبا لكبيرة من كبائر الذنوب، يكون مرتكبا لكبيرة من كبائر الذنوب. والمتكبر في الحقيقة يكون وضيعا عند الله وعند الناس، يكون وضيعا عند الله وعند الناس، هو يرى نفسه أنه كالجبل الشامخ، وهو في أعين الناس كالذبابة، لا يساوي شيئا، في أعين الناس كالذبابة، لا يساوي شيئا. وكما ورد في الحديث الصحيح، في صحيح الترغيب والترهيب، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: «يحشر المتكبرون يوم القيامة أمثال الذر، أمثال الذر في صور الرجال، يطأهم الناس بأقدامهم». هذا جزاء تكبرهم، هم متكبرون في الدنيا على الناس، يحشرون يوم القيامة أمثال الذر، يطأهم الناس بأقدامهم، يعني ذل لهم ومهانة بسبب تكبرهم، بسبب تكبرهم. على ماذا يتكبر الإنسان؟ على ماذا يتكبر الإنسان؟ هل أن الله عز وجل يعني أنعم عليك بشيء من النعم، وأعطاك ما لم يعط غيرك، تتكبر؟ هل هذا جزاء شكر نعم الله سبحانه وتعالى أن تتكبر على خلق الله؟ أم أن الواجب أنك تشكر نعمة الله، وتحمد الله جل وعلا على ما أنعم عليك؟ أو أن الله سبحانه وتعالى مثلا جعلك من ذوي النسب، فعلى ما تتكبر؟ ولا فرق بينك وبين غيرك؛ إذ أن العبرة بتقوى الله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾. فلا ميزة لك كونك من ذوي النسب مثلا، وغيرك ليس كذلك، هذا لا يرفعك عند الله، ولا عند الناس، ما يرفعك إلا التقوى. والنبي -عليه الصلاة والسلام- يقول: «من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه». من أبطأ به عمله لم يسرع به نسبه، إذا الإنسان لم يعمل الأعمال الصالحة، أو يتق الله سبحانه وتعالى، فلا ينفعه النسب، النسب ما يدخله الجنة، ولا ينجيه من النار، إنما ينجيه من النار، ويدخله الجنة عمله، إذا ماذا ينفع النسب؟ ما نفع شيئا. هذا أبو لهب عم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأبو طالب كذلك عم النبي -عليه الصلاة والسلام-، وكلهما في النار، ماذا نفعهما نسبهما؟ ما نفع شيئا. وبلال الحبشي من الحبشة، وهو من أهل الجنة، وسلمان الفارسي من أهل فارس، وهو في الجنة، إذا العبرة بتقوى الله جل وعلا. وكما قال القائل: عليك بتقوى الله في كل ساعة، ولا تترك التقوى تكالا على النسب، لقد رفع الإسلام سلمان فارس، كما وضع الكفر النسيب أبا لهب. فالذي يرفع الإنسان تقوى الله، إذا تكبر. طيب إذا تكبر، كما قلنا ليس بينه وبين غيره فرق، يأكلون كما يأكل، ويشربون كما يشرب، وينامون كما ينام، ويذهبون إلى الخلاء كما يذهب. هل فيه شيء زائد؟ مر رجل على مالك بن دينار -رحمه الله- وهو متكبر متبختر، فقال لمالك بن دينار: ألا تعرفني؟ وهو ينظر إليه يعني نظر عجب وكبر. قال: نعم أعرفك، أولك نطفة مذرة، وآخرك جيفة قذرة، وأنت فيما بين ذلك تحمل العذرة. هذا أنت، حالك حال غيرك من الناس، خلقت من نطفة، وإذا ميت صرت جيفة لا يستطيع أحد أن يقرب منك، وأنت فيما بين ذلك ما بين خلقك وموتك تحمل النجاسة في بطنك. هل يعني أنت تخطر في هذا عن الناس؟ فيما تتكبر؟ على ماذا تتكبر؟ على خلق الله سبحانه وتعالى. وطالب العلم ينبغي أن يحذر من الكبر؛ لأن الكبر مانع له من تحصيل العلم. وكما نعلم في أثر مجاهد -رحمه الله- ذكره البخاري في صحيحه تعليقا: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». الذي يستحي أن يجلس في مجالس العلم حياء وخجلا يحرم العلم، والذي يتكبر يقول: أنا لا أجلس عند فلان، كذلك يحرم العلم. العلم لا بد فيه من الذل والتواضع، لا بد فيه من التواضع، عود نفسك على أن تتخلق بالتواضع، لا تتكبر. إذا فتح الله سبحانه وتعالى عليك في علم من العلوم، فاحمد الله، واشكر الله، وازدد لله جل وعلا تواضعا. وهذا من ثمار العلم النافع، العلم النافع يزيد صاحبه انكسارا وتواضعا، والعلم غير النافع هو الذي يزيد صاحبه ماذا؟ تكبرا وعجبا. قال أحد السلف: من طلب العلم لله كسره العلم، ومن طلبه لغير الله زاده فخرا. من طلب العلم لله كسره العلم، يعني جعله متواضعا، تذللا، ومن طلبه لغير الله عنده في نيته، يعني في طلبه للعلم نية غير صادقة، ومقاصد أخرى، هذا يزيده العلم افتخارا وتكبرا. فأنت تحرص على أن تخلص في طلبك للعلم، وأن تتواضع لله. وما زاد الله عبدا بعفو إلا عزة، وما تواضع أحد لله إلا رفعه الله، إذا تواضعت رفعك الله. اجعل نفسك حقيرا لا قيمة لك، لا تجعل نفسك قيمة، إذا أردت أن يرفعك الله اجعل نفسك حقيرا لا قيمة لك. واحمد الله سبحانه وتعالى على ما أنعم عليك من النعم، واشكر الله، وأخلص في أعمالك، والله جل وعلا يرفعك. أنت ترى نفسك حقيرا وتكون في أعين الناس عظيما، أنت ترى نفسك حقيرا وتكون في أعين الناس عظيما. لكن لو فعلت العكس، رأيت نفسك عظيما وكبيرا، تكون في أعين الناس صغيرا وحقيرا وذليلا. فربي نفسك على التواضع، ربي نفسك على التواضع. وإن كان عندك شيء من هذا الخلق من الترفع أو شيء من ذلك، اتركه، وعوّد نفسك على التواضع وعدم التواضع وعدم الكبر والرفعة. طيب نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله، وصحبه أجمعين.