الدرس في كتاب الإيمان 57، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
شرح حديث نبوي يبين شرطين أساسيين لدخول الجنة أو النار، ويُشدد على أهمية التوحيد واجتناب الشرك. يُذكر أن من مات على التوحيد يدخل الجنة ومن مات مشركا يدخل النار.
النبي صلى الله عليه وسلم بين أن من مات على التوحيد يدخل الجنة حتى وإن ارتكب كبائر الذنوب. يُوضح أن أمة النبي تنقسم إلى أمة الإجابة وأمة الدعوة.
يُبين مصير الموحد الذي يرتكب كبائر الذنوب، ويرد على الفرق الضالة مثل الخوارج والمعتزلة والمرجئة الذين اختلفوا في تأثير المعصية على الإيمان.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على الأشرف من الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم، الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله، في صحيحه، في كتاب الإيمان: قال وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب، محمد بن العلاء، قالا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، سليمان بن مهران، أبو محمد الكوفي، عن أبي سفيان، عن جابر، قال: أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ قال: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار». هذا حديث جابر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام سأله رجل، فقال: يا رسول الله، ما الموجبتان؟ يعني ما الذي يوجب دخول الجنة، وما الذي يوجب دخول النار؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، هذه موجب لدخول الجنة، «ومن مات يشرك بالله شيئا دخل النار»، وهذه موجب لدخول النار. وسؤال هذا الصحابي للنبي عليه الصلاة والسلام بهذا السؤال من حرصه على الخير، ومعرفة الطرق والوسائل التي تكون سببا في دخول الجنة حتى يسلكها، والوسائل والطرق التي تكون سببا في دخول النار فيجتنبها. وهكذا كان الصحابة رضوان الله عليهم يسألون عما ينفعهم من العلم حتى يعملوا به، ليس مجرد سؤال فقط لمعرفة الجواب، ثم لا يكون عنده همة ولا حرص ولا رغبة في العمل، بل يسألون لأجل العمل. وهكذا ينبغي لطالب العلم أنه إذا سأل يسأل عن شيء ينتفع به، ويكون قصده أن يعمل به. فقول عليه الصلاة والسلام: «من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، هذه موجب لدخول الجنة، وهو توحيد الله جل وعلا، والحذر والابتعاد عن الشرك. من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة، يعني مصيره إلى الجنة إذا مات ولم يكن مشركا، بل مات على التوحيد وعلى إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال: وحدثني أبو أيوب الغيلاني، سليمان بن عبيد الله، وحجاج بن الشاعر، قال: حدثنا عبد الملك بن عمر، قال: حدثنا قرة، عن أبي الزبير، قال: حدثنا جابر بن عبد الله، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من لقي الله لا يشرك به شيئا دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به دخل النار». قال أبو أيوب: قال أبو الزبير، عن جابر. قال: وحدثني إسحاق بن منصور، قال: أخبرنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن أبي الزبير، عن جابر، أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال بمثله. قال: وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن المعرور بن سويد، قال: سمعت أبا ذر يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أتاني جبريل عليه السلام فبشرني أنه من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة». قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق». قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق». قلت: وإن زنا وإن سرق؟ قال: «وإن زنا وإن سرق». ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر». قال: فخرج أبو ذر وهو يقول: «وإن رغم أنف أبي ذر». هذا حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه في إخبار النبي عليه الصلاة والسلام بأن من مات من أمته لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة. والمراد بأمته: أمة الإجابة، يعني من أجاب الإسلام والإيمان. لأن الأمة أمة النبي عليه الصلاة والسلام على قسمين: أمة الإجابة، وأمة الدعوة. فقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة»، يعني مصيره إلى الجنة وأنه من أهل الجنة إذا مات على التوحيد. قال أبو ذر رضي الله عنه: وإن زنا وإن سرق؟ يعني إذا كان عنده شيء من كبائر الذنوب كالزنا والسرقة. فأعادها النبي عليه الصلاة والسلام ثلاثا، ثم قال في الرابعة: «على رغم أنف أبي ذر». وهذا فيه أن الموحد مصيره إلى الجنة، وإن كان عنده شيء من كبائر الذنوب، فإنه تحت مشيئة الله. وهذا فيه رد على الخوارج والمعتزلة الذين يكفرون بالمعصية والكبيرة، وفيه أيضا رد على المرجئة الذين يقولون أن المؤمن إذا آمن فمهما عمل من ذنوب وخطايا فلا يضر هذا بإيمانه. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.