الدرس في كتاب الأشربة 1، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش تحريم كل ما هو مسكر واستدلالاته من الأحاديث النبوية، مع بيان الخلاف بين الجمهور والحنفية في تحريم الخمر والمشروبات المسكرة.
يشرح إباحة الانتباذ في جميع الأواني ما لم يكن مسكرًا، والنهي عن خلط أنواع من الفواكه لسرعة الإسكار، مع بيان الخلاف في حكم هذا النهي.
يتناول آراء العلماء في تخليل الخمر وترك النبيذ حتى يشتد، مع بيان رأي الجمهور في تحريم تخليل الخمر وإباحة شرب العصير قبل غليانه.
يشرح عادة النبي صلى الله عليه وسلم في الانتباذ في وقت والشرب في وقت لاحق، مستندًا إلى حديث عائشة رضي الله عنها.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد. قال الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى في كتاب الأشربة: "قال كله مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليل وحرام، ويجوز الانتباذ في جميع الأواني". طيب، الآن كتاب الأشربة غالبًا في كتاب الأشربة يتناولون تحريم شرب الخمر وما يسكر، وكذلك يذكرون آداب الشراب، وكذا وبعض الأشياء التي تتعلق بالشراب. وقد ألف الإمام أحمد كتاب الأشربة وذكر فيه مسألة الخمر، لأن هذه المسألة حصل فيها خلاف بين الجمهور وبين الحنفيين. فالحنفية عندهم وصول خاطئة معنا قد تؤدي إلى شرب الخمر، ولهذا قدم المؤلف هنا: "كل مسكر حرام، وما أسكر كثيره فقليل حرام". هذا "كل مسكر حرام" جاء به النص عن النبي عليه الصلاة والسلام في عدة أحاديث، منها حديث أبي هريرة، حديث عبد الله بن عمر، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام". فهذا يدل على شمول كل مسكر، كل مسكر خمر، وكل مسكر حرام. جاء في رواية: "كل خمر حرام". معنا كل هنا من ألفاظ العموم على ما تناولته من مشروبات، فكل ما أسكر فهو حرام. كل مسكر خمر، وكل خمر حرام، فكل ما تخمر فهو حرام، وسواء أسكر أو لم يسكر، وسواء كان من العنب أو من التمر أو من الزبيب أو من غيره من هذه الأصناف. وأما الحنفية فيقتصرون على أن الخمر يقولون التي لا تجوز إنما عصير العنب وعصير التمر، أنه إذا فعلت الخمر من العنب أو من التمر تكون خمرًا محرمة، وإذا فعلت من غيرها لا تكون خمرًا إلا إذا أسكرت. وهذا كلام غير صحيح، لأن الخمر جاء تحريمها مطلقًا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ﴾. فكل خمر حرام، كل ما تخمر من النباتات وغيرها أو من الفواكه والخضروات فهو يعتبر خمرًا لا يجوز أن يشرب أو يؤكل، وسواء كان هذا الخمر مشروبًا أو معقولًا. وأيضًا النقطة الثانية التي حصل فيها الخلاف، وهي أيضًا مضادة للحديث، فالحنفية عندهم لا يحرم الشراب إلا إذا أسكر، فإذا كان يؤدي إلى الإسكار عندهم لا يحرم، لا بد أن يكون يسكر. وهذا مخالف للحديث، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما أسكر كثيره فقليله حرام". ما أسكر كثيره فملء الكف منه حرام، فالذي يسكر إذا شربت منه كثيرًا فالقليل منه حرام. لكن كما قلنا عند الحنفية أنه لا يحرم إلا إذا كان يسكر، فكان شرب منه قليلًا أو كثيرًا، فإذا كان يسكر يقولون حرام، وإذا لم يسكر ليس بحرام. هذا أيضًا مخالف للدليل ومضاد للدليل، بل كل ما أسكر فهو حرام. ولهذا لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن نبيذ العسل، وهو البتع الذي كان يصنع في بلاده اليمن، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "كل شراب أسكر فهو حرام". كل شراب أسكر فهو حرام. ثم قال: "ويجوز الانتباذ في جميع الأواني". الانتباذ من النبذ وهو الرمي، ومعنى الانتباذ هو أن يرمي بشيء من المطعومات في الماء، أن تمرًا أو عنبًا أو زبيبًا، فأي فاكهة يرمي بها في الماء ويتركها لفترة من الزمن، فهذا يسمى نبيدًا. وقد كان الناس في زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم وما قبل وما بعد كان أكثر شرابهم النبيد. كان النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الأمر نهى عن الانتباذ في بعض الأواني، مثل ما جاء في حديث ابن عباس في وفد عبد القيس: "أنهاكم عن أربع، وأنهاكم عن أربع"، ومما نهى عنه قال: "أنهاكم عن المزفت والمقير والنقير". وهذه آنية كانت تصنع من الخشب، من خشب النخل وغيرها، أن ينحتونها على شكل آنية. ثم جاء من حديث بريدة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "كنت نهيتكم عن الانتباذ في بعض الأواني، ثم قال صلى الله عليه وسلم: إنما هو إناء لا يحل حرامًا ولا يحرم حلالًا". فلهذا قال عليه الصلاة والسلام: "فانبذوا في جميع الأواني إلا أن يكون مسكرًا". أن لكم أن تنبذوا في أي إناء، لكن لا يكون هذا الإناء الشراب مسكرًا. فأجاز النبي صلى الله عليه وسلم الانتباذ في جميع الأواني، لهذا قال المؤلف هنا: "ويجوز الانتباذ في جميع الأواني ما لم يكن مسكرًا". قال: "ولا يجوز انتباذ جنسين مختلطين". ومثل انتباذ الجنسين المختلطين معناها مثلًا تمر مع زبيب، أو تمر مع عنب، وغير ذلك من هذا الجمع والخلط بين الجنسين. فقد جاء في الصحيحين في حديث جابر أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ التمر والزبيب جميعًا، يوضع في إناء واحد تمر وزبيب معًا. وأيضًا نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبذ الرطب والبسر جميعًا، الرطب التمر الرطب، والبسر البسر التمر في بدايته، التمر معنى الأحمر والأصفر. فهذا لا ينتبذ مع التمر الرطب، ووجه النهي أن الانتباذ نوعين مختلط معنى نوعين متباينين يكون فيه إسراع في الإسكار. واختلف العلماء أولًا هل هذا النهي نسخ أو لم ينسخ؟ وأيضًا مسألة أخرى هل النهي للتنزيه أو للتحريم؟ فذهب المالكية أنه للتحريم. وأما الشافعية والحنابلة يقولون أنه ليس للتحريم وإنما للتنزيه، ولم يأت ما يدل على النسخ. والأصل في النهي التحريم، ولم يدل أو لم يأت ما يدل على جواز أو ما يدل على الرخصة في هذا الانتباذ المخلط في الانتباذ، فلهذا يبقى على النهي أنه لا يخلط نوعين معًا في إناء واحد، أن تمر مع زبيب أو تمر مع عنب أو عنب مع زبيب، مع أنه نوع واحد لكنه يختلف هذا يابس وهذا رطب، أيضًا رطب مع بسر وهكذا، فهذه الأشياء منهي عنها. وهذا إذا لم يكن مسكرًا، أما إذا أسكر فهو حرام كما تقدم. وأما تحريم تخليل الخمر، فقد جاء النهي عنها في حديث أن النبي عليه الصلاة والسلام سئل عن الخمر تتخذ خلًا، فقال: "لا". طيب، فهذا الحديث أو هذه المسألة، هذه المسألة مسألة تخليل الخمر عند الجمهور أنه لا يجوز. ثم اختلفوا في أمرين اختلفوا في بعض طرق التخليل، مثلًا التحويل من الضل إلى الشمس، من الشمس إلى الضل، تحويل الخمر أو تحويل النبيذ الذي يتخمر من الضل من الشمس إلى الضل، فهل يعتبر هذا من التخليل؟ فعند الشافعية لا يعتبر تخليلًا، وعند الحنابلة يعتبر تخليلًا، لأنه تدخل الإنسان. واتفقوا على أنه إذا تخللت بنفسها صارت حلالًا. واتفقوا على أنه إذا تخللت بنفسها لم يضع فيها أحد شيئًا ولا نقل شيئًا. لكن اختلفوا في النقل. وأما مثلًا المعالجة إذا عالجها بشيء حتى خللها، فهذا محرم عند الجمهور، هذا لا يجوز عندنا تخليلها بشيء من الأدوية أو من العلاجات أو غير هذا، متى إذا كانت خمرًا. قال: "ويجوز شرب العصير والنبيذ قبل غليانه" معنى قبل أن يكون خمرًا. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن ينبذ أكثر من ثلاثة أيام. فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن ينبذ، فجاء في حديث ابن عباس في مسلم أنه كان عليه الصلاة والسلام ينقع الزبيب فيشربه اليوم والغد وبعد الغد إلى مساء الثالثة، ثم يؤمر به فيسقى الخادم أو يهراق. فلهذا فلا يجوز أن يترك النبيذ حتى يشتد، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم بعد الثلاث. حتى جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه بعد ثلاث أيام يأخذه شيطان، هذا قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث من أحاديث عمر: "اشربه ما لم يأخذه شيطان". ثم قال: "وقيل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيه كم يأخذه شيطان؟ قال: ثلاث". وبعض العلم لم يجعل هذا التحديد من ناحية أنه هل هو المعتبر أم التغير؟ فالذي عليه أكثر العلم هو التغير، سواء كان ثلاث أيام أو أكثر، لأن هذا التغير يحدد بحسب البلاد، فيفرق بين البلاد الباردة والبلاد الحارة. فلهذا ما زاد على ثلاث أيام وهو لم يسكر، فعند كثير من العلم أنه جائز. لكن هذه الثلاثة هي مضنة التغير، بعد الثلاث مضنة التغير. ولهذا كان النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث عائشة: "كان ينتبذ لرسول الله صلى الله عليه وسلم غدوة، فإذا كان من العشي فتعشى شريبة على عشاء". أنه غدوة أي في الفجر ينبذ ويشربه في العشي، معنى بعد العصر أو العكس ينبذ من الليل وإذا أصبح شربه.