كتاب الصلاة 16

الدرس في كتاب الصلاة 16، ألقاها

الأوقات المنهي عن الصلاة فيها وتفاصيلها

نهى الشرع عن صلاة التطوع في أوقات معينة مثل بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، ومن طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح، وعند قيام الشمس في وسط السماء حتى تزول، وبعد صلاة العصر حتى تغرب الشمس. تُحصر هذه الأوقات في ثلاثة أوقات رئيسية.

حكمة النهي عن الصلاة في أوقات معينة

النهي عن الصلاة في أوقات معينة مثل عند طلوع الشمس، وبعد الفجر حتى ترتفع الشمس، وعند قيام قائم الظهيرة، وبعد العصر حتى تغرب الشمس، وعند الغروب، يعود إلى قطع التشبه بأهل الشرك الذين يعبدون الشمس. هناك استثناءات مثل قضاء السنن الرواتب وصلاة ذوات الأسباب.

أحكام قضاء الصلاة الفائتة في أوقات النهي

يجب أداء الفرائض متى تذكرها الإنسان، في أي وقت كان، حتى في أوقات النهي. من نام عن صلاة الفجر ولم يستيقظ إلا قبل طلوع الشمس بقليل، فعليه أن يصليها في ذلك الوقت. هذا الحكم يسري على من فاتته السنة كذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله حمدا كثيرا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قالوا: المسألة سابعة: الأوقات المنهي عن النافلة فيها. قالوا: هناك أوقات نهى عن صلاة التطوع فيها إلا ما استثنى، وهي أوقات خمسة، أي أوقات جاءت الأدلة الشرعية بالدلالة على النهي عن الصلاة فيها، وهي خمسة كما سيأتي، وتحصر هذه الخمسة في ثلاثة أوقات كما سيأتي بإذن الله جل وعلا. قالوا: الأول: من بعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس». وهذا أول أوقات النهي، من بعد الصلاة إذا صلى الإنسان صلاة الفجر، فالنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لا صلاة بعد صلاة الفجر حتى تطلع الشمس»، والحديث متفق عليه. الثاني: من طلوع الشمس حتى ترتفع قدر رمح في رأي العين، وهو قدر متر تقريبا، يعني الرمح يقدر بالمتر في هذه الأيام، أي برأي العين ارتفاع الشمس عن سطح الأرض يكون بهذا المقدار. قالوا: ويقدر بالوقت بحوالي ربع الساعة أو ثلثها، يعني هذا التقدير بين طلوع الشمس حتى ترتفع مقدار رمح. قالوا: فإذا ارتفعت الشمس بعد طلوعها قدر رمح، فقد انتهى وقت النهي، لقوله صلى الله عليه وسلم لعمر بن عبسة: «صلي صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس حتى ترتفع». فيصلي الإنسان ما تيسر من النافلة إلى طلوع الفجر، إذا طلع الفجر يصلي راتبة الفجر، ثم يقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس وترتفع قدر رمح، بعد ذلك يشرع له الصلاة. قالوا: والثالث: أي من الأوقات المنهي عنها عند قيام الشمس حتى تزول إلى جهة الغرب، ويدخل وقت الظهر، لحديث عقبة بن عامر: «ثلاث ساعات كان النبي صلى الله عليه وسلم ينهانا أن نصلي فيهن أو أن نقبر فيهن موتانا: حين تطلع الشمس بازغة حتى ترتفع، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول، وحين تضيف للغروب حتى تغرب». فالوقت الثالث كما ذكر: عند قيام الشمس، أي وقت الظهيرة قبل الزوال، حينما تكون الشمس في كبد السماء، ها هنا كذلك يكون وقتا من الأوقات المنهي عن الصلاة فيها حتى تزول عن كبد السماء، أذنى زوال، فيدخل حينها وقت صلاة الظهر، وحينها تشرع الصلاة، يشرع أن يصلي النافلة. قالوا: ومعنى «تتضيف للغروب»: تميل للغروب، تميل للغروب، أي عند ميلانها للغروب قبل الغروب بالشيء اليسير. قالوا: والرابع: من صلاة العصر، أي من بعد صلاة العصر إلى غروب الشمس، لقوله صلى الله عليه وسلم: «لا صلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد صلاة العصر حتى تغيب الشمس». هذا كذلك يدل على هذا المعنى. قالوا: والوقت الخامس: إذا شرعت في الغروب، أي إذا شرعت الشمس في الغروب. فتكون هذه الأوقات الخمسة محصورة في ثلاثة أوقات، وهي: من بعد صلاة الفجر حتى ترتفع الشمس قدر رمح، وحين يقوم قائم الظهيرة حتى تزول الشمس، ومن بعد صلاة العصر حتى يتم غروب الشمس. وقد ذكر العلماء أن ثلاثة من الأوقات النهي فيها للتحريم، وأن النهي جاء لذاته، ووقتا جاء النهي لغيره؛ لأنها وسيلة للتوصل إلى النهي عن تلك الأوقات التي نهى عنها لذاتها. فالثلاثة الأوقات: عند طلوع الشمس، عند طلوع الشمس، بعض أهل العلم قالوا: الكراهة تكون شديدة، وبعض أهل العلم ذهب إلى أنه لا تجوز الصلاة فيه، وهذا هو الأظهر في النهي. وقبله: من بعد الصلاة الفجر إلى وقت الطلوع، هذا منهي عنه، ولكن النهي عنه نهي وسيلة عن التوصل إلى الصلاة في وقت طلوع الشمس. قالوا: وكذلك عند غروبها، عند غروب الشمس، أي حينما تسقط الشمس للغروب، عند الغروب، هذا وقت الكراهة فيه شديد، ونص جماعة من أهل العلم بأنه محرم، بأن هذا الوقت النهي فيه للتحريم، وهو الأظهر. وما قبله: من بعد صلاة العصر، قالوا: كذلك يكون هذا النهي نهي لقطع التوصل عن الصلاة ما بين صلاة العصر، أي بعد صلاة العصر إلى وقت الغروب، حتى ما يصل في الوقت المنهي عنه. فالحاصل أن هذه أوقات خمسة، على أن وقت العصر، أي بعد صلاة العصر، مما وقع فيه الخلاف سلفا وخلفا بين المتقدمين وبين المتأخرين، أي هل يشرع التنفل بعد العصر، النوافل المطلقة؟ بعض أهل العلم ذهب إلى هذا المعنى إلى جواز ذلك، وجماعة من أهل العلم آخرين ذهبوا إلى المنع، ومنهم الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه. وفي هذا خلاف مشهور عند أهل العلم. قالوا: أما حكمة النهي عن الصلاة في هذه الأوقات، فقد بين النبي صلى الله عليه وسلم أن الكفار يعبدون الشمس عند طلوعها وعند غروبها، فيكون النهي عن الصلاة في هذه الأوقات قطعا لهذا المعنى، وقطعا لمادة التشبه بأهل الشرك. قالوا: فتكون صلاة المسلم في تلك الأوقات فيها مشابهة لهم. ففي حديث عمر بن عبسة قال: «فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». قال: «فإنها تغرب حين تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». إذن النهي عن هذين الوقتين لأجل هذا المعنى، لأن التعليل جاء من رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. قالوا: هذا عن وقت طلوع الشمس ووقت غروبها. وأما عن وقت ارتفاعها، أي وقت الظهيرة وقيام قائم الظهيرة، فقد بين صلى الله عليه وسلم علة النهي في الحديث السابق نفسه، فقال: «فإنه حينئذ تسجر جهنم»، يعني التعليل بهذا أن النهي عن الصلاة في وقت الظهيرة، حينما تكون الشمس في كبد السماء، لهذا المعنى؛ لأنه وقت تسجر فيه جهنم. قالوا: فلا تجوز صلاة التطوع في هذه الأوقات إلا ما ورد الدليل باستثنائه. كركعتي الطواف، لقوله صلى الله عليه وسلم: «يا بني عبد مناف، لا تمنعوا أحدا طاف بهذا البيت وصل فيه أي ساعة شاء من ليل أو نهار». وكذا قضاء سنة الفجر بعد صلاة الفجر، يعني جاء فيها حديث أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يصلي بعد الفجر ركعتين، فسأله عن ذلك، فقال: «لم أصلي ركعتين التي قبل صلاة الفجر، فصليتهما الآن». والحديث مختلف في تصحيحه وتضعيفه، والأظهر عدم ثبوته، والله أعلى وأعلم. وإن كان لا يثبت، فالمعنى صحيح، أي للإنسان أن يصلي ما فاتته ركعتا الفجر، أي سنة الفجر راتبة، نام عنها أو ما شابه ذلك، فإذا صلى الفجر في جماعة، له أن يصليها الركعتين بعد الصلاة، وله أن يصليها بعد أن تطلع الشمس قدر رمح. وقد كان ابن عمر رضي الله عنه يفعل ذلك، كان ابن عمر رضي الله عنه وأرضاه إذا فاتته سنة الفجر قضاها إذا ارتفعت الشمس بعد صلاة الفجر قدر رمح. قال: وقضاء سنة الظهر بعد العصر، ولا سيما إذا جمع الظهر مع العصر، يعني كذلك من فاتته سنة الظهر البعدية إن شغل أو نسي، فلو يصليها بعد صلاة العصر، لما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم ذلك. النبي صلى الله عليه وسلم صلى ركعتين بعد العصر، فلما رأته أم سلمة أرسلت إليه الجارية تسأله عن ذلك، فلما قضى صلاته، النبي صلى الله عليه وسلم أخبرها بأن أناس جاءوه فشغلوه عن الركعتين بعد صلاة الظهر، فصلاهما في ذلك الوقت. ففيه دلالة على مشروعية قضاء الراتبة في هذا الوقت. قالوا: ومعنى ذوات الأسباب: الصلاة المعلقة بسبب. ذوات الأسباب هي الصلوات التي معلقة بسبب، أي تصلى لسبب. قالوا: كالصلاة لجنازة، أي الصلاة لسبب الجنازة، وتحية المسجد، وصلاة الكسوف، وكذا قضاء الفرائض الفائتة في هذه الأوقات، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها إذا ذكرها». أي هذا في النوافل إن نسيها أو غيرها من الفرائض. عسى مثلا نام عن صلاة الفجر، ما استيقظ إلا قبل طلوع الشمس بقليل، ماذا يصنع؟ يصلي في هذا الوقت. وهكذا من فاتته السنة له أن يصلي كذلك في هذا الوقت. قالوا: ولأن الفرائض دين واجب الأداء، فتؤدى متى ذكرها الإنسان، أي في أي وقت يذكرها الإنسان، فإنها تصلى، والله أعلى وأعلم.

شاركنا على