المحاضرة بعنوان وصايا لقمان لأبنه، وكانت بمسجد عمر بن الخطاب بغيل باوزير الجمعة ١٧ رجب ١٤٣٥هـ ألقاها
يبدأ النص بوصية لقمان لابنه بعدم الشرك بالله وبر الوالدين، ويشرح أهمية توحيد الله. يُوضح أنواع الشرك الأكبر والأصغر وكيفية تجنبها.
يؤكد النص على أهمية بر الوالدين وطاعتهما، ويبين حقوقهما على الأبناء ويحذر من الإساءة إليهما. يشير إلى تعب الأم في الحمل والولادة وتربية الأولاد.
يوصي ببر الوالدين وطاعتهما ما لم يأمرا بمعصية الله، ويؤكد على أهمية إقامة الصلاة بشكل صحيح مع الجماعة. يحذر من عواقب إهمال الصلاة وتركها.
يُحذر من ضياع الصلاة واتباع الشهوات ويُشدد على أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. يُبين أن التوبة من الذنوب سبب لنجاة الأفراد والمجتمعات.
إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. أيها المسلمون، نحمد الله سبحانه وتعالى الذي يسرنا هذا اللقاء المبارك في هذا المسجد الطيب في مجلس من مجالس العلم والذكر، نتذاكر شيئا من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. في مثل هذه المجالس الطيبة التي يحبها الله سبحانه وتعالى تتنزل فيها السكينة وتحفها الملائكة ويذكر الله عز وجل من فيها. عباد الله، نتذاكر في هذا المجلس ما سمعنا في قول الله جل وعلا: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم﴾، ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير، وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليه ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون. يا بني إنها إن تكون مثقال حبة من خردل فتكون في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير، يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور، ولا تصعر خدك للناس ولا تمشي في الأرض مرحا إن الله لا يحب كل مختال فخور، واقصد في مشيك واغضض من صوتك إن أنكر الأصوات لصوت الحمير. هذه الوصية العظيمة التي أخبرنا الله سبحانه وتعالى بها من لقمان، أوصى بها ابنه. ولقمان اختلف أهل العلم هل هو نبي أو غير نبي، وأكثر العلماء على أنه ليس بنبي وإنما هو رجل صالح آتاه الله سبحانه وتعالى الحكمة. والحكمة هي معرفة الأحكام وحكم هذه الشريعة وأسرارها، ويلزم من ذلك أن يكون عنده علم، فالحكيم ومن عنده حكمة فإنه عنده علم بأحكام الشريعة. ولذلك فسر أهل العلم الحكمة بالعلم النافع والعمل الصالح. أوصى لقمان ابنه بهذه الوصايا العظيمة التي تشتمل على كبار وأصول وأهم مسائل الشريعة التي يحتاج لها المسلم. فبدأ بقوله: يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، نهاه وحذره من الشرك بالله سبحانه وتعالى، لأن الشرك بالله أعظم الظلم. وأظلم الظلم أن تجعل لله سبحانه وتعالى ندا وهو الذي خلقك جل وعلا. في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه أنه قال: قلت يا رسول الله أي ذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندا وهو خلقك». تجعل له ندا أي مثيل ونظير وشبيه تصرف له من العبادات والطاعات ما لا يصرف إلا لله. والله عز وجل هو الذي خلقك وهو الذي سواك وأوجدك وهو الذي أنعم عليك بالنعم، وهو الذي يستحق أن يعبد وحده. فكيف تصرف العبادة لغيره؟ هذا من الظلم أنك تصرف العبادة لغير من أوجدك ولغير من أمرك بعبادته وطاعته. الله جل وعلا هو الذي تفرد بخلقك وبإيجادك وبرزقك، وهكذا أيضا بالإنعام عليك وغير ذلك من الفضائل والنعم التي تفضل الله سبحانه وتعالى بها عليك. فهو الذي يستحق أن تكون العبادة له. يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم، وهذا يشمل كلا نوعي الشرك. فقوله: لظلم نكرة في سياق الإثبات، تفيد الإطلاق فيشمل الشرك الأكبر والشرك الأصغر. الشرك الأكبر الذي يخرج من الملة ويكون صاحبه خالدا مخلدا في نار جهنم عياذا بالله إن مات على هذا الشرك. كما قال الله جل وعلا: ﴿إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار﴾، وقال جل وعلا: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾. فمثل هذا الشرك كالذبح لغير الله واعتقاد النفع والضر في غير الله، ودعاء الأموات وهكذا الاستغاثة بهم، وهكذا كذلك الحلف بغير الله على وجه التعظيم، وهكذا النذر لغير الله، وتعليق الحروز والتمائم واعتقاد أنها تنفع وتضر بذاتها. أو كذلك الذهاب إلى السحرة والمشعوذين والكهنة وتصديقهم فيما يخبرون به، كل ذلك من الشرك الأكبر الذي يخرج صاحبه عن دائرة الإسلام. وهكذا صرف العبادات من السجود والخوف وكذلك التوكل والرهبة والخشية إلى غير ذلك من العبادات والطاعات، سواء كانت من أعمال القلوب أو من أعمال الجوارح. وهكذا كذلك الشرك الأصغر وهو كل ما كان وسيلة في الوقوع في الشرك الأكبر، كالحلف بغير الله من غير تعظيم، كمن يحلف بالأمانة أو برأس أمه أو بحياته أو بالكعبة أو بالنعمة أو بغير ذلك من المخلوقات. فإن هذا من الشرك الأصغر، أو كذلك تعليق الحروز والتمائم من غير اعتقاد النفع والضر وإنما هي سبب من الأسباب، فهذا من الشرك الأصغر. وهكذا أيضا كذلك كل ما كان وسيلة إلى الوقوع في الشرك الأكبر فهو من الشرك الأصغر، ويعتبر من أكبر الكبائر ومن الظلم العظيم الذي ينبغي للمسلم أن يحذره وأن يحرص على توحيده لله سبحانه وتعالى وإخلاص العبادة لله جل وعلا وحده. ثم قال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾، هذه الوصية الثانية، الوصية بالوالدين وبيان عظم حقهما. ووصينا الإنسان بوالديه أي عهدنا إليه وأكدنا عليه وأمرناه أن يحسن إلى والديه، يحسن إليهما في معاملتهما ويقوم ببرهما وطاعتهما. كما قال جل وعلا: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾، وقال: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾، وقال: ﴿وقضى ربك أن لا تعبد إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا. هكذا أمر الله جل وعلا بالإحسان إلى الوالدين وخاصة إذا كبرا في السن، فإنهما يحتاجان من العناية ما يكون أعظم من القيام بعنايتهما في حال قوتهما. فإنهما إذا كبرا في السن ضعفا واحتاجا إلى من يقوم بخدمتهما، ولذلك تأكدت أو أكد الله عز وجل القيام ببر الوالدين في مثل هذه الحال. إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف، وهذا إشارة إلى أنهما كبرا في السن كثرت مطالبهما وتعددت أوامرهما، فلذلك يحتاج من الولد أن يصبر عليهما وأن يتحملهما ولا يرد لهما أمرا. لا يقول لهما أف، أف كلمة مكونة من حرفين نهى الله سبحانه وتعالى أن يقول الولد لوالدي أف إذا أمراه بأمر أو طلب منه شيء. فلا يقول أف، فإذا كان التأفيف محرما فكيف بما هو أعظم من التأفيف؟ إذا قال: لا أفعل هذا أشد من قولي أف، وإذا قال: لا لا أريد كذلك هذا أشد. وهذا كما يسميه العلماء بقياس الأولى، إذا كان التأفيف وكلمة أف المكونة من حرفين لا يجوز فكيف بالكلمة المكونة من أربعة أو خمسة أحرف؟ هذا من باب أولى أن تكون منهيا عنها. فكيف برفع الصوت عليهما؟ فكيف بالاعتداء عليهما وضربهما؟ بما ربما قد يحصل من بعض الأبناء العاقين تجاه والديهما، ربما يعتدي الولد على والديه بالضرب، وكذلك بالبغي والاعتداء عياذا بالله. الله عز وجل يقول: ﴿فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما﴾، لا ترفع صوتك عليهما، وقل لهما قولا كريما قولا طيبا لينا سهلا. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة أي تواضع لهما وكن عندهما ذليلا، واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا، أدعو لهما أن الله عز وجل يرحمهما. أدعو لهما كما اعتنى بك في حال صغارك، شقيا عليك وأنت في المهد، ربما كانت الأم تنسح النجاسة منك وتسهب لنومك وتتعب لراحتك. ثم تعاملهما بهذه المعاملة السيئة؟ هم يحرصون على راحتك وسلامتك وعافيتك، وربما تحملوا المرض وتحملوا الشدة من أجلك. فهل جزاء الإحسان إلا الإحسان؟ فلا يكن حالك كحال من قال: جهدتك مولودا وعلتك يافعا تعل بما أجني عليك وتنهل. إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبد لسقمك إلا ساهرا أتم الملوك كأني أنا المطلوق دونك بالذي تركت به دوني فعما يتهمله تخاف الردى نفسي عليك وإنها لتعلم أن الموت حق مؤجل. فلما بلغت السن والآية التي لها إليها مدى ما كنت فيك أؤمل جعلت جزائي غلظة وفضاضة كأنك أنت المنعم المتفضل. هذا حال العاق الذي يعق والديه ويتعب الأب في تربية ولده في الإحسان إليه وهو يأمل إن كبر أن يضع عنه بعض هذا التعب الذي حصل منه. فإذا به يعامله معاملة سيئة ويترفع على والديه ويتكبر عليهما ويعاملهما بالإساءة. الله عز وجل يقول: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهنا على وهن﴾. أي مشقة على مشقة وتعب على تعب، الأم تتعب في ولدها منذ أن تحمل وهي في وحام وفي ثقل وفي مرض وفي تعب، ثم في الولادة والنفاس، ثم في الرضاع والتربية تعب فوق تعب ومشقة فوق مشقة. ولذلك جعل النبي صلى الله عليه وسلم للأم من الحقوق ما هو أضعاف ما للأب. في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: «أمك» قلت: ثم من؟ قال: «أمك» قلت: ثم من؟ قال: «أمك» قلت: ثم من؟ قال: «أبوك». انظروا جعل للأم ثلاثة حقوق، قال أهل العلم: وذلك لأن الأم تتعب في ولدها في حمله وفي ولادته وفي رضاعه وتربيته، فجعل لها ثلاثة حقوق على الأب. قال الله جل وعلا: ﴿وحمله وفصاله في عامين﴾، حمل وفصاله أي رضاعه في عامين. وسئل بهذه الآية عبد الله بن عباس حبر هذه الأمة رضي الله تعالى عنه غيره من السلف على أن أقل مدة الحمل ستة أشهر. مع قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾، مع أن الله عز وجل أخبر أن الرضاع مدته عامين كما في قوله جل وعلا: ﴿والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة﴾. فبقي من الثلاثين الشهر ستة أشهر هي أقل مدة الحمل. قال: ﴿أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾، اشكر نعمة الله سبحانه وتعالى، وكذلك اشكر لوالديك. أن ذلك كان سبب في وجودك في هذه الدنيا وما أحسن به إليك، فإن ذلك من تمام شكر الله سبحانه وتعالى. واعلم أن مصيرك أن ترجع إلى الله وأن يحاسبك الله جل وعلا على أعمالك. وما قمت به من طاعتهما أو من الإساءة إليهما فستجد جزاء ذلك عند الله سبحانه وتعالى. إن الإبن والولد مهما عمل لوالديه لا يستطيع أن يجزيهما أبدا. جاء في الصحيح من حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يجزي ولد والد إلا أن يجده مملوكا فيشتريه فيعتقه». لا يجزي ولد والد يعني مهما عمل من قيام طاعتهما وبرهما ما يستطيع أن يجزيهما إلا أن يجد أباه أو أمه مملوك عبدًا مملوكًا فيشتريه ثم يعتقه فيحرره. وفي الأدب المفرد للإمام البخاري رحمه الله أن ابن عمر بينما كان في الطواف إذ رأى رجلا من أهل اليمن وهو يحمل أمه على ظهره وقد طاف بها وسعى وهو حاملها على ظهره. ويقول: إني لها بعيرها المذلل إن أذعرت ركابها لن أذعر، ثم أتى إلى ابن عمر فقال: يا بن عمر أتراني قد جزيتها؟ يعني بهذا العمل طفت بها وسعيت وحملتها على ظهري هل قد جزيتها بما لها علي من البر؟ فقال ابن عمر: لا ولا زفرة واحدة من زفراتها، هذا الذي عملته كله لا يساوي زفرة واحدة حين ولدتك. هذا يؤكد عظم حق الأم. وهكذا أيضا في الأدب المفرد للإمام البخاري أن رجلا أتى عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما فقال له: إني خطبت امرأة فأبت أن تنكحني. قال: ثم خطبها غيري فرضيت فغرت عليها فقتلتها فهل لي من توبة؟ قال له بن عباس: هل عندك أم؟ قال: لا، قال: فأكفر من الاستغفار ومن التوبة ولنبت إلى الله. فلما ذهب قال له من كان عنده: لماذا سألته عن أمه؟ فقال ابن عباس: لا أعلم عملا أفضل من بر الأم، لا أعلم عملا أفضل من بر الأم. رأى رضي الله تعالى عنه أن بره لأمه يعتبر من أفضل الأعمال التي تعينه على تكفير مثل هذا الذنب وهو سفك الدم الحرام. قال الله جل وعلا: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حملته أمه وهناً على وهن وفصاله في عامين أن اشكر لي ولوالديك إلي المصير﴾. ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا واتبع سبيل من أناب إليه ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾. بعد أن أمر الله عز وجل وأخبر بعظم حق الوالدين ووجوه طاعتهما وبرهما، وأن ذلك كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن رضى الرب في رضى الوالدين. أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن رضى الرب في رضى الوالدين، إذا رضي عنك والداك رضي الله سبحانه وتعالى عنك، وإذا سخط عليك سخط الله جل وعلا عليك. هذا إذا لم يكن أمرهما فيما يكون معصية لله، وأما إن أمرك بمعصية فإنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، لو أمرك أن تكفر بالله أو أن تشرك بالله لم يجز لك أن تطعهما في ذلك. ﴿وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما﴾، لم يقل الله: فعقهما، وإنما قال: لا تطعهما، لكن لهم الإحسان، وصاحبهما في الدنيا معروفا حتى ولو كان كافرين. لو كان كافرين يجب أن تحسن إليهما لأنهما أبواك، لكن لا تطعهما في معصية الله. جاء في الصحيح أن أسماء بنت أبي بكر أتت النبي عليه الصلاة والسلام فقالت: يا رسول الله إن أمي جاءت لي راغبة. أي تريد شيء من متاع الدنيا وهي مشركة أفاصلها؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «صلي أمك» أمرها أن تصلها وأن تحسن إليها وأن تكون كونها كافرة لا يمنع ذلك من الإحسان إليها. لكن لا يطاع في معصية الله، إنما طاعة بالمعروف. ثم قال الله جل وعلا: ﴿واتبع سبيل من أناب إليه ثم إلي مرجعكم فأنبئكم بما كنتم تعملون﴾. وهذا فيه كذلك تحذير للعباد أن الله سبحانه وتعالى مطلع على أعمالهم، إن قاما بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهم فسيجدون أثر ذلك وثوابه عند الله. وإن ترك ما أوجب الله سبحانه وتعالى عليهما وعق والديهما فسيجدان ثواب ذلك عند الله. فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره. كل شيء محسوب عند الله سبحانه وتعالى كما قال الله جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وما تكون في شأن وما تتلون من قرآن ولا تعملون من عمل إلا كنا عليكم شهودا إذ تفيضون فيه﴾. فلا تظن أن الله عز وجل غافل عن عملك، وأن الله سبحانه وتعالى لا يعلم ما تفعله. فالله عز وجل لا تخفى عليه خافية سبحانه وتعالى. فلذلك ينبغي أن تحسن إلى والديك وأن تقوم بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك، وستجد أثر ذلك وثوابه عند الله سبحانه وتعالى. ثم قال الله عز وجل: ﴿يا بني إنها إن تك مثقال حبة من خردل فتكن في صخرة أو في السماوات أو في الأرض يأت بها الله إن الله لطيف خبير﴾. هذه الوصية فيها إعلام وإخبار بعظيم وسعة علم الله سبحانه وتعالى، وأن الإنسان إذا ظلم أحدا من الخلق فليعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه. وأن الله عز وجل لا يخفى عليه شيء. إن تك مثقال حبة من خردل وهي أصغر الأشياء في صخرة أي في وسط صخرة صماء أو في السماوات أو في الأرض في أي جهة من جهاتها يأت بها الله. لا تخفى على الله سبحانه وتعالى. إن الله لطيف خبير، فالله عز وجل لطيف خبير يعلم جل وعلا دقائق الأشياء ويعلم بواطن الأمور وسرائرها. لا يخفى عليه سبحانه وتعالى شيء. إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء. وقال جل وعلا: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور﴾. وهذه الوصية فيها إشارة إلى أنه ينبغي أن يراقب الله وأن يعلم أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه في سره وعلانيته وفي ظاهره وباطنه. فليحسن أعماله وليحسن أفعاله وليصلح أقواله وليعلم أن الله جل وعلا مطلع عليه. فلا يظن أنه إن خلا عن الناس أنه لن يراه أحد ولن يطلع عليه أحد. بل إن الله جل وعلا مطلع عليك. فلذلك ينبغي أن تحسن عملك وأن تخليص في أفعالك وأن تعلم أن الله جل وعلا معك أينما كنت. كما قال جل وعلا: ﴿وهو معكم أينما كنتم والله بما تعملون بصير﴾، وهذا يجعل في قلب العبد الخوف من الله ومراقبة الله سبحانه وتعالى. وإذا أيقن العبد بذلك كان ذلك سببا في إحسان أعماله وفي إصلاحها. ربما يقع في قلب الإنسان أن يأتي شيئا من المعاصي ويزين له الشيطان ذلك ويوسوس له. لكن إذا تذكر وعلم أن الله جل وعلا مطلع عليه فإن ذلك مما يجعل العبد يبتعد عما حرم الله، وكذلك يكون حاجزا في الوقوع في معصية الله سبحانه وتعالى. ثم قال: ﴿يا بني أقم الصلاة وأمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك إن ذلك من عزم الأمور﴾. أمره بعد ذلك وأوصاه بإقامة الصلاة، والصلاة كما نعلم من أعظم الواجبات وأفرض الفرائض وهي أعظم أركان هذا الدين بعد الشهادتين. أمر الله سبحانه وتعالى بها في آيات كثيرة، وأقم الصلاة إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا، إلى آخر ذلك من الآيات التي أمر الله سبحانه وتعالى بها بإقامة الصلاة. وإقامة الصلاة يشمل أمورا كثيرة منها إقامتها في أوقاتها، أن يصليها المرء في وقتها الذي حدده الشرع، ومنها كذلك أن يصليها بشروطها وأركانها وواجباتها. ليس المقصود أن تصلي فربما يصلي الإنسان وهو في حقيقة الأمر لم يصل، كم من الناس من ربما يصلي وهو يخل بأركان الصلاة، لا طمأنينة في الركوع ولا في السجود ولا في القيام من الركوع إلى آخر ذلك من مواضع الأركان التي يجب فيها الطمأنينة. فيكون حاله كحال المسيح في صلاته الذي قاله النبي عليه الصلاة والسلام: «صلي فإنك لم تصلي» يقول: أن صليت لكن هل أقام الصلاة كما أراد الله؟ الجواب: لا. لا بد أن تؤديها بشروطها وأركانها وواجباتها. وهكذا يستحب أن تأتي كذلك بسننها، وهذا يوجب على العبد أن يتعلم كيفية الصلاة كيف صلى النبي عليه الصلاة والسلام. كيف أصلي صلاة صحيحة كما أمر الله سبحانه وتعالى والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «صلوا كما رأيتموني أصلي»، وهذا من العلم الواجب الذي يجب على كل مسلم بعينه أن يتعلمه. حتى يؤدي هذه العبادة كما أمر الله سبحانه وتعالى. كذلك إقامتها في بيوت الله مع الجماعة، والله عز وجل يقول: ﴿واركعوا مع الراكعين﴾، ويقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه: «ولو أنكم تتخلفون عن الصلاة كما تركتم الصلاة في المسجد لضللتم عن هدي نبيكم». ثم قال: «ولقد رأيتني وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق» فيجب على المسلم أن يقيم هذه الصلاة بالمداومة على أدائها والمحافظة عليها. فهي أعظم أركان الإسلام ولا حظ للمرء إذا ترك الصلاة كما قال عمر رضي الله عنه: «لا حظ في الإسلام لمن ترك الصلاة». والله عز وجل يقول: ﴿فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فإخوانكم في الدين﴾، هذا منطوق الآية ومفهومها أنه إن لم يقيموا الصلاة فليسوا بإخوة لنا في الدين. وبهذا استدل من استدل من أهل العلم على كفر تارك الصلاة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة». وقال عليه الصلاة والسلام: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر» فاحذر أيها المسلم أن تلهيك شهوات الدنيا أن تلهيك عن إقامة الصلاة وأدائها كما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك. والله جل وعلا يقول: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا﴾، خلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة ما هو السبب؟ اتباع الشهوات. شهوات الدنيا إما من نوم وإما من لهو كمن يضيع الصلاة بسبب النوم ويجعل النوم عذرا وربما يستدل بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها». ما شاء الله فقر يضيع الصلاة بحجة النوم وهذا لا شك أنه لا حجة فيه لأن هذا في حق من حصل منه ذلك من غير قصد هو يريد أن يصلي ويريد أن يقوم لكن غلبته عيناه فلم يشعر بوقت الصلاة. أما إن جعل ذلك دينا ثم يستدل بالحديث فلا حجة له فيه. أو كذلك باللهو يجلس يلهو ويضيع الصلاة أو يجلس حتى يشاهد التلفاز والنظر في وسائل الإعلام في المسلسلات والأفلام وغيرها. وهكذا ربما يسهر في الليل ثم ينام في نصف الليل أو قرب الفجر ويضيع الصلاة أو كذلك أيضا مشاغل الدنيا البيع والشراء وما يجلس بتجارته وفي دكانه حتى يخرج وقت الصلاة. هذه كلها من شهوات الدنيا التي حذر الله سبحانه وتعالى منها. ﴿واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا﴾. فإذا تاب الإنسان ورجع إلى الله سبحانه وتعالى تاب الله سبحانه وتعالى عليه. قال بعد ذلك: ﴿وأمر بالمعروف وانه عن المنكر﴾، أمره بهذا الواجب العظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. المعروف ما عرفه الشرع وأحبه وحث عليه والمنكر ما أنكره الشرع وحذر منه وذمه. فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات العظيمة التي يحصل بها قوام هذا الدين. ويحصل الخير فيها للمجتمعات بحصول الخير والأمر به والتحذير من الشر وكذلك النهي عنه. والله جل وعلا يقول: ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله﴾. فقيام هذا الواجب العظيم فيه سلامة الناس جميعا كما أن تركه سبب لهلاك الناس جميعا. والله عز وجل يقول: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾. لا تصيب من فعل الظلم ووقع الظلم خاصة بل تعم الجميع إذا لم يقم المصلحون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله يقول: ﴿وما كان ربك ليهلك القرى بظلم وأهلها مصلحون﴾. لم يقل: صالحون، لا يكفي صلاح النفس بل ينبغي إصلاح الآخرين وذلك بقيامهم بهذه الشريعة العظيمة لأن ذلك سبب لاستقامتهم وسبب لتركهم للشر. وكذلك سبب لحصول الخير لهم جميعا. وفي الصحيح عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «مثل القائم في حدود الله والواقع فيها». هذا المثل يبين به النبي عليه الصلاة والسلام مدى أهمية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. مثل القائم في حدود الله والواقع فيها أي الذي يقوم بما أوجب الله ويأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. والذي يرتكب المنكر أو يرى من يرتكبه ولا يبالي. قال: «كمثل قوم استهموا على سفينة فكان قوم في أعلاها وقوم في أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا أرادوا أن يستقوا الماء إذا أرادوا أن يأتوا بالماء مروا على من فوقهم». فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذي من فوقنا بدل أن نصعد إلى أعلى السفينة ونؤذي من فوق نجعل خرقا في أسفل السفينة ويأتينا الماء من الأسفل. قال عليه الصلاة والسلام: «لو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعا ولو أخذوا بأيديهم لنجوا ونجوا جميعا» وهذا مثل فيمن يقومون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. إن قيامهم لهذا الواجب العظيم سبب لنجاة الجميع سبب نجاة جميع الناس من عذاب الله ومن عقاب الله ومن تصليط الله للأعداء على أهل الإسلام. فإن المعاصي سبب عظيم للمذلة والهوان وتصليط الأعداء عليهم. فإذا قام المصلحون بهذا الواجب العظيم حصل الخير للجميع. وإن سكتوا وجعلوا المعاصي تنتشر والذنوب تتكاثر والمنكر يفعلون ما شاء لا منكر عليهم ولا كذلك محذر منهم كان ذلك سببا في حصول البلاء على الجميع. فيهلك الجميع كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام في هذا المثل العظيم: «لنجوا ونجوا جميعا ولو تركوهم وما أرادوا لهلكوا جميعا». وسمعنا قول الله عز وجل: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة﴾، وانظروا إلى هذا المثل عادوا انظروا إلى في قصص أصحاب السبت من بني إسرائيل. قال الله عز وجل: ﴿واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر إذ يعدون في السبت إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعا ويوم لا يسبتون لا تأتيهم كذلك يمتنعون بما كانوا يفسقون﴾. الله عز وجل ابتلاهم أن تأتي الحيتان والأسماك في يوم السبت شرعا أي على ظهر الماء كثيرة وهم ممنوعون من الاصطياد في هذا اليوم يوم السبت. ويوم لا يسبتون لا تأتيهم في غير السبت ما في شئ ولا سمك. كذلك يمتنعون بما كانوا يفسقون فتحايلوا على شرع الله فأتوا بالشباك فوضعوها يوم الجمعة وأخرجوها يوم الأحد. تحايل على ما نهى الله سبحانه وتعالى عنه. وهذا حال كثير من الناس اليوم من يتحايل على الحرام بأنواع الحيل في باب الربا وفي البيوع أنواع من الغش والخداع والتحايل. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا ترتكبوا ما ارتكبت يهود فتستحلون ما حرم الله بأدنى الحيل». قال الله عز وجل: ﴿وإن قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. الناس كانوا في هذا الموقف على قسمين قسم أنكر عليهم وحذرهم من مخالفة أمر الله ومن التحايل على أمر الله سبحانه وتعالى. وقسم سكتوا لم ينكروا عليهم وقالوا: دعوهم وشأنهم. فأخبر الله سبحانه وتعالى أنه نجى من أنكر عليهم. قال: ﴿قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون﴾. فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخبر الله أنه أنجى ونجى من أنكر عليهم وأمر بالمعروف ونهى عن المنكر. وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون. وأخبر بنزول العقوبة والعذاب على من ارتكب ما حرم الله وسكت عن القسم الثالث الذي سكت ولم ينكر. وذكر بعض أهل العلم أنهم يلحقون بمن فعل المنكر لأن الساكت عن المنكر على المنكر كالفاعل كالفاعل. لذلك يلحقه الإثم. وهذا مما يؤكد أهمية هذا الواجب العظيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. والله عز وجل وصف أهل الإيمان وأثنى عليهم بقيامهم به