فوائد التوبة

المحاضرة بعنوان فوائد التوبة، وكانت بمسجد الفاروق بمنطقة المعيان ١١ جمادى الآخر ١٤٣٥هـ ألقاها

وجوب التوبة وأهميتها في حياة المسلم

يجب على المسلم أن يتوب إلى ربه ويستغفره، لأن العبد معرض للخلل والزلل، والتوبة تمحو الذنوب مهما عظمت. الله سبحانه وتعالى يحب من عبده أن يتوب إليه ويغفر له.

شروط التوبة الصادقة والصحيحة

التوبة الصادقة تتطلب الندم على الذنب، العزم على عدم العودة، والإقلاع عن المعصية، كما يشترط أن تكون قبل نزول الموت وقبل طلوع الشمس من مغربها. يجب إرجاع الحقوق إلى أصحابها إذا كانت التوبة تتعلق بحقوق الخلق.

تطبيق شروط التوبة في مختلف الحالات

التوبة من الذنوب تتطلب إعادة الحقوق إلى أصحابها أو طلب العفو منهم، كما تتضمن الإنفاق بنية الصدقة إذا كان صاحب المال مجهولًا. يجب تمكين أصحاب الحقوق من القصاص أو الدية إذا كان الذنب يتعلق بالدماء.

  • 12 جمادى الآخرة 1435هـ - 12/04/2014مـ
التفريغ النصي الكامل

في آتِ أعمالنا من يهدِه الله فلا مُضِلَّ له ومن يُضلِل فلا هادي له، وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهدُ أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشرَّ الأمور مُحدثاتُها، وكل مُحدثةٍ بدعة، وكل بدعةٍ ضلالة، وكل ضلالةٍ في النار. أيها الآباء الأفاضل والإخوة الكرام، نحمدُ الله سبحانه وتعالى الذي وفَّقنا للجلوس في هذه المجالس المُباركة، مجالس العلم ومجالس الذكر، التي هي أحبُّ المجالس إلى الله سبحانه وتعالى. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أحبُّ البقاع إلى الله مساجِدُها، وأبغَضُها أسواقُها». فهذه من نعم الله التي يوفِّق الله عز وجل من شاء من عباده أن يكون من أهلها، ومن من يشهدُها ويحضُرُها. سمعنا أن موضوع الكلمة هي عن التوبة، والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾، ويقول الله عز وجل: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾. وهذا أمر من الله سبحانه وتعالى لعباده بالتوبة، والأصل في الأمر أنه للوجوب، فيدل على وجوب التوبة إلى الله، وأنه يجب على المسلم أن يتوب إلى ربه، وأن يستغفره، وأن يُنيب إليه. فإن العبد مهما بلغت عبادته وطاعته واستقامته، لا بد أن يحصل منه الخلل، وأن يحصل منه الزلل، وأن يقع في الخطأ، فيحتاج إلى التوبة إلى ربه سبحانه وتعالى. وفي صحيح الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لو لم تُذْنِبُوا لَذَهَبَ اللَّهُ بِكُمْ وَلَجَاءَ بِقَوْمٍ آخَرِينَ يُذْنِبُونَ فَيَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ فَيَغْفِرُ لَهُمْ». ومعنى الحديث أن الذنب لا بد أن يقع؛ لأن الإنسان غير معصوم، فلذلك لا بد أن يحصل منه التقصير، والواجب أن يُبادِر بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى. ولذلك مدح الله سبحانه وتعالى عباده المؤمنين بأنهم يتوبون إلى ربهم سبحانه وتعالى إذا أخطأوا وإذا أذنبوا. قال الله جل وعلا: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾. الذين ينفقون في السراء والضراء، والكاظمين الغيظ، والعافين عن الناس، والله يحب المحسنين، والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم، ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾. ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا وهم يعلمون. هكذا أثنى الله سبحانه وتعالى على عباده المُتَّقين أنهم إذا وقعوا في الذنب ووقعوا في الخطأ بادروا بالتوبة إلى الله. فكون العبد يقع في شيء من الذنوب ليس معنى هذا أنه على غير استقامة أو أنه منحرف أو ظالم، إذا كان رجوعه إلى الله سبحانه وتعالى سريعًا. سرعان ما يتوب ويرجع إلى ربه؛ لأن الله عز وجل أثنى على عباده المُتَّقين بهذا الثناء، وأنهم إذا وقعوا في الذنب سارعوا بالتوبة، ولم يُصِرُّوا على ما فعلوا أي من الذنوب. بل يُبادِرون بالتوبة إلى الله سبحانه وتعالى، وتضرُّع بين يديه عز وجل، واستغفارهم لله جل وعلا. والله جل وعلا يُحِبُّ من عبده أن يتوب إليه، وقد سمَّى نفسه جل وعلا التواب والغفَّار لكثرة توبته ومغفرته لعباده. ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. فالله كثير المغفرة، وكثير التوبة، حتى على الكافر الذي كفر بالله، والذي أشرك بالله، لو تاب إلى الله لتاب الله سبحانه وتعالى عليه. يقول الله عز وجل عن النصارى الذين كفروا بالله جل وعلا وجعلوه ثالث ثلاثة: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. هكذا يأمرهم الله بالتوبة مع قولهم على الله جل وعلا هذا القول الشنيع، ومع ذلك يُخبر الله أن عليهم التوبة، وإن تابوا تاب الله سبحانه وتعالى عليهم. إذا كان هذا في حق الكافر، فكيف بالمسلم الذي يوحِّد الله جل وعلا، والذي يعتقد ربوبية الله وألوهيته، ويوحده في أسماء وصفاته، إذا وقع منه الخطأ ووقع منه الذنب ووقع منه الزلل، إذا تاب إلى الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه. مهما عظمَت ذنوبَه ومهما كثُرَت سيِّئاته، فإن الله جل وعلا كثيرُ التوبة والمغفرة. ولذلك يقول الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. انظر إلى هذا العذاب وإلى هذه العقوبة العظيمة، ذنوب عظيمة، دعاء غير الله جل وعلا شركٌ بالله، قتلٌ للنفس المحرَّمة التي هي من كبائر الذنوب. والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾. ﴿وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾. لا يرتكبون الزِّنا، وهي كذلك من الفواحش العظيمة. ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾. ثم أخبر ما يترتب على ذلك من العقوبة. ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا﴾. يخلد في العذاب في النار والجحيم مهانًا ذليلًا حقيرًا صغيرًا. ثم استثنى الله عز وجل بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. ما أعظم هذه الذنوب، اجتمعت على كبائر من كبائر الذنوب، ومع ذلك إذا تاب صاحبها ورجع إلى الله وآمن وأخلص في إيمانه وأحسن في عمله، فإن الله عز وجل يُبَدِّلُ سيِّئاتِهِ حَسَنَات. ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، أي أن الله عز وجل دائم المغفرة والرحمة. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. هذا خطاب من الله جل وعلا لعباده، وهو يشمل المسلم والكافر، فالكل عبيدٌ لله سبحانه وتعالى. ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. لا يُصيبكم اليأس، ولا يُصيبكم القنوط من رحمة الله؛ فإن رحمة الله عز وجل واسعة. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن ناسًا من أهل الشرك أتوا النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا قد زنوا فأكثروا، وقتلوا فأكثروا. فقالوا: يا محمد، إن الذي تدعو إليه لحسن، لو تُخبرنا أن لما فعلنا كفارة. فأنزل الله عز وجل قوله: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾. وانظر إلى عظيم مغفرة الله سبحانه وتعالى، وإن كبرت الذنوب وعظمت، فإن العبد إذا تاب إلى الله جل وعلا، فإن الله سبحانه وتعالى يتوب عليه. بل إن الله عز وجل يأمرنا بذلك، ويحب من عبده أن يتوب. في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: «يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرمًا، فلا تظالموا». «يا عبادي كلكم جائعٌ إلا من أطعمته، فاستطعموني أطعمكم». «يا عبادي كلكم عارٍ إلا من كسوته، فاستكسوني أكسكم». «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار، وأنا أغفر الذنوب جميعًا، فاستغفروني أغفر لكم». انظر إلى عظيم عفو الله سبحانه وتعالى، هذا الخطاب والنداء من ربك جل وعلا ينادي الله جل وعلا به عباده. «يا عبادي إنكم تخطئون بالليل والنهار»، ما يمر عليك ربما ليلٌ من الليل إلا وتقع فيه في خطأ، وهكذا لا يصبح عليك نهار إلا وتقع فيه في خطأ. تخطئ بالليل والنهار، والله جل وعلا يغفر الذنوب، فاستغفره وتب إليه. «فاستغفروني أغفر لكم». الله عز وجل يأمرك ويطلب منك أن تستغفره، وأنت توب إليه، فإذا فعلت ذلك تاب الله جل وعلا عليك. في حديث أنس عند الإمام الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله عز وجل: «يا ابن آدم لو أتيتني بقراب الأرض خطايا، ثم لقيتني لا تشرك بي شيئًا، لأتيتك بقرابها مغفرة». «يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء، ثم استغفرتني، لغفرت لك». لو بلغت ذنوبك عنان السماء، أي علت إلى أعلى السماء وكثرت. ثم استغفرت الله، لغفرها الله سبحانه وتعالى لك. فلذلك ينبغي للمسلم أن يكثر من التوبة، أن يتوب إلى ربه سبحانه وتعالى، وكذلك أيضاً أن توجد في توبته شروط التوبة التي بها تصح، وبها يقبلها الله سبحانه وتعالى. ومنها أن تكون التوبة توبة صادقة، توبة صادقة، والتوبة الصادقة هي التي يندم فيها صاحبها على ما وقع منه من الذنوب. يندم ندمًا عظيمًا، ويعزم أنه لا يرجع إلى هذا الذنب، يكون عنده عزم ونية صادقة أنه لا يرجع إلى هذا الذنب. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾. هذه التوبة الصادقة، التوبة النصوح، توبة يندم فيها على ما فعل، وعلى ما وقع منه من الذنوب، فيبكي ويتضرَّع بين يدي ربه وخالقه. ويعزم أنه لا يعود إلى هذا الذنب، لا يتوب في لسانه وهو في قلبه عنده نية أنه يرجع إلى فعل هذا الذنب. فهذه التوبة ما تنفع، ليست بتوبة نصوح، وليست بتوبة صادقة. كحال بعض المسلمين هداهم الله، إذا جاء رمضان فإنه يُقبل على الخير، على الصلاة، وعلى تلاوة القرآن، وعلى حضور مجالس الذكر، وجلوس في بيوت الله. وهذا لا شك أنه أمر طيب وحسن، لكن المصيبة إذا كان في قلبه أنه إذا انتهى رمضان انتهت هذه التوبة. هذه التوبة ما تنفع، لا تنفع صاحبها؛ لأنها ليست بنصوح، ليست بتوبة صادقة. لابد أن يُقلِع من الذنب، وأن يندم، وأن يعزم أن لا يعود إليه. كذلك أيضاً أن يُقلِع عن المعصية، ما يقول أنا أتوب إلى الله من الزنا وهو يرتكب الزنا ويفعله. أو أتوب إلى الله من أكل القات وهو مخزن يُقَزِّن ويقول أنا أتوب، أنا تائب إلى الله، والقات في فمه مثل الخلاطة. هذه ما تنفع، أين الإقلاع من الذنب؟ أين ترك هذه المعصية؟ لابد من تركها والإقلاع عنها، والعزم ألا تعود إليها. والإنسان إذا ترك الذنب وتاب إلى الله صار عمله هذا من الأعمال الصالحة. صار من الأعمال الصالحة إذا تركه لله سبحانه وتعالى. انظروا إلى قصة أولئك الثلاثة من بني إسرائيل الذين أخبر بهم النبي عليه الصلاة والسلام حين دخلوا الغار فانسدَّ عليهم بصخرة عظيمة. فتوسَّل كل واحد منهم بعمل من الأعمال الصالحة التي عملها. فكان من أحدهم أن قال: «اللهم إنه كان لي ابنة عم، وكنت أحبها كأحب ما يحب الرجال النساء، فراودتها عن نفسها فامتنعت». «ثم ألمت بها سنة من السنين» أي أصابها حاجة وشدة، فأتت إليه، فأعطاها عشرين ومئة دينار على أن تخلِّ بينه وبين نفسه. «قال ففعلت»، رأت أنها مضطرة، وهي مخطئة في ذلك. «قال فلما جلست بين رجليها قالت: اتَّقِ اللَّه وَلَا تَفُضَّ الْخَاتَمَ إِلَّا بِحَقِّهِ» أي بالنكاح الشرعي. فلما قال تلك الكلمات كان لها أثر عظيم في قلبه، فقام عنها، قام عنها وقد قدر عليها. «قال اللهم إن كنتُ فعلتُ ذلك ابتغاء وجهك، ففرج عنا ما نحن فيه». «فانفرجت عنهم الصخرة». انظروا كيف صار هذا العمل عملًا صالحًا؛ لأنه ترك هذا الأمر المحرَّم لله سبحانه وتعالى. وهكذا التائب إذا تاب من الذنب وتركه لله، خوفًا من الله ورجاء ثواب الله، وإرادة ما عند الله، فإن الله سبحانه وتعالى يجعل من هذه التوبة عملًا صالحًا لصاحبها. وقد سمعنا قول الله جل وعلا: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾. وفي حديث أبي هريرة في الصحيح أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «أذنب عبد ذنبًا، فقال الله عز وجل: أذنب عبدي، فعلم أن له ربًا يغفر الذنوب، فقد غفرت لعبدي». «فليفعل عبدي ما شاء، فقد غفرت لعبدي». قال: «ثم تاب، ثم عاد فأذنب، ثم تاب». فقال الله عز وجل: «لقد أذنب عبدي ذنبًا، وعلم أن له ربًا يغفر الذنوب، فقد غفرت لذنبي، ثم لعبدي». قال: «ثم عاد فأذنب، ثم تاب». فقال الله عز وجل: «لقد غفرت لعبدي، فليفعل عبدي ما شاء». ومعنى الحديث أن العبد إذا أذنب ثم تاب إلى الله توبة صادقة، ثم حصل منه الخلل، فوقع في الذنب، ثم تاب إلى الله، فإن الله عز وجل يتوب عليه. مدام أن التوبة توبة صادقة، هو عنده النية الصادقة، والعزم أن لا يعود. فإذا حصل منه أن عاد ووقع في الذنب، فعليه أن يتوب، وأن يرجع إلى الله سبحانه وتعالى، ويستمر في التوبة، ويجاهد نفسه في البعد عن المعصية والذنب. ومن شروط التوبة أيضاً أن تكون التوبة في حال الصحة والعافية، قبل نزول الموت. قبل نزول الموت، وأما إذا نزل الموت فإن التوبة لا تقبل ولا تنفع. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾. التوبة عند الموت ما تنفع. حتى إذا حضر أحدهم الموت، قال: إني تبت الآن، الآن أتوب وأرجع إلى الله، ما تنفع. وفي صحيح البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر». يعني ما لم تبلغ الروح الحلقوم، وأما إذا بلغت الحلقوم فلا توبة. ولذلك أخبر الله سبحانه وتعالى عما حصل لفرعون الطاغية الجبار الذي تكبر، وادعى الأربوبية والألوهية. قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾. وقال كما أخبر الله سبحانه وتعالى: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾. نفى وجود الله سبحانه وتعالى، وادعى أنه هو الرب، وهو الإله. ومع ذلك لما نزل به الموت، وأيقن بمفارقة الدنيا، آمن بالله جل وعلا، لكن هل نفعت هذه التوبة وهذا الإيمان؟ الجواب لا. قال الله عز وجل: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾. انظروا بالأمس يقول: ما في إله، وليس هناك رب، ما أعلم لكم إله غيري، أنا الإله. والآن يقول: أؤمن بهذا الرب الذي آمن به بنو إسرائيل، وأنا من المسلمين. قال الله عز وجل: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ﴾. الآن تؤمن، ما ينفع هذا الإيمان. قال: الآن طيب، أين تلك الحجج والبراهين والآيات التي أتاك بها موسى؟ تسع آيات، أيده الله سبحانه وتعالى بها. فاستكبرت وترفعت، وأبيت أن تؤمن، حتى إذا أدركك الغرق والهلاك تريد أن تؤمن بالله سبحانه وتعالى. هذا الإيمان لا ينفع؛ لأنه قد فات وقت التوبة. إذن فمن شروط التوبة أن تكون في حال الصحة، وفي حال الحياة، قبل نزول الموت. وهذا مما يجعل المسلم يحرص على التوبة إلى الله سبحانه وتعالى في سائر أوقاته، وفي سائر أحواله؛ لأنه لا يدري متى يأتيه الموت. النبي عليه الصلاة والسلام كان يستغفر الله في اليوم مئة مرة، كما جاء في الصحيح عن أبي هريرة. وكان كذلك ربما استغفر في اليوم سبعين مرة، كما في حديث الأغر في صحيح الإمام مسلم. وهو رسول الله صلى الله عليه وسلم، خير خلق الله، الذي غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. وهو يستغفر الله في اليوم مئة مرة، فكيف بنا نحن أهل التقصير، وأهل الذنوب والخطايا؟ لا شك أننا أولى وأحرى أن نكثر من التوبة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى. والإنسان ما يدري متى ينزل به الموت، ربما ما يصبح عليك الصباح إلا وقد انتقلت من هذه الدنيا. هل تبت إلى الله؟ هل أقلعت عن الذنوب والخطايا؟ فالإنسان كثير الأماني، وكثير الطموح، واليوم يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري: «يكبر من آدم، ويكبر معه اثنان: حب الدنيا، وطول الأمل». الإنسان يكبر، يكبر في السن، وفي العمر، وهذان الأمران يكبران معه: حب الدنيا، التعلق بها، وطول الأمل، عنده أمل طويل أنه سيعيش، وسيعمر، وسيفعل. وما يدري إلا ونزل به الموت، فحال بينه وبين ما يريد. والنبي عليه الصلاة والسلام أخبر بأن الإنسان ربما يأتيه الموت فجأة، يأتيه الموت فجأة من غير تقدم أسباب من المرض والأسقام. كما قال عليه الصلاة والسلام: «موت الفجأة أخذة أسف». أي أخذة غضب، أخذة أسف، جاء في رواية: «على الكافر أو الفاجر، ورحمة للمؤمن». والحديث صححه الشيخ الألباني رحمه الله في صحيح الجامع. فموت الفجأة ربما ينزل على الإنسان فجأة، وهو في غاية الصحة، وفي غاية القوة، وفي غاية السلامة من الأمراض والأسقام. لكن قد انتهى عمره، وانتهى أجله، فيأتيه الموت فجأة. طيب هل عندك فرصة هنا للتوبة؟ الجواب لا. إذا لم يكن الإنسان مستعدًا في سائر وقته، وفي سائر أحواله أن يراقب الله سبحانه وتعالى، ويحاسب نفسه، ويكثر من التوبة إلى الله جل وعلا. فإنه إذا أتاه الموت وهو على هذا الحال دائمًا يتوب، ويستغفر الله، ويذكر الله، فإنه إن نزل به الموت نزل وهو على استعداد للقاء الله. ويكون له الموت رحمة من الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضاً يحب لقاء ربه المؤمن إذا نزل به الموت، وهو على استعداد بقيامه بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليه، وبعده عما حرم الله جل وعلا. فإنه يفرح بلقاء الله سبحانه وتعالى، بخلاف المفرط والمضيع، المنهمك في الشهوات، والمنهمك في الملذات، والمنهمك في المحرمات. الغافل عن ذكر الله، والغافل عن طاعة الله، فإن هذا إذا نزل به الموت يكره لقاء الله سبحانه وتعالى. وما أعظمها من مصيبة أن يكره العبد لقاء ربه سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الصحيح من حديث عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه». قالت عائشة رضي الله عنها: يا رسول الله، أكراهية الموت؟ فكلنا يكره الموت. هل المراد هي كراهية الموت؟ وأن الإنسان يكره الموت، فما من أحد منا إلا وهو يكره الموت، يبتعد من الموت، ويكره أن يصيبه الموت. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يا عائشة، ولكن المؤمن إذا نزل به الموت، فبشر برضوان الله ورحمته، أحب لقاء الله، فأحب الله لقاءه». «وأما الفاجر إذا نزل به الموت، وبشر بعذاب الله وسخطه، كره لقاء الله، فكره الله لقاءه». هذا بسبب التفريط، وعدم التوبة إلى الله سبحانه وتعالى. فإنه إذا نزل به الموت صار على هذا الحال المخزي، عياذًا بالله. نسأل الله عز وجل أن يجعلنا وإياكم من أهل الإيمان والتقوى. فكذلك أيضاً من شروط التوبة أن تكون قبل طلوع الشمس من مغربها. فالله جل وعلا يقول: ﴿يَوْمَ يَأْتِي لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾. هذا اليوم هو يوم طلوع الشمس من مغربها. جاء في الصحيحين من حديث أبي ذر وغيره من الصحابة رضوان الله عليهم أن النبي عليه الصلاة والسلام سأله حين غربت الشمس. فقال: «يا أبا ذر، أين تذهب هذه الشمس؟» قال: الله ورسوله أعلم. قال: «إنها تذهب، فتسجد تحت العرش، فيقال: أتعودي من حيث جئت؟ فتبقى كذلك حتى يأذن الله عز وجل بطلوعها من مغربها». «حتى إذا أذن الله عز وجل بطلوعها من مغربها، قيل لها: ارجعي من حيث جئت». «فإنها تطلع من مغربها». «فإذا رآها الناس آمنوا أجمعون». كل الناس، وكل الخلق في ذلك الموقف يؤمن: اليهود، والنصارى، وغيرهم. قال: «فإذا رأوها آمنوا أجمعون، فذلك يوم لا ينفع نفسًا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيرًا». وفي السنن قال عليه الصلاة والسلام: «يقبل الله توبة العبد ما لم تطلع الشمس من مغربها». إذا لابد أن تكون التوبة قبل يوم القيامة، وقبل طلوع الشمس من مغربها. كذلك أيضاً إن كانت تتعلق بحقوق الخلق، فإن الذنب على قسمين: ذنب بين العبد وبين ربه، وذنب بين العبد وبين عباد الله، وبين خلق الله. فإنه يتوب إلى الله سبحانه وتعالى توبة صادقة نصوحة، والله جل وعلا يغفر له. وأما إن كان الذنب بينه وبين الخلق، فلابد من إرجاع هذه الحقوق إلى أصحابها. فإن كان الذنب ظلمًا في مال، فيرجع هذا المال لصاحبه، يرجع هذا المال لصاحبه إن كان يعلمه، يرجع المال له، سواء أرسله مباشرة أو بواسطة. وإن كان لا يعلم صاحب المال، فإنه ينفق هذا المال بنية أن تكون الصدقة والأجر لصاحب المال. كذلك إن كان في غيبة أو قذف أو نحو ذلك، فإنه يطلب منه العفو والسماح، إذا اغتابه وذكره بسوء فيطلب منه أن يعفو عنه ويسامحه. وقال بعض أهل العلم: بل يكفي أن يذكره في المجالس بحسن الثناء والخير. وإذا كان حد قذف، مكنه منه، أو طلب عفوه. أو كذلك أيضاً إن كان فيه الدماء، كان يكون اعتدى عليه بضرب، فإنه يمكنهم من القصاص. أو كذلك بقتل، فيأتي إلى أوليائه، ويقول: أنا القاتل، فافعلوا ما شئتم. إن أردتم القصاص، وإن أردتم الدية، فالأمر إليكم. فإن هذا من تمام توبته، إن كان صادقًا في توبته إلى الله سبحانه وتعالى. الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا. من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، فأولًا نحمد الله تبارك وتعالى حمدًا طيبًا مباركًا فيه على عظيم إنعامه، وواسع عطائه وامتنانه. أن يسر لنا مثل هذه المجالس الطيبة المباركة التي نتذاكر فيها معًا ما تيسر من كلام الله جل وعلا، ومن كلام نبينا المصطفى صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. وفي هذا خيرٌ كثير، ونعمةٌ من نعم الله جل وعلا الكُبرى، أن يمُنَّ الله جل وعلا على عباده بأن يتذاكروا من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. أن يتواصوا من كتاب الله جل وعلا، ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالحق، وبالصبر، وبالمسارعة إلى طاعة الله جل وعلا. وبالرجوع والإنابة إلى الله جل وعلا، مما قد يصدر من العبد، ولا محالة. فنسأل الله تبارك وتعالى أن يعيننا على التعرُّف على نعمه أولًا، وأن يعيننا ثانيًا على أن نكون من الشاكرين لها. فإنها من أعظم أسباب بقاء النعم، واستمرارها، ودوامها بإذن الله رب العالمين جل وعلا. ثم إننا قد سمعنا بحمد الله جل وعلا خيرًا كثيرًا من كلام الله جل وعلا، ومن سنة نبيِّنا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن فضل توبة، وعن شروط التوبة، وعن ثمار التوبة. وتتمة لما تقدم في هذا الموضوع، فإن العلماء رحم

شاركنا على