إن من الكرامة دوام الاستقامة

المحاضرة بعنوان إن من الكرامة دوام الاستقامة، وكانت بمسجد السنة بالمركز الجديد بطيبة الخميس 28 شوال 1439هـ ألقاها

مقدمة في أهمية الإخلاص في طلب العلم

يؤكد الخطيب على أهمية الإخلاص في طلب العلم، ويحذر من طلب العلم لأغراض دنيوية. الإخلاص يزيد خشية الله وخوفه ويورث التواضع.

أهمية الثبات والاستمرار في العلم والعمل

يشدد على أهمية طلب العلم لله تعالى والعمل به والثبات عليهما. المداومة على الأعمال الصالحة وإن قلت هي الأفضل.

التدرج في طلب العلم والطاعة وتأسي السلف

يشير إلى أهمية التدرج في العلم والعبادة والاستمرار فيهما. يُقدم أمثلة من سير السلف الصالح الذين اجتهدوا في طلب العلم رغم المشاق.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر وأعان على إقامة هذه الدورة العلمية المباركة المكثفة في هذا الشهر، في السادس عشر من شوال عام 1439 إلى التاسع والعشرين من شهر شوال لعام 1439، فنحمده جل وعلا على تسهيله وإعانته على إتمامها وإكمالها، فله الحمد جل وعلا أولا وآخرا وظاهرا وباطنا، وله الحمد جل وعلا وله الحمد جل وعلا انتهاء وله الحمد سبحانه وتعالى على سبيل الاستمرار والدوام، فهو جل وعلا المستحق للحمد لكماله سبحانه ولعظيم فضله وإنعامه. وهذه منة عظيمة من الله جل وعلا علينا أن يسر لنا هذه الدورة العلمية التي فتحت فيها جملة من الدروس الشرعية النافعة في التفسير وفي الفقه وفي الحديث وفي العقيدة وفي النحو والصرف والمواريث وغيرها من العلوم. وهذه نعمة عظيمة أن يسر للعبد من يعلمه العلم، ويسر له أخذ العلم بإقامة مثل هذه الدورات فترة يسيرة وزمن قليل يستطيع أن يتحصل فيه على شيء ليس بالقليل من العلم، ودراسة بعض الفنون من فنون العلم المتنوعة. فيمر على كتب عديدة في خلال فترة يسيرة، والذي ينبغي أن يعتني به طالب العلم في طلبه للعلم أن يخلص في طلبه للعلم، ويريد بهذا العلم وجه الله جل وعلا والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بهذه الطاعة وهذه العبادة العظيمة التي هي طريق من الطرق الموصلة إلى الجنة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا إلى الجنة» رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. فأنت إذا طلبت العلم تطلب العلم لأجل الله، تريد ما عند الله من الثواب والأجر، تنوي أن ترفع الجهل عن نفسك، وأن تعمل بهذا العلم، وأن تنفع الناس بما علمك الله سبحانه وتعالى. ولهذا لما سئل الإمام أحمد رحمه الله كيف الإخلاص في طلب العلم أو إصلاح النية في طلب العلم، قال: «أن تنوي رفع الجهل عن نفسك وعن الناس، ترفع الجهل عن نفسك فتعمل بهذا العلم، ثم تحرص على تعليم الناس هذا العلم والخير الذي وفقك الله سبحانه وتعالى له». فلا تطلب هذا العلم رياء ولا تطلبه فخرا تفتخر به على غيرك، ولا تطلبه كذلك لقصد أن ترتفع به عند الناس أو تطلبه لتنال به عرضا من أعراض الدنيا، فإن ذلك سبب لهلاك العبد وعدم انتفاعه بالعلم. ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من طلب علما مما يبتغى به وجه الله لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضا من الدنيا لم يجد رائحة الجنة». ومن طلب علما مما يبتغى به وجه الله، أي العلم الشرعي علم الكتاب والسنة، فهذا العلم مما يبتغى به وجه الله، فإذا تعلمه لا يريد بذلك إلا أن يصيب به عرضا من أعراض الدنيا، شهرة رياء رفعة مدحا ثناء وغير ذلك من المقاصد الدنيوية، كان هذا العلم وبالا عليه. وفي حديث أبي هريرة عند الإمام مسلم والنسائي وغيرهما لما أخبر بحديث النبي عليه الصلاة والسلام أن أول من تسعر بهم النار ثلاثة، فذكر مجاهدا في سبيل الله ومتصدقا وعالما. أما المجاهد فيأتي إلى الله جل وعلا فيذكره الله نعمة فيقول: يا رب قتلت في سبيلك حتى قتلت، يعني أنه جاهد في سبيل الله حتى سفك دمه وقتل، فيقول الله عز وجل له: كذبت، وإنما قاتلت ليقال شجاع، وقد قيل، فيسحب على وجهه حتى يلقى في نار جهنم. ثم يتاب المتصدق فيعرفه الله نعمة فيعرفها فيقول: يا رب تصدقت وأنفقت فيك، فيقول الله جل وعلا له: كذبت، ولكن تصدقت ليقال هو منفق، وقد قيل، ثم يسحب على وجهه فيلقى في نار جهنم. ثم يتاب العالم، وفي رواية القارئ، فيعرفه الله جل وعلا نعمه فيعرفها فيقول: يا رب تعلمت فيك العلم وعلمته، فيقول الله جل وعلا له: كذبت، ولكن تعلمت ليقال هو عالم، وقد قيل، وفي لفظ: قرأت القرآن ليقال هو قارئ، وقد قيل، فيؤمر به فيسحب به على وجهه حتى يلقى في نار جهنم. وفي هذا يقول القائل: «وعالما بعلمه لم يعمل معذب من قبل أصحاب الوثن». وجاء في بعض روايات هذا الحديث عن أبي هريرة لما أراد أن يحدث به أول مرة أغمي عليه، فلما أفاق أراد أن يحدث به فأغمي عليه الثانية، ثم أفاق فأغمي عليه الثالثة، ثم بعد ذلك أحدث به رضي الله تعالى عنه. فهذا يدلنا على أهمية الإخلاص في طلب العلم وإصلاح النية في طلبه حتى ينتفع طالب العلم بما تعلم. وجاء في السنن أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من طلب العلم ليماري به السفهاء أو ليجادل به العلماء أو ليصرف وجوه الناس إليه فالنار، النار». يعني مصيره إلى النار، وهذا لا شك أنه وعيد شديد يحث طالب العلم على إخلاص النية. ليس معنى هذا أن تترك طلب العلم وتقول: إذن إذا كان طلب العلم سبب لدخول النار إذن لا أطلب العلم وأبقى جاهلا خير لي، لا، المقصود أنك تصلح نيتك وتحرص على إصلاح النية. ولهذا يقول سفيان الثوري رحمه الله: «لا أعلم عملا أفضل من طلب العلم إذا صلحت فيه النية، إذا أصلح طالب العلم نيته فطلب العلم من خير الأعمال ومن أفضل الأعمال التي يتقرب بها إلى الله سبحانه وتعالى». وهكذا أيضا أنك إذا طلبت العلم لله سبحانه وتعالى فهذا العلم يزيدك خشية وخوفا من الله، وهذا هو أصل العلم هو خشية الله وخوف الله جل وعلا. ولهذا قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾، أي أن أشد الناس خشية لله هم أهل العلم لما يعرفون ويتعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ومن أحكام الشريعة وأسرارها وأحكامها ما يزيدهم معرفة بالله فيزيدهم ذلك إيمانا وخشية وخوفا من الله سبحانه وتعالى. إذا طلب طالب العلم العلم لله فإنه يزيده في طاعة الله، طاعة لله وإقبالا على ما عند الله سبحانه وتعالى، وزهدا في هذه الدنيا وشهواتها وملذاتها. وكذلك يورث صاحبه التواضع وعدم الكبر والغرور والعجب، هذا كله من آثار الإخلاص في طلب العلم. قال مالك المدينة رحمه الله: «من طلب العلم لله كسره، ومن طلبه لغير ذلك زاده فخرا»، من طلب العلم لله كسره يعني جعل صاحبه ذليلا متواضعا ما عنده عجب ولا غرور ولا كبر ولا ترفع على الآخرين. ومن طلبه لغير الله زاده فخرا، إذا كان غرضه عرضا من أعراض الدنيا فإنه يزداد بهذا العلم غرورا وتكبرا وترفعا على عباد الله. وهكذا إذا طلبت العلم لله أتاك الله عز وجل منه ما يكفيك، كما قال إبراهيم التيمي رحمه الله: «من طلب العلم لله أتاه الله منه ما يكفيه»، أتاه الله منه ما يكفيه أي ما ينتفع به وما يستعين به على طاعة الله وعبادته. بل ويفتح الله جل وعلا عليه أبوابا من العلم ما تعلمها، كما قال بعض السلف: «من تعلم العلم لله آتاه الله علم ما لم يعلم»، يعني أشياء ما تعلمها، لكن بسبب إخلاصه وصدقه وتقواه لله سبحانه وتعالى يوفقه الله لمعرفة الحق في هذه المسائل، ويفتح الله جل وعلا عليه فيها. كما قال جل وعلا: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، فتقوى الله جل وعلا من أعظم الأسباب التي بها يفتح الله جل وعلا على العبد في تحصيل العلم والانتفاع به. فلهذا تحرص يا طالب العلم على العمل بما علمت، لماذا؟ لأن هذا هو ثمرة العلم، لماذا تتعلم حتى تكثر من المسائل أو المرور على كثير من الكتب والأحكام ثم تتركها جانبا فلا تعمل بها؟ فتكون حجة عليك. أن تتعلم العلم لتعمل به، هذه هي الثمرة من طلب العلم، طلب العلم وسيلة والمقصد والغاية هو العمل. وكما قيل: «العلم شجرة ثمرتها العمل»، فلا خير في شجرة لا ثمر لها، ولا خير في علم لا يعمل به صاحبه. وكما قال أبو هريرة رضي الله عنه: «علم لا يعمل به ككنز لا ينفق منه»، ومعلوم أن الكنز كل مال يكتنزه الإنسان ولا يخرج زكاته فيكون ماذا؟ وبالا عليه يوم القيامة وعدوا له. وهكذا العلم إذا لم يعمل به صاحبه فإنه يكون وبالا عليه ونقمة عليه، والعلم والعمل قرينان، لا بد مع العلم العمل، لا بد أن تعمل بعلم وأن تتعلم قبل أن تعمل، فلا ينفع علم بلا عمل كما أنه لا ينفع عمل بلا علم. وخير الناس من جمع بين العلم والعمل، فمن علم ولم يعمل كان فيه شبه باليهود المغضوب عليهم الذين علموا ولم يعملوا بهذا العلم. ومن عمل بلا علم كان من الضالين، وهو سبيل النصارى الذين عملوا بلا علم فظلوا. ومن علم وعمل فهو على سبيل أهل الهداية والاستقامة من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وهذه الأقسام الثلاثة ذكرها الله جل وعلا في سورة الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ * صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾. فصراط الذين أنعم الله عز وجل عليهم هم أهل العلم والعمل الذين استقاموا على هذا الدين استقاموا بالعلم والعمل. والمغضوب عليهم اليهود الذين علموا ولم يعملوا، والضالون هم النصارى الذين عملوا بلا علم فأفسدوا عباداتهم. فلهذا من أعظم ما يعين العبد على استقامته لله جل وعلا الثبات على الطاعة، الثبات على ما هو عليه. وأعظم الثبات أن يكون على العلم والتعليم، وكذلك الدراسة، فهذه من أعظم الثبات وأعظم الاستقامة. ولهذا الإنسان إذا حضر مثل هذه المجالس أو الدورات فلا يكتفي بذلك، يحاول أن يجتهد ويجد ولا ينقض ما فعله. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا﴾، فربنا جل وعلا ذكر عن هذه التي تغزل وتثبت غزلها وتجعله قويا ثم تنقضه، تنقضه بعدم الاستمرار بعدم الثبات على هذا الأمر. فمثلا الآن الإنسان اجتهد في العلم فترة من الزمن ثم بعد ذلك يفرط، لا علم ولا يقرب حلقات العلم، فهذا نقض، والعياذ بالله. فلهذا ربنا جل وعلا قد ذكر عن أهل الكتاب أنهم فعلوا هذا الأمر، قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قُلْمٍ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾. فلهذا عباد الله من أعظم الاستقامة الثبات على طاعة الله جل وعلا، ثبات على العلم والعمل، فهذه من أعظم الاستقامة، بل هي حقيقة الاستقامة. الثبات على العلم والعمل، من علم فليلزم هذا العلم ولا يتركه، ذكر الخليل في الإرشاد أثرا عن أبي هريرة أن رجلا سأله عن أنه يتعلم لكنه لا يحفظ، أو أنه يخشى أنه لا يعمل بهذا العلم. فقال أبو هريرة: «تركك للعلم ضياعا له»، فهذه النية ينبغي على المسلم أن لا يعقدها، لا يعقد نية في قلبه أنه إذا تعلم يخشى على نفسه أنه لا يعمل بهذا العلم، لا، هذا خطأ. بل إذا ترك العلم فإنه سيترك العلم والعمل معا، وربنا جل وعلا يوفق العبد الذي تصلح نيته لله جل وعلا في العلم، فإنه يورثه الله عز وجل العمل إذا وجدت النية الصالحة في العلم والإخلاص. فإنه يورث العبد العمل بذلك العلم، فلهذا يثبت الإنسان على ما هو عليه. وجاء في الصحيحين من حديث عروة عن عبد الله بن عمر، والحديث أيضا عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: «يا عبد الله بن عمر لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل ثم تركه»، فأعظم شيء أن الإنسان ينقطع عن الأعمال، ينقطع عن الطاعات. فلو أنه يقلل من الطاعات، يقلل من الأعمال أفضل له من أن يعمل كثيرا ولا يستمر، في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها، هذا لفظ البخاري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله يحب من العمل ما داوم عليه الشخص وإن قل»، وإن قل ما داوم عليه صاحبه. فالمداومة على الأعمال أعظم، ولا أن الإنسان يدخل في الأعمال الكثيرة أو يكلف نفسه ثم يترك هذا العمل، بل ينبغي عليه أنه أولا يوطن نفسه في العبد، ثم بعد ذلك لا يكثر على نفسه في هذا العمل، ويزيد زيادة تخرجه بعد ذلك. ولهذا النبي صلى الله عليه وسلم كما قلنا قال لعبد الله بن عمر: «لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل فأفتركه»، إنما قال النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمر هذا الكلام لما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن عبد الله بن عمر كان يقوم الليل كله. فلهذا في آخر عمر عبد الله بن عمر قال: «يا ليتني أخذت بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم»، لما كبر سنا. وجاء في الصحيحين من حديث أبي ذر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يدخل أحدكم عمله الجنة، ولا أنا يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا يتغمدني الله برحمة منه وفضل»، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فسددوا وقاربوا واغدوا وروحوا وشيء من الدلجة، والقصد القصد تبلغوا»، فأيضا: «القصد القصد تبلغوا». فإذا خطم القصد وهو أنكم لا تغلو وتزيدوا على أنفسكم أشياء تعجزون عنها، بل إن كان عملا قليلا لكن تقتصدون فيه فهو خير من أعمال كثيرة لا تستمرون فيها. فلهذا عباد الله الاستمرار على الطاعة هو من أعظم الأشياء التي يحبها الله جل وعلا، الاستمرار على العلم، لا ينبغي لطالب العلم أن ينقطع عن العلم لأنه ينسى، وأيضا تذهب لذة العلم من قلبه. فلهذا تجد كثيرا ممن ينشغل عن العلم ويذهب مثلا إلى الدنيا أو إلى بيع وشراء، فتجده بعد فترة كأنه رجل عامي، وهو قد طلب العلم وجلس عند العلماء. لماذا؟ لأنه ترك العلم، ترك العلم، لعل بعضهم يوفقه الله عز وجل يبقى على طاعة، وإلا أكثرهم ينصرف عن العلم وينصرف عن الطاعة ويكون من أهل الدنيا، ويبتعد عن المساجد، والعياذ بالله. فلهذا ينبغي علينا أن نحرص على هذه الحلقات وهذه المجالس، ولا تضيعها. لا ينبغي لطالب العلم أن يشغل نفسه بالكلام دائما، ويحب ويأنس بالكلام، ولا يأنس بالعلم ولا يأنس بالطاعة. فالعلم يحتاج إلى توطئته، يحتاج إلى أيضا استمرار، فإن العبد إذا لم يوطئ نفسه على العلم ولم يستمر في العلم فإنه سيأتي عليه اليوم الذي يتركه. وجاء في الصحيحين من حديث يزيد بن كيسان عن أبي حازم عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لن يشاد هذا الدين أحد إلا غلبه»، فسددوا وقاربوا واستعينوا بشيء من الدلجة ومن الغدوة والدلجة. استعينوا بهذا الوقت في طاعة الله جل وعلا، أيضا وشيء من الدلجة من الليل، سواء كان في بدايته أو في نهايته، فإنه كله وقت طاعة وعبادة لله. ولأن الناس يسكنون في الليل فتتهيأ الطاعة فيه، إن في أشياء الليل هي أشد وطأة وأقوى مقيلا، أي أشد توطئة للقلب. كما قال السلف عن ابن عباس وغيره: «أن في الليل يتواطأ القلب واللسان، يتواطأ القلب واللسان، فما خرج من اللسان تلقاه القلب». ولهذا يكون الإنسان أكثر خشوعا في الليل، وكانت صلاة الليل أفضل الصلاة، أفضل الصلاة بعد المكتوبة صلاة الليل، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم. فلهذا عباد الله، فهم بغي علينا أننا نثبت على هذه الدروس وهذا العلم، وكذلك العمل بهذا العلم، فإن هذا هو الذي يوطئ العبد. ولا أقول مثلا أن الإنسان يأخذ مثلا أشياء من العلم كثيرة حتى لا يستطيع أن يدرسها وأن يحفظها أو لا يستطيع كذلك أيضا أن يؤديها وأن يفهمها، وهذا خطأ. قال الله عز وجل: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾، قال الإمام البخاري: «قيل في الربانيين أن يعلمون صغار العلم قبل كباره». فالإنسان في أي شيء خاصة في العلم لا يهجم عليه هجمة واحدة، يريد أن يتعلم كل العلم من أراد العلم كله فاته كله. لكن يأخذ قليلا قليلا وحسب مستواه، ففرق مثلا أن يكون الإنسان مستمرا في طلب العلم، وإنسان أو طالب مبتدئ بدأ في طلب العلم، فإنه لا يكثر على نفسه في الدروس. ولا يكثر على نفسه في مثلا بعض المدارس، طلبة العلم كلما رأى درسا دخل فيه، ما يدري هذا الدرس كبير صغير، المهم يدخل ينظر في هذا الدرس ويسمع. يقولون في هذا الدرس هذا ليس صحيح، لكن ينبغي عليه أن يدخل الدرس الذي يفهمه، الدرس الذي هو في سنه، الدرس الذي هو يستفيد منه. ثم إذا ارتقى من هذا الدرس دخل الذي بعده، وهكذا يتدردج في العلم حتى يوطئ نفسه على هذا العلم فيستفيد استفادة من هذا العلم. ولكن كونوا ربانيين أن يتعلمون صغار العلم أو يعلمون صغار العلم قبل كباره. فأيضا كذلك عباد الله، الإنسان إذا أو طالب العلم إذا هجم على العلم أو هجم حتى أيضا كذلك على العبادة فإنه يمل وبعد ذلك يترك. فالنبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيحين لما رأى الحبل الممدود في المسجد لبعض أزواجه، فقال: «لمن هذا الحبل؟»، قال: لفلانة، إذا قامت من الليل مسكت به. فقال: «حلوه، فقفوا هذا الحبل، ليصلي أحدكم نشاطه، فإذا فتر رقد»، يعني ليصلي أحدكم نشاطه ما دام أنه نشيط يصلي، إذا فتر يرقد، لا داعي أنه يكلف نفسه يكلف نفسه ثم بعد ذلك يمل ويترك. وكما قلنا أن الطاعة تحتاج إلى تدرج، الإمام ثابت البناني رحمه الله، إمام أهل البصرة وحافظهم، قال: «وطنت نفسي على قيام الليل عشرين سنة حتى توطنت»، عشرون سنة وهو يوطئ نفسه على قيام الليل، يعني يتدرج في قيام الليل. يصلي مثلا أولا أول ما يبدأ يصلي ثلاث ركعات يوتر، يقوم الليل يوتر حتى ولو كان آخر الليل، لا يترك الوتر، طالب العلم لا ينبغي له أن يترك الوتر، كما قال الإمام أحمد رحمه الله. وقال النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك: «أوتروا يا أهل القرآن»، كما في البخاري، «أوتروا يا أهل القرآن، إن الله وتر يحب الوتر»، فأوتروا يا أهل القرآن. فلا بد لطالب العلم أن يتزود من الليل، هذه صلاة الليل تعتبر مثل التزود لطالب العلم، يوطنه على الاستمرار على العلم. فلهذا فإذا أراد أن يصلي يصلي الوتر أولا ثلاث ركعات، يقوم قبل الفجر يصلي مثلا ثلاث ركعات. وكما قال الإمام مسعر بن كدام رحمه الله تعالى: «صلاة الليل ولو كحلب شاه»، فلا تترك صلاة الليل حتى ولو يصلي الإنسان قدر حلب الشاة، ولو قليلا. قال: «أو قال حلب ناقة»، معنى أنه يحاول أنه ولو يأخذ شيئا يسيرا، لا يترك قيام الليل. فإذا وطن نفسه على الثلاث ورأى نفسه أنه قد استمر يزيد، يزيد مثلا إلى الخمس، وهكذا، وهكذا، وهكذا، حتى يجد نفسه بعد فترة أنه قد استقر في هذه الصلاة. وهكذا العلم، فإن طالب العلم إذا بدأ لا ينبغي له أن يبدأ بكثرة الدروس، يدرس هنا ويدرس هنا ويدرس هنا، وثم لا يحفظ. لكن إذا كان هناك فترة مثلا يدرس ثم يحفظ، هذا ما في شيء، يدرس عند وجود الدراسة مثل مثلا هذه الدورات، يأخذ له ثلاثة دروس، وكذا، ثم بعد ذلك يراجع هذه الدروس أو يسمع هذه الدروس إذا سجلها حتى تثبت هذه المعلومات عنده. فقط تدارس ثلاثة أيام طيب. فأيضا كما قلنا الاستمرار في طلب العلم هو الاستقامة، استقامة في العلم والعمل، الله عز وجل يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾. فالاستقامة التي ذكرها ربنا جل وعلا هي كما قلنا الاستقامة على العلم والعمل، لأن الله عز وجل أرسل رسوله بالهدى ودين الحق، كما قال شيخ الإسلام: «الهدى هو العلم النافع، ودين الحق هو العمل الصالح». وكما تقدم معنا أن أهل الصراط المستقيم الذين استقاموا هم أهل العلم والعمل، هم أهل العلم والعمل. فلهذا فالاستقامة العامة في العلم والعمل، وهناك أيضا استقامة تكون في العلم وهي الثبات عليه والاستمرار. وكذلك استقامة تكون في العمل والطاعة وهو الاستمرار على ذلك الطاعة، فهذا إذا استمر في ذلك فهي الطاعة، لا ينبغي له أن ينقطع. لا تكون مثل فلان كان يقوم الليل فتركه، فالانقطاع هو من آفات أو من الآفات التي تؤدي إلى ترك الاستقامة والرجوع إلى القحط. وهذا الرجوع إذا كان هذا الرجوع استمر، أي الرجوع عن السنة، فإنه قد يضيع هذا الإنسان ويهلك. وأما إذا كان مثلا انتقل من طاعة إلى طاعة أو انتقل من سنة إلى سنة، انتقل مثلا من علم الفقه إلى علم التوحيد أو كذا، فهذا لا زال في خير، لا زال على خير. كما جاء في حديث عبد الله بن عمر: «لكل عمل شرة، ولكل عمل فترة، على نشاط وفتور»، لكل عمل هذا يصيب الإنسان، حتى في العلم، العلم أحيانا مثلا طالب العلم يجد مللا من كثرة العلم. لكن العلماء رحمهم الله تعالى جعلوا هناك بعض الأشياء التي تسلي طالب العلم، ولهذا ذكر الإمام الخطيب في الجامع، وكذلك ذكرها من ألف في آداب طالب العلم أنه إذا وجد الملل يقرأ في السير، يأتي مثلا يقرأ في قصص السلف. وأيضا النوادر التي يذكرونها، تجد أيضا كتبا ألفت كما يقولون في السمر، يعني ليس السمر في الليل، وإنما المراد ما يتسلى به طالب العلم من مثلا نكت في اللغة، أشياء مثلا مضحكة عند أهل العلم. وأيضا أشياء من هذا القبيل يتسلى بها إذا وجد الملل من كثرة العقوف على العلم. لكن الآن نجد عزوفا كثيرا على العلم إلا من رحم الله جل وعلا، إن كان العلماء قديما يجدون وقتهم كله في العلم. لأنه كما قال الإمام الزهري رحمه الله: «العلم إن أعطيته كلك أعطاك بعضك»، إن أعطيته كلك، أنا كل وقتك أجعلته في العلم، ما سيعطيك إلا بعضه، ما يعطيك العلم كله. فكيف إذا أعطيته شيئا يسيرا؟ فما ستنال إلا شيئا يسيرا، فبقدر ما تعطي العلم يعطيك، يزيد علمك كلما أعطيته من وقتك زاد علمه. فينبغي علينا أيها الإخوة أن نجد ونجتهد في هذا العلم، فإن السلف رحمه الله تعالى اجتهدوا اجتهادا عظيما حتى جاءنا هذا العلم، وجاءنا هذه الكتب. هذا ليس جاء بالنوم أو جاء بالقيلولة، وكثرت المجالس في غير طاعة الله جل وعلا، وفي غير العلم، هذا جاء بجد واجتهاد. كان أحدهم يرحل آلاف الأميال لأجل أن يكتب حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، كان أحدهم أيضا يظل السنوات الكثيرة يبتعد عن أهله حتى يتحصل على العلم النافع، العلم الذي يرضي الله عز وجل به. أيضا كذلك أحدهم تجد أنه يجد المشقة الكبيرة في طلبه للعلم من الفقر، وأيضا الإفلاس، لا يجد ما يملأ به بطنه، لا يجد ما يأكل. لكنهم يستمروا، قد سمعنا قبل أيام حديث أبي هريرة في ملازمته لحلقات مجالس النبي صلى الله عليه وسلم على ملء بطنه عن جوع وفقر. لكنهم استمروا على هذا العلم، نحن بحمد الله الآن عندنا الأرزاق كثيرة، وعندنا كذلك الأموال كثيرة، لكن تجد أننا نتقاعس عن العلم. أولئك كان عندهم الفقر وعندهم الجوع، لكنهم يجتهدون في طلب العلم، بعض هؤلاء الأئمة إذا وجد ما ينفقه لا يدري ماذا يفعل به. محمد بن طاهر المقدسي رحمه الله كان معه درهم وضعه في فمه، يفكر ما يدري هل يشتري طعاما بهذا الدرهم أو يشتري أوراقا لأجل ينسخ. أنا انظر إلى هذا الحد، هؤلاء يفكرون، الإنسان طبعا سيقدم الطعام لأنه جائع، سيشتري بهذا الدرهم طعاما، فبقى يفكر حتى ما يدري إلا هو التهم هذا الدرهم في بطنه. من شدة الجوع تسرب هذا الدرهم إلى بطنه، لكن وفقهم الله جل وعلا مثل ما كان الصحابة رضي الله عنهم كانوا على فقر. يسقط أحدهم في الصناع من قامته، معنى من شدة الجوع، لكن جعلهم الله عز وجل أئمة، لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون، عندهم يقين بعد الله، وصبر صبروا على الطاعة وعلى العلم وعلى مجالسة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهكذا التابعون رحمة الله عليهم، ومن جاء من بعدهم سلكوا هذا المسلك، جدوا واجتهدوا حتى أن أحدهم يسهر الليل ويبقى في النهار يدور على المشايخ ما ينام إلا شيئا يسيرا. الإمام البخاري رحمه الله لما علف الصحيح ما كان ينام كثيرا، كلما نام غفوة قام وذكر حديثا فكتب أو تذكره فقام وتوضأ وصلى وكتب هذا الحديث. لأنه كان رحمه الله لا يضع حديثا فيه صحيح حتى يتوضأ ويصلي ركعتين ثم يضع هذا الحديث، فكان طول الليل يقوم ينام قليلا ويقوم. ما كان معهم شيء من النوم إلا شيئا يسيرا، الإمام الشافعي رحمه الله ما كان ينام إلا ثلاث ساعات في ليله ونهاره. لكن وفقهم الله عز وجل بإخلاصهم، وليس هذا لما نقول مثل هذا الكلام لا ينبغي للإنسان مثلا لما يسمع مثل هذا الكلام يقوم أنا سأفعل مثل هؤلاء، لا. كما ذكرنا قبل أن هذا يحتاج للتوطئة للنفس، هذه الأشياء لا تأتي بعمل يوم أو يومين أو ثلاثة أيام، لا تأتي بعمل سنوات، معنى سنوات يوطئ نفسه على مثل هذا الشيء. فتتوطأ نفسه على هذا، أما إنسان سيهجم من أول ليلة أو ليالي أو كذا يقول: أنا ما سأنام، سأنام أربع ساعات، سيأتي عليه أربع ليالي إلا وصاحبنا نائم الليل والنهار. أو أنه يصيبه شيء من التعب والحمة وكذا، لأنه لم يعود نفسه، هذه الأشياء تحتاج إلى تعود، تدرج. وهذا المراد من قول النبي صلى الله عليه وسلم: «القصد القصد تبلغ»، بالتدرج تبلغ ما أردتم، بالتدرج في الطاعات وبالتدرج في العلم يبلغ الشخص ما أراده. وهو الدار الآخرة ويرضى الله جل وعلا، وأما الهجوم على الطاعات أو على العلم أو كذا أو ما يسمعه مثلا عن السلف، هذا يحتاج كما قلنا إلى توطئة أو مثل ما جاء في ذلك الشعر. أو كسلمان التيمي الذي ترك النوم لهول المطلع، قال: أنه لم ينم شهرا، شهر كامل ما نام، الآن الإنسان إذا ما نام ثلاثة أيام اليوم الرابع يجن. وهذا ليس أمرا مرغوبا فيه إلا في الضرورات، إذا كان مثلا الإنسان قد وطأ نفسه على هذا، فسليمان التيمي رحمه الله كان إماما من أئمة أهل البصرة، وعابدا من عبادهم، وعالما من علمائهم. فوطأ نفسه على عدم النوم لشدة الموقف، معنى يرى هول وقيامة، ترك النوم لهول المطلع، دائما يفكر في النار. فلهذا أبو حازم سلمة بن دينار كان يقوم الليل حتى أشفق عليه أهله، أشفق عليه من كثرة قيامه في الليل، ومن كثرة بقائه حتى أنه مرة بكى فما استطاعوا أن يعرفوا الليل لماذا يبكي بكاء كثيرا. فجاءوا بزيد بن أسلم حتى يهدئه، فجاء زيد وأخبره بالخبر، أي من ذكر له الآية التي قرأها، فقام زيد يبكي، فقالوا: جئنا بهذا لأجل يهدئه، فقام بكى معه. فكان السلف رحمهم الله يوطئون أنفسهم على هذه الطاعات، وكذلك على هذا العلم، على الآن ما يستطيع الإنسان أن مثلا سواء كان مبتدئا في طلب العلم أو حتى قد قطع شوطا طويلا. لكن ما عود نفسه على الاجتهاد، ما سيأتي يوم مثلا يوما في يوم واحد وهو يطلب العلم مواصلة مثل ما كان السلف. كان السلف رحمه الله في الليل يكتبون، يكتبون الحديث، وفي النهار يدورون على المشايخ، يدورون على المشايخ لأجل يسمعون الحديث. فإذا كتبوا في الليل ينسخون ينسخون ما كتبوا، فيأتي الوقت وينتهي وهم على ذلك حتى أن أبا علي الحداد مرة كتب حديثا في الليل. كان يكتب يكتب فماذا رأى؟ تعب، يصيرا قال: سأخرج مع الناس، يريد أرزه، وكذا من أجل طعام الجمعة. قال: فوجدت البقاء يكتب يوم السبت، فقلت: يا فلان اليوم جمعة كيف تكتب سبت؟ قال: أما صليت الجمعة معنا بالأمس؟ قال: فاستحيت وسكت. معنى الرجل يكتب ليلتين وما أحس، لأنه كان في غرفة مظلمة فما أحس أنه كتب ليلتين، وهذا لشدة لذتهم للعلم، وأيضا وطئت أنفسهم أو توطعت أنفسهم مثل هذه الأشياء. وهذا شيء

شاركنا على