لا تحاسدوا

المحاضرة بعنوان لا تحاسدوا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر الثلاثاء ٢٠ جمادى الآخر ١٤٣٤هـ ألقاها

مقدمة في خطورة الحسد وأنواعه

الحسد مرض عظيم يميت القلب ويسبب المفاسد، وهو نوعان: مذموم وممدوح. الحسد المذموم محرم ويترتب عليه نتائج سيئة.

آثار الحسد على أصحابه وأمثلة تاريخية

الحسد يؤدي إلى الكفر بالحق والاستهزاء به، كما حدث مع اليهود والنبي، ويتجلى في قصة يوسف عليه السلام مع إخوته الذين حسدوه وتآمروا عليه.

تحذير من الحسد ووجوب إخفائه

يجب على المسلم أن يحذر من الحسد ويخفيه إن وجد، ويظهر الخير والمودة لأخيه المسلم، حيث أن الحسد يؤدي إلى معاصٍ كبيرة مثل سفك الدماء والكفر.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن المقطع دعاءً لطلب التوفيق من الله وتطهير القلوب من الأمراض، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 21 جمادى الآخرة 1434هـ - 01/05/2013مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانًا». فالنبي عليه الصلاة والسلام حذر في هذا الحديث، ونهى عن عدة أخلاق يجب على المسلم أن يجتنبها، وأن يحذر منها، وأن يكون على بعد عنها، ومنها الحسد. قال: «ولا تحاسدوا»، والله جل وعلا يقول: ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾. فالله سبحانه وتعالى ذم أهل الحسد الذين يحسدون من فضلهم الله سبحانه وتعالى بفضل دنيوي أو بفضل ديني، وأن ذلك أمر مذموم ينبغي أن يحذر منه المسلم. ولذلك وردت الأدلة في ذنب الحسد، وبيان خطورة هذا الذنب، وما يترتب عليه من أضرار كثيرة ومفاسد عظيمة، وهو سبب عظيم لموت القلب وهلاكه، وداء عضال يذهب بالقلب كالأمراض الحسية التي تصيب البدن فتهلكه وتفسده. فإن الحسد مرض عظيم يميت القلب، ويهلك صاحبه، ويوقعه في أنواع من الذنوب والمعاصي. فإن الحسد يقع في الحقب والبغضاء والشحناء، ويصيبه الهم والغم والكذب، وهكذا أنواع كثيرة من المعاصي. والحسد ينقسم إلى قسمين: حسد مذموم، وحسد ممدوح. فالحسد المذموم هو الذي وردت فيه الأدلة في ذنبه والتحذير منه، وهو تمني زوال النعمة عن المحسود. أن تتمنى زوال النعمة عن من تحسده، وأن لا تبقى هذه النعمة له، وسواء تمنيت أن تنتقل هذه النعمة إليك أو لم تتمنى ذلك، فهذا هو الحسد المذموم المحرم. وحسد ممدوح، وهو حسد الغبطة، أن تتمنى أن يكون لك مثل ما أوتي فلان، فلا تتمنى زوال النعمة عنه، ولكن تتمنى أن تؤتى مثل ما أوتي من النعمة. وهو المراد في قول النبي عليه الصلاة والسلام لما جاء في الصحيحين من حديث ابن مسعود، وبنحوه عن ابن عمر وأبي هريرة: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالًا فهو ينفقه في هلكته بالحق، ورجل آتاه الله الحكمة فهو يقضي بها ويعلمها». وفي رواية: «رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار». فالحسد المذموم مرض عظيم، قال ابن القيم رحمه الله: «الحسد هو صفة نفس خلق نفس خبيثة ساقطة، ليس لها حظ من الخير، خلق نفس ذميمة ساقطة، ليس لها حظ من الخير». هذا هو خلق الحسد عنده: نفس خبيثة، نفس ساقطة ذميمة، ليس فيها حظ من الخير. ولذلك فإن الحسد يحسد المحسود، ويتمنى أن تزول النعمة عنه، وإذا ذكر بخير لم يفرح، وإذا ذكر بسوء اطمأن وارتاح. وهكذا ربما إذا غاب في مجلس هو فيه فرح بذلك، وإذا حضر أصابه من الهم والغم ما لا يعلمه إلا الله، وكل ذلك من صفات الحسد. ولذلك فإن الحسد يترتب عليه مفاسد عظيمة، ويترتب عنه نتائج سيئة. فإن الحسد سبب أن يرد الحسد الحق، وأن يعاند في ذلك، ويأبى، ويصر على الباطل بسبب الحسد. قال الله عز وجل، مخبرًا عن المشركين: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾. عرفوا الحق، وأن النبي عليه الصلاة والسلام رسول من عند الله مصدق لما بين يديه، لكن بسبب الحسد كفروا به. كان اليهود يستنصرون على الأوس والخزرج بمبعث النبي عليه الصلاة والسلام، ويقولون: «سيبعث في هذا الزمن رسول ونبي، سنؤمن به ونقاتل معه». فلما بعث عليه الصلاة والسلام آمن به الأوس والخزرج، وكفر به اليهود. فقالوا: «أليس هذا هو النبي الذي كنتم تخبرونا عنه؟» قالوا: «نعم، ولكن ليس هو». أي: هذا هو زمن خروج هذا النبي، ولكن ليس هذا هو النبي الذي كنا نحدث عنه، بسبب الحسد كفروا به عليه الصلاة والسلام. قال الله عز وجل: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. وهكذا قال الله عز وجل عنهم، مبينًا أن الحسد يهزأ ويسخر من المحسود، ويستنقصه مع كونه أفضل منه ربما دينًا وتمسكًا وعلمًا وخلقًا، لكن بسبب الحسد فهو يستصغره ويستحقره. قال الله جل وعلا، حاكيًا عن المشركين: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾. ويريدون بالقريتين مكة والطائف، يعني: لولا نزل هذا القرآن على رجل من كبرائنا والشرفائنا، ليس على هذا الرجل - أي النبي عليه الصلاة والسلام - الذي يستحقرونه ويستهزئون به. كما قال الله عز وجل عنهم: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُوكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾. وإذا رأوك إن يتخذوك إلا هزوا، هذا الذي يذكر آلهتكم، وهم بذكر الرحمن هم كافرون. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾. هذا حال المشركين، انظروا كيف سخروا بالنبي عليه الصلاة والسلام، واستهزئوا به، ما علمهم أنه ما جاء به حق، وأنه رسول من عند الله سبحانه وتعالى، ولكن هذا يفعل الحسد بصاحبه، فينكر الحق، ويصر على الباطل. ما علمه أنه على باطل، وأن ما ينكره حق، لكن الحسد يجعله يفعل ذلك. قال الله عز وجل ردًا عليهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَةَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَةُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾. فالله عز وجل أعلم من الذي يصلح لرسالته، ومن الذي يصلح للنبوة والقيام بأعباء هذه الدعوة، فيختاره الله سبحانه وتعالى من سائر الخلق. وهكذا أيضًا الحسد يجعل صاحبه ربما يتعدى على المحسود بالبغي والاعتداء والظلم والكذب بسبب ما في قلبه عليه من الحسد. انظروا ما حصل ليوسف عليه السلام مع إخوته الذين حسدوه على محبة أبيه له، وأرادوا في أول الأمر أن يسفكوا دمه، وأن يقتلوه. فقال أحسنهم رأيًا: «ألقوه في غيابة الجب يلتقطه بعض السيارة إن كنتم فاعلين». فلما عزموا على ذلك بسبب الحسد وقعوا في عدة أنواع من المعاصي: كذب وتحايل وتلبيس وخداع، كما أخبر الله جل وعلا في سورة يوسف في قصتهم مع يوسف عليه السلام. أتوا إلى أبيهم وتظاهروا أنهم يريدون الخير ليوسف، ويريدونه أن يلهوا معهم ويمرح، حتى أخذوا الإذن من أبيهم، ثم ذهبوا به وأجمعوا أن يلقوا في غيابة الجب، وفعلوا ذلك، ثم أتى من كان يسير في طريقه وألقى أحدهم دلوه وإذا بيوسف عليه السلام، فأتوا إليه وباعوه له على أنه عبد لهم قد أبق وهرب، وباعوه بثمن بخس دراهم معدودة، وكانوا فيه من الزاهدين. ورجعوا إلى أبيهم عشاءً يبكون، يتظاهرون بالصدق وبالحزن على يوسف، وكل ذلك كذب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾. وهكذا أنواع من التحايل، وأنواع من المعاصي بسبب الحسد. ثم حصل ما حصل بعد ذلك من توبتهم ورجوعهم وتوبة الله سبحانه وتعالى عليهم. ولذلك ما قال أهل العلم: «فإن إخوة يوسف إن لم يكونوا أنبياء فهم من أهل العلم والصلاح»، وذلك لما رآه يوسف في رؤيته من سجود الشمس والقمر والكواكب له، وهم إخوته، فلا يجوز لأحد أن يتنقصهم أو أن يسبهم أو يفسقهم أو يكفرهم، فإن ذلك أمر عظيم. وهكذا ربما أوقع الحسد صاحبه في سفك الدم وقتل المحسود. فإن أول سفك دم وقع في هذه الدنيا كان بسبب الحسد، كما أخبر الله عز وجل في قصة ابني آدم. قال جل وعلا: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ﴾. قربا قربان لله، فتقبل من أحدهما، تقبل الله عز وجل قربان أحدهم، ولم يتقبل من الآخر. قال: «لأقتلنك». انظروا إلى الحسد كيف أوقعه في هذا الذنب العظيم. قال: «لأقتلنك». قال: «إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾. فطوعت له نفسه قتل أخيه فقتله، فأصبح من النادمين. إلى آخر الآيات. هكذا يفعل الحسد بصاحبه، يجعله يرتكب أنواعًا من الذنوب، بل ربما يقع في الكفر، يقع في الكفر بسبب الحسد. كم من الناس من ربما يذهب إلى السحر والمشعوذين بسبب حسده لفلان، وهكذا النساء ربما تحسد المرأة المرأة، فتذهب إلى هؤلاء السحرة والمشعوذين لتعمل لها صرفًا وتقع في الكفر عياذًا بالله بسبب الحسد. وهكذا ربما أوقع الحسد صاحبه في موالاة الكفار من اليهود والنصارى حسدًا على أهل الإسلام، كما فعل الرافضة الذين كانوا أعظم عون للكفار على أهل الإسلام، كما فعل ابن العلقمي، وهكذا نصير الدين الطوسي، وغيرهما من المنافقين والزنادقة الذين أعانوا التتار على بلاد الإسلام، حتى سفكوا دماء المسلمين، وانتهكوا أعراضهم، وأفسدوا بلادهم بسبب حسدهم على أهل الإسلام وأهل السنة. فلذلك ينبغي على المسلم أن يحذر من هذا المرض العضال، ويعلم أن الحسد ربما لا يسلم منه إنسان. قال شيخ الإسلام رحمه الله: «ما خلا جسد من حسد، ولكن الكريم يخفيه، واللئيم يبديه». الكريم يخفي الحسد، لا يظهره، إن وقع في نفسه شيء على أخيه، فإنه يخفي ذلك، ويثني على أخيه بالخير، ويحب الخير له. واللئيم هو الذي يظهر الحسد، فيسب ويشتم، ويكذب، ويظلم، ويبغي، ويعتدي، فيظهر ما في قلبه من الحسد على أخيه، وهذا الذي يقع في الذنب، وكذلك يقع في هذه المعصية العظيمة بسبب ما يبديه من الحسد. والواجب على المسلم أن يخفي ذلك، وأن لا يظهره، بل يثني على أخيه بالخير، ويحب له الخير، وكذلك يثني عليه في مجلسه وفي غيابه، حتى لا يكون في قلبه شيء عليه من هذا المرض، وهذا الداء الخطير. أسأل الله عز وجل بمنه وكرمه أن يوفقنا لطاعته، وأن يطهر قلوبنا من الحسد والبغضاء والحقد، ومن سائر الأمراض، وأن يجعل قلوبنا قلوبًا سليمة، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على