وقفات مع أحداث حلب

المحاضرة بعنوان وقفات مع أحداث حلب، وكانت بمسجد الحبش بالديس الشرقية ٢٣ ربيع أول ١٤٣٨هـ ألقاها

عداوة الكفار للمسلمين وأثرها

يتحدث عن عداوة الكفار للمسلمين وبغضهم لهم، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يشير إلى أمثلة من التاريخ الإسلامي مثل محاولات اليهود قتل النبي صلى الله عليه وسلم.

أسباب ذل المسلمين وتسلط الأعداء

يشرح أسباب ذل المسلمين وتسلط الأعداء عليهم بسبب الذنوب والمعاصي، مستشهدًا بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يبين أن حقد اليهود والرافضة على المسلمين يظهر في أفعالهم العدائية.

أهمية لزوم منهج أهل السنة

يؤكد على أهمية لزوم منهج أهل السنة والجماعة لتحقيق الاستقرار والقوة للمسلمين، ويحذر من الأفكار المنحرفة مثل فكر الإخوان والخوارج والتكفير.

عاقبة المؤمنين والكافرين

يتناول عاقبة المؤمنين والكافرين مستندًا إلى الآيات القرآنية والأحاديث النبوية، مشيرًا إلى هلاك الكفار وعودة قوة المسلمين إذا رجعوا إلى الله.

التفريغ النصي الكامل

ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، نحمد الله جل وعلا الذي يسأل لنا هذا اللقاء المبارك في هذه البلدة وفي هذا المسجد الطيب، ونسأل الله جل وعلا أن يجعله مجلسًا من مجالس الذكر التي تحفها الملائكة وتغشاها الرحمة. عباد الله، لعلكم قد سمعتم بعنواني هذه الكلمة والمحاضرة التي هي وقفات مع أحداث حلب، تلكم الأحداث والوقائع التي وقعت وسمع بها الكثير مما أصاب المسلمين في تلك البلاد من جرم وظلم واعتداء وسفك للدماء وانتهاك للأعراض وتخريب للبلاد. فنقف مع هذه الأحداث وقفات نتعظ بها ونعتبر، وكذلك نأخذ منها فوائد، وكذلك أيضًا ما قد نستفيده في خلال حياتنا وسيرنا إلى الله جل وعلا. ومن تلكم الوقفات أولًا أن يستشعر المسلم ما يصيب إخوانه من المسلمين في سائر أقطار الأرض، فليست هذه الأحداث هي فقط في بلاد الشام أو في سوريا على جهة الخصوص، بل قد وقع ويقع مثلها في غيرها من بلاد الإسلام كالعراق أو كذلك في ليبيا أو غيرها. والواجب على المسلم أن يصيبه الحزن والألم لما يصيب إخوانهم يا مسلمين من حروب وتشريد وقتل وسفك للدماء وانتهاك للأعراب. إن النبي عليه الصلاة والسلام يقول: «مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى». نعم، ما يصيب المسلمين في أي بقاع الأرض من آلام وأحزان فلابد أن يتألم لها المسلم وأن يحزن لها المؤمن. إذ يجتمع المسلمون جميعًا على دين واحد، وكذلك أيضًا على عقيدة واحدة، وكذلك أيضًا على إيمان بنبي واحد عليه الصلاة والسلام. وأقصد بالمسلمين من كان على الإسلام الحق، فلذلك المسلم يستشعر مثل تلك الأحداث والوقائع ويصيبه من الحزن والآلام ما يصيب غيره من المسلمين. وكما أنه يحب لنفسه الخير والعافية فإنه كذلك يحب ذلك لغيره من المسلمين، وفي حديث أنس في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه». كما أنك تحب لنفسك العافية والسلامة والأمن والاستقرار، فإنه كذلك ينبغي أن تحب ذلك لغيرك من المؤمنين أن يكونوا في عافية وأمن وسلامة. كذلك أيضًا من هذه الوقفات ما رأيناه وسمعنا عن تكالب الأعداء من كفار ومجوس ونصيرية ورافضة على تلك البلاد وضربهم بيد واحدة والاعتداء عليهم في دمائهم وأعراضهم وأموالهم. هذا ينبئنا ويدلنا على عظم ما يحمله أولئك الأعداء من حقد دفين على الإسلام وأهله، فلا عجب أن يتعامل الكفار مع المسلمين بمثل هذه المعاملة التي هي في غاية من الظلم والحقد والبغضاء والجرم الذي لا يقبله شرع ولا عقل. فقد بين ربنا جل وعلا شدة عداوة الكفار للمسلمين، قال جل وعلا في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. لا يزالون يقاتلونكم أي هؤلاء الكفار حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا، هذا الذي يريدونه وهذا الذي يقصدونه هو رد المسلمين عن دينهم وأن يتنازلوا عن تمسكهم بالإسلام. ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم، وهكذا يقول ربنا جل وعلا: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾. ويقول سبحانه: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. وهكذا أخبر جل وعلا أن الكفار متى ما تمكنوا من أهل الإسلام فإنهم لا يرقبون فيهم إلاً ولا ذمة، قال جل وعلا: ﴿كَيْفَ وَإِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ لَا يَرْقُبُوا فِيكُمْ إِلًّا وَلَا ذِمَّةً يَرْضُونَكُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ وَتَأْبَى قُلُوبُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ فَاسِقُونَ﴾. هكذا يصف الله جل وعلا عداوة هؤلاء الكفار وأنهم لا يرضون من أهل الإسلام والإيمان إلا أن يرجعوا عن دينهم وأن يرتدوا وأن يكونوا مثلهم في الكفر. ﴿دُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً﴾، هذه غايتهم وهذا مطلبهم وهذا الذي يريدونه والذي يرجونه. فلذلك تبقى هذه العداوة مستمرة وباقية إلى أن يرث الله جل وعلا الأرض، ومن أشد هؤلاء الكفار عداوة اليهود. كما سمعنا في قول الله جل وعلا: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾. فاليهود والمشركون من أشد الكفار عداوة على أهل الإسلام، فكم حرص اليهود على إطفاء نور النبوة الذي بعث الله عز وجل به محمدًا عليه الصلاة والسلام منذ طفولته عليه الصلاة والسلام. روى ابن سعد في الطبقات أن أم النبي عليه الصلاة والسلام حين دفعته إلى حليمة السعدية لترضعه مرت على قوم من اليهود فقالت: «ألا تخبروني بابني هذا؟ فإني ماذا رأيت في حمله كذا وفي وضعه كذا»، فقال بعضهم لبعض: «أقتلوه»، قالوا: «أي يتيم هو؟»، قالت: «لا، هذا أبوه وأنا أمه»، وكأنها أحست منهم شيئًا، قالوا: «لو كان يتيمًا لقتلناه». انظروا إلى عداوتهم منذ طفولته عليه الصلاة والسلام، وذكر ابن الشام في السيرة وأصل الحديث رواه أهل السنن وصححه شيخنا رحمه الله في الصحيح المسند مما ليس بالصحيحين. في قصة خروج أبي طالب بالنبي عليه الصلاة والسلام إلى الشام حين لقيهم بحير الراهب ورأى من دلائل نبوة النبي عليه الصلاة والسلام ما رأى، قال لأبي طالب: «أرجعه إلى بلده، فإني أخشى عليه اليهود». وكذلك بعد ذلك كم حرص اليهود على الفتك بالنبي عليه الصلاة والسلام، أليس قد وضعوا له السم في طعامه عليه الصلاة والسلام وأرادوا الغدر به حين جاءهم عليه الصلاة والسلام لأجل الصلح ودفع دية من قتل منهم. فاستند إلى جدار بيت من بيوتهم فقال بعضهم لبعض: «من يصعد سقف هذا البيت فيلقي على رأسه صخرة فيريحنا منه؟»، فأوحى الله عز وجل إلى نبيه عليه الصلاة والسلام ما أراد أن يفعل اليهود، فانطلق النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة. وهكذا أحداث كثيرة تدل على عظيم غيظهم وحقدهم على الإسلام، وهم أهل مكر وخديعة لا يعرفون عهدًا ولا ذمة كما قال الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾. وقال: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾. فهؤلاء قوم لا عهد لهم ولا ذمة، فلذلك كانوا من أشد الكفار حقدًا على المسلمين. وأكد أيضًا ما بعد ذلك مما فعله يفعله اليهود بالمسلمين من فتك وقتل وجرائم بشعة، وكذلك أيضًا لا يذهب عنهم بعيدًا الرافضة. الرافضة وإن انتسبوا إلى الإسلام فإن الإسلام منهم بريء، وهم نبتة يهودية كما نعلم أنبتها عبد الله بن سبأ اليهودي. فلذلك فالرافضة يحملون في أنفسهم حقدًا عظيمًا على الإسلام وأهله، إذ أنهم في الحقيقة ليسوا بمسلمين، هم في الحقيقة ليسوا بمسلمين، فلا يعترفون بنبينا ولا يعترفون بربنا ولا بكتابنا. فأين هم من الإسلام؟ ولذلك تجد الأعمال الشنيعة التي تصدر منهم تجاه المسلمين من قتل وسفك للدماء، وكذلك أيضًا انتهاك للأعراض وتعاون مع الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم ضد المسلمين. والتاريخ يشهد بذلك في أحداث كثيرة ووقائع متعددة يدل على عظم حقد هذه الطائفة على أهل الإسلام. ما فعله ابن العلقمي وزير المعتصم الذي كان أمير العراق وخيانته للمسلمين واتفاقه مع التتار على تسليم البلاد لهم، وما فعلوه بالمسلمين من سفك للدماء وقتل مليون مسلم بسبب هذا الرافض الخبيث. وهكذا أيضًا ما حصل ووقع من الشيعة القرامطة تجاه حجاج بيت الله الحرام، كم قتلوا وسفكوا منهم في عام ثلاثمائة وسبعة عشر للهجرة حين كان المسلمون يطوفون حول الكعبة. فهجم عليهم الشيعة القرامطة فسفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض حتى قتل من المسلمين قرابة ثلاثين ألف مسلم من رجال ونساء وأطفال وشيوخ قتلوا وذبحوا على أيدي هؤلاء الرافضة القرامطة. وهكذا أيضًا ما حصل في لبنان وفي غيرها في تلك المخيمات شتيلة وصبرة كيف سفكوا دماء المسلمين وأقاموا المجازر العظيمة في حق الأبرياء. وهكذا أيضًا غيرها من المواقع الكثيرة التي تدل على حقد هذه الطائفة وما تملأ من بغضاء عظيم للإسلام وأهله. وما حصل في العراق وهكذا أيضًا في سوريا وفي حلب ليس عنا ببعيد من ذبح الأبرياء وانتهاك الأعراض وتدمير البلاد وإحراقها. فهذا كله يدل على حقد هذه الطائفة على الإسلام وأهله، فلا عجب أن يقع منهم تلك الأفعال وتلك الجرائم التي هي في الحقيقة من أفعالهم ومن أعمالهم التي قد ملئ التاريخ بها سوادًا وظلمًا واعتداءً وإجرامًا. كذلك أيضًا من تلكم الوقفات أن نعلم أن ما يصيب المسلمين من نكبات ومن تسلط لأعداء هذا الدين عليهم وعلى ما في أيديهم ليست أسبابه فقط أسبابًا سياسية كما يُقال. بل هناك أسباب معنوية ألا وهو ما تقترفه هذه الأيدي وما يقع من المسلمين من ذنوب ومعاصي ومخالفة لأمر الله جل وعلا. فلها سبب عظيم وأثر عظيم في ذل المسلمين وفي هوانهم وفي تسلط الأعداء عليهم. وربنا جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾. ويقول جل وعلا: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾. وهكذا يقول نبينا عليه الصلاة والسلام مبينًا هذا الحال والواقع الذي يعيشه المسلمون من ذل وهوان وتكالب للأعداء عليهم وعلى بلادهم. كما في حديث ثوبان رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «تتكالب عليكم الأمم كتكالب الأكل إلى قصعتها»، قالوا: «يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟»، قال: «لا، أنتم كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، تنزع المهابة من قلوب عدوكم ويُقذف في قلوبكم الوهن»، قالوا: «يا رسول الله وما الوهن؟»، قال: «حب الدنيا وكراهية الموت». لما انهمك الناس بالدنيا وتعلقوا بها وعملوا لأجلها وتركوا الآخرة وضيعوا أوامر الله وضيعوا دين الله سبحانه وتعالى، ذهبت هيبتهم وذهبت مكانتهم. فلم يكن لهم هيبة ولا أثر في قلوب الكفار، فهانوا عليهم إذ أنهم هانوا على الله جل وعلا. فإذا كان هذا حال العباد في بعد عن دين الله وبعد عن طاعة الله وانهماك في الشهوات والملذات وارتكاب للمحرمات والمخالفات، أصاب المسلمين بسبب ذلك من الذل ما أصابهم. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث ابن عمر قال: «بعثت بين يدي الساعة بالسيف، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعل الذلة والصغار على من خالف أمري»، فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر بأن الذلة والمهانة والصغار على من خالف أمره عليه الصلاة والسلام. ومن نظر في أحوال كثير من المسلمين يجد أنهم في بعد عظيم عن دين الله عز وجل الذي بعث الله جل وعلا به محمدًا عليه الصلاة والسلام. ارتكاب للشهوات وتوسع في هذا الباب وعدم تقيُّد بقيود الشريعة، فتجد انتشار الفواحش وانتشار الزنا وشرب الخمور وفتح المراقص وربما أماكن للدعارة وغير ذلك من أمثال تلك المحرمات ترتكب علانية ومن غير نكير. فكيف بعد ذلك يكون للمسلمين هيبة أو لهم رفعة؟ كذلك أيضًا ما أخبر به النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن عمر في مسند الإمام أحمد قال عليه الصلاة والسلام: «إذا تبايعتم بالعينة ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد في سبيل الله صلَّط الله عليكم ذلًا لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم». صلَّط الله عليكم ذلًا بسبب الذنوب والمعاصي تعامل بالربا وعدم مبالاة بذلك وركون إلى الدنيا ومحبة الدنيا وترك الجهاد في سبيل الله وبذل هذه الأرواح قربة إلى الله جل وعلا بالضوابط الشرعية. فحينئذ يحصل للمسلمين ذلة عظيمة لا تُنزع ولا تُرفع إلا بالرجوع إلى هذا الدين، إلا أن ترجعوا إلى دينكم. فحصول هذه المخالفات العظيمة هي إذن بعقوبة من الله جل وعلا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. ويقول سبحانه: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾. وفي حديث ابن عمر عند المنذري قال عليه الصلاة والسلام: «يا معشر المهاجرين، خمس خصال أعوذ بالله أن تُدركوهن: ما ظهرت الفاحشة في قوم حتى يُعلنوا بها إلا ابتلوا بالأمراض والأسقام التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا». «وما نقص قوم المكيال والميزان إلا ابتلوا بالسنين وشدة المونة وجور السلطان، وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمطروا». «وما خفر قوم العهد وما ترك قوم عهد الله ورسوله إلا صلَّى الله عليهم عدوًا من غيرهم فاستباح بعض ما في أيديهم». «وما لم تحكم أئمتهم بما أنزل الله إلا جعل الله بأسهم بينهم»، هذه بعض الذنوب والمعاصي ربما يقع فيها العباد فتكون سببًا لوقوع مثل تلك العقوبات. فيا عباد الله، إن العباد إذا هانت عليهم أوامر الله وهان عليهم دين الله وهان عليهم كذلك سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام هانوا على الله. فلم يبالِ الله بهم ولم يكن لهم منزل عند الله، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ﴾. من يهن الله إذا أهان الله عز وجل أحدًا فمن يكرمه ومن يعزه ومن كذلك يرفعه لا أحد. ولذلك يهون العباد على الله جل وعلا إذا خالفوا أمره، في سنن سعيد بن منصور عن جبير بن نوفير رحمه الله قال: «لما فتحت قبرص وهي بلد من بلاد الروم قال وَاقْتَسَمَا أَلْمُسْلِمُونَ الْأَسْرَى وَفُرِّقَ بَيْنَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَبَكَى بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضِهِمْ»، قال: «واحتبى بحمائل سيفه»، قال: «وبكى جعل يبكي»، فقال جبير متعجبًا: «يا أبا الدرداء ما يبكيك في يوم أعز الله فيه الإسلام وأهله وأذل الكفر وأهله؟»، قال: «ثكلتك أمك يا جبير، ما أهون العباد على الله إذا خالفوا أمره»، بينما هي أمة قائمة ظاهرة لها الملك، فخالفوا أمر الله فصاروا إلى ما صاروا إليه. انظروا كيف نظر رضي الله عنه نظرة بعيدة وقال هذه الكلمات التي هي موعظة يتعظ بها أهل الإسلام وأهل الإيمان. أن ما حصل لهؤلاء من الذلة والمهانة هو بسبب ذنوبهم ومعاصيهم ومغترفته أيديهم، فهانوا على الله جل وعلا فأصابهم ما أصابهم. وكأنه يقول: «يا معشر المسلمين، احذروا أن تقعوا فيما وقعوا فيه وأن تهون عليكم أوامر الله ويهون عليكم دين الله فتهونوا على الله جل وعلا فيصيبكم مثل هذا الذل أن يتسلط عليكم الأعداء فيسفكون دماءكم ويسلبون نساءكم وكذلك يأخذون أرضكم بسبب أعمالكم وذنوبكم». فلذلك كان واجبًا على المسلمين أن يفيقوا من غفلتهم وأن يرجعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى. فإن من تلكم الوقفات أن ما يصيب أهل الإسلام من عذاب ونكال وعقوبة ينبغي أن تكون عظة وعبرة أن يتعظ بها من أصابهم وغيرهم ممن علموا بذلك. وذلك بالرجوع إلى الله وتضرع إلى الله سبحانه وتعالى، والله جل وعلا يقول: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ﴾. أي ما أصابهم القشوع والذل لله جل وعلا والخذوع له مع ما أصابهم، ما أصابهم هذا ذم من الله جل وعلا لأمثال هؤلاء الذين أصيبوا بأنواع من العذاب والتنكيل فلعلهم يرجعون إلى الله. فاستمروا في طغيانهم واستمروا في غفلتهم وفي بعدهم عن ربهم جل وعلا، فذمهم الله سبحانه وتعالى بسبب ذلك. ﴿فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. هذا من تزيين الشيطان أن يستمر الإنسان في باطله وفي بعده وفي غفلته عن الله جل وعلا مع ما يحصل له وما يرى أو يسمع من حصول تلك النكبات وتلك العقوبات التي تصيب المسلمين في سائر أقطار الأرض. كذلك أيضًا من تلك الوقفات أن نلزم أو نعلم أهمية ووجوب لزوم منهج أهل السنة والجماعة وما له من أثر عظيم في استقرار بلاد الإسلام وبقاء أمنها، وكذلك أيضًا ظهور قوتها. إذ أنها سبب لحصول الخير لأهلها، ولذلك نرى الأثر الكبير في تلكم المناهج المنحرفة وتلكم العقائد الزائغة والطوائف المائلة عن الحق التي استغلها أعداء هذا الدين في ضرب المسلمين. ومن ذلك منهج الإخوان الذي يرى الخروج على أولاة الأمر بالمظاهرات وبالثورات والانقلابات، فحصل ذلك في كثير من بلاد الإسلام كليبيا وتونس وكذلك سوريا. وانظروا إلى الآثار السيئة والمفاسد العظيمة التي ترتبت على هذا الفكر المنحرف المخالف لدين الله والمخالف لشرع الله جل وعلا. كم سفكت من دماء وانتهكت من أعراض وذهب الأمن وصلبت البلاد وتسلط الأعداء على بلاد الإسلام بسبب هذه المناهج المنحرفة. استغلها أعداء هذا الدين باسم المحافظة على المنصب وعلى الرئاسة وعلى الكرسي، فضرب المسلمون ضربًا عظيمًا، سفكت دماؤهم وانتهكت أعراضهم. فكان لذلك الأثر العظيم في حصول هذا الشر المستطير الذي ربما فرح به أمثال هؤلاء من الحماسيين وسموه بالربيع العربي. ما حدث في بلاد الإسلام من قتل وتشريد وانتهاك للأعراض وقتل للأطفال والنساء والشيوخ والأبرياء سموه بالربيع العربي، أي ربيع هذا؟ بل هذا أحقًا يسمى كما قال العلامة الفوزان حفظه الله بربيع الكفار. نعم، هو ربيع للكفار، هم الذين فرحوا بذلك واستبشروا بذلك، وكذلك أيضًا حصل لهم من السرور والفرح ما حصل من ضرب للإسلام والمسلمين بسبب هذه الأفعال. كذلك أيضًا فكرة التكفير والخوارج الذي لعب كذلك دورًا كبيرًا في استغلال الأعداء لهذا الفكر حتى أنشئت تلكم الجماعات التكفيرية التي تسمى بداعش أو غيرها. أنشأها هؤلاء الأعداء ليستغلوها في ضرب المسلمين، وهذا أمر كما يقال قد كشفت صفحاته وصارت ظاهرة ظاهرة لكل ذي عينين. كيف لعب الأعداء لعبتهم في إنشاء تلكم الجماعة ثم استخدامها لضرب المسلمين، فتأتي إلى دولة من الدول أو منطقة من المناطق. ثم يتجمع الأعداء من كل مكان زعمًا منهم أنهم يقاتلون تلك الطائفة أو يكافحون الإرهاب، فإذا تجمعوا وحصل المقصود من تمكنهم وقدرتهم وقوتهم. إن سلبت تلكم الجماعة وانسحبت وسلمت تلك البلاد إلى أيدي الأعداء يعبثون فيها كيف شاءوا. انظروا كيف استغلوا هذا الفكر استغلالًا عظيمًا في ضرب المسلمين، فلذلك الواجب هو الحذر من مثل تلكم الأفكار، بل وكذلك الحذر من دعاتها. الحذر كذلك من دعاتها دعاة الإخوان ومن كان على شاكلتهم الذين يبثون مثل هذه الأفكار المنحرفة في أفكار وعقائد المسلمين. فينبغي الحذر منهم والحرص على توجيه أبنائنا إلى مساجد أهل السنة والجماعة الذين يتعلمون الكتاب والسنة والعقيدة الصحيحة التي هي مستنبطة من كتاب الله جل وعلا ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. بعيدة كل البعد عن هذه الأفكار المنحرفة وهذه الحماسيات الفارغة التي ما فعلت بالمسلمين إلا الشر العظيم. كذلك أيضًا من تلكم الوقفات عباد الله أن الله جل وعلا له الحكمة البالغة فيما يقع في هذا الكون. ونعلم علم اليقين أنه لا يقع شيء إلا بأمر الله، الكون والقدر أو الشرع، فلله الحكمة البالغة. والله عز وجل يقول: ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ﴾. فالله سبحانه وتعالى قد يبتلي كما سمعنا بعض المسلمين بأنث هذا البلاء وتسلط بعض الكافرين عليهم. ليمحِّص الله جل وعلا المؤمن من الكافر، ولذلك يكفِّر بعض ذنوبهم ومعاصيهم، وكذلك أيضًا ربما يختار الله جل وعلا بعض الشهداء. كما قال سبحانه: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾. وليمحِّص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين، وكذلك أيضًا منها أن الله جل وعلا قادر على إهلاك الكافرين وعلى إبادتهم وتدميرهم. كما دمر الله جل وعلا من كان قبلهم ومن هو أعتى منهم وأقوى وأشد منهم قوة، كما قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ﴾. لكن الله جل وعلا لحكمته أراد سبحانه وتعالى أن يبتلي العباد بعضهم ببعض، يبتلي المؤمنين بالكفار ويبتلي الكفار بالمؤمنين. ذلك ولو يشاء الله لنقص منهم، ولكن ليبلو بعضكم ببعض، ومع ذلك فمهما ظهر الكفار ومهما علوا فمصيرهم إلى الضعف وكذلك إلى الهلاك. قال جل وعلا: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا﴾. وللكافرين أمثال هذا التدمير وهذا الهلاك الذي أصاب من كان قبلهم من الكفار. ويقول جل وعلا: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا مِثْلَ أَيَّامِ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِهِمْ قُلْ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ومع ذلك وما أصاب المسلمين وما يصيبهم من ذل وهوان فإن العاقبة للمتقين والعاقبة لأهل الإيمان. فلهم التمكين ولهم كذلك الرفعة إذا رجعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، قال الله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ﴾. فالأرض يرثها عباد الله الصالحون، مهما حصل ما حصل من ظهور للكفار على المؤمنين في بعض الأحيان فإن العاقبة لأهل الإيمان. وكذلك أيضًا من هذه الوقفات أن ما أصاب المسلمين في بلاد الشام وفي سوريا وحلب ليس معناه انتهاء الإسلام فيها والقضاء على أهله وأن لا بقاء للإسلام على ظهرها. بل الإسلام باق وسيرجع وسيعود وسيكون له المكان والقوة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام. ونذكر بعض الأحاديث التي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بشيء من ذلك من بقاء الإسلام في تلك البلاد. ومنها ما جاء في حديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن فسطاط المسلمين يوم الملحمة الكبرى بالغوطة بجانب بلدة يقال لها دمشق»، هذا الحديث رواه أبو داود من حديث أبي الدرداء رضي الله عنه وصححه العلامة الألباني رحمه الله. ومعنى «إن فسطاط المسلمين» أي حصنهم الذي يتحصنون به يوم الملحمة أي وقوع القتال بين المسلمين والكفار بالغوطة وهي موضع بجانب دمشق كثير الأشجار والماء. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مجمع المسلمين وجيش المسلمين يكون في ذلك الموضع. كذلك أيضًا في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إذا وقعت الملحمة أخرج الله جل وعلا من دمشق بعثًا هم من الموالي خير العرب فرسًا وأحسنهم سلاحًا يؤيد الله بهم هذا الدين»، رواه ابن ماجة وصححه العلامة الألباني رحمه الله. ومنها أيضًا ما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا تقوم الساعة حتى ينزل الروم بالأعماق أو بدابق»، والأعماق ودابق موضعان بجانب حلب. قال: «فيخرج إليهم جيش من المدينة هم من خير أهل الأرض يومئذ»، والمراد بالمدينة كما قال الشراح إما حلب وإما دمشق. قالوا: «ليس المراد بالمدينة مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام لأنها في ذلك الوقت قد هلكت»، لأن هذا في آخر الزمان قرب نزول الدجال. قال: «هم من خير أهل الأرض يومئذ، فإذا تصافوا أي للقتال قال الكفار: خلوا بيننا وبين الذين سبوا منا نقاتلهم»، وهذا فيه دلالة على أنه سيقع قتال بين المسلمين وبين الروم وينتصر المسلمون عليهم. حتى يأخذوا منهم السبي، فله

شاركنا على