تحذير المسلمين والمسلمات من السبع الموبقات

المحاضرة بعنوان تحذير المسلمين والمسلمات من السبع الموبقات، وكانت بمسجد السنة بحباير ٢٠ جمادى الاخر ١٤٣٨هـ ألقاها

خطورة الشرك بالله وأنواعه

يتناول هذا الفصل خطورة الشرك بالله ويشرح أنواع الشرك الأكبر مثل دعاء غير الله وتقديم العبادات لغير الله، ويبين أن الشرك يحرم صاحبه من دخول الجنة. كما يشير إلى أنواع الشرك والكفر في الإسلام مثل الرياء والحلف بغير الله والتشاؤم والسحر.

تحريم قتل النفس بغير حق وعقوبته

يناقش هذا الفصل تحريم قتل النفس بغير حق ويوضح أن قتل المسلم بغير حق من أعظم الذنوب ويستوجب عقوبة شديدة في الآخرة. كما يبين أنواع الأنفس التي حرم الله قتلها وهي نفس المسلم والكافر المعاهد والكافر الذمي والكافر المستأمن.

أحكام المعاملات المالية وتحريم الربا

يتناول هذا الفصل تحريم الربا في الإسلام ويشرح كيفية التعامل مع الديون وتقابض الأموال وفقًا للشريعة الإسلامية. كما يبين حكم التفاضل في المعاملات المالية، ويوضح أن الأوراق النقدية تأخذ حكم الذهب والفضة في الثمنية ويجب التقابض عند بيعها بنفس الجنس.

  • 26 جمادى الأولى 1438هـ - 22/02/2017مـ
التفريغ النصي الكامل

﴿إِنَّ الْحَمْدَ لِلَّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ وَنَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ﴾. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن أصدق الحديث كتاب الله وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار. عباد الله، نتذكر في هذا المجلس حديثًا من أحاديث النبي عليه الصلاة والسلام الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، جاء في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «اجتنبوا السبع الموبقات»، قالوا: أما هن يا رسول الله؟ قال: «الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات». في هذا الحديث يأمر النبي عليه الصلاة والسلام باجتناب هذه الأمور السبعة التي إن وقع فيها الإنسان كان سببًا في هلاكه، «اجتنبوا» أي ابتعدوا واتركوا واحذروا السبع الموبقات أي المهلكات التي تهلك صاحبها وتكون سببًا في خسارته وفي هلاكه. قوله عليه الصلاة والسلام: «السبع» هذا العدد يدل على أنه ليس هناك مهلكات غير هذه السبع؟ الجواب: لا، فهناك مهلكات غيرها، لكن هذه من أهمها أو كذلك من المهلكات، فهي من أعظمها ومن أهمها، وذلك أن العدد لا يفيد الحصر كما هو قول جمهور أهل العلم وأهل الأصول. بدأ النبي عليه الصلاة والسلام بذكر هذه المهلكات بذكر الشرك بالله جل وعلا من أول هذه المهلكات ومن أعظمها الشرك بالله، الشرك بالله من أعظم الذنوب على جهة الإطلاق، فلا ذنب أعظم من الشرك بالله، فالشرك بالله أعظم من قتل النفس ومن أكل الربا ومن الزنا ومن شرب الخمر ومن عقوق الوالدين ومن قطيعة الأرحام إلى غير ذلك من الذنوب والمعاصي وكبائرها. في الصحيحين عن ابن مسعود رضي الله عنه سئل النبي عليه الصلاة والسلام: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزني بحليلة جارك»، فأعظم الذنوب الشرك بالله، أن تجعل لله جل وعلا شريكًا في ألوهيته أو ربوبيته أو في أسمائه وصفاته تجعل لله جل وعلا ندًا ومثيلًا ونظيرًا، والله عز وجل لا مثيل له ولا نظير له ولا كفء له، فلا تجعلوا لله أندادًا وأنتم تعلمون، هل تعلم له سميا أي من يساميه ومن يماثله؟ «قل هو الله أحد الله الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»، فالله جل وعلا لا يماثله أحد من مخلوقاته. فمن اتخذ ندًا مع الله يدعوه أو يرجوه أو يخافه أو يذبح له أو ينذر له أو يصرف له شيئًا من العبادات فقد اتخذه إلهًا مع الله، اتخذه إلهًا مع الله، هذا من أعظم الذنوب، «قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطان وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون»، قوله جل وعلا: «ما لم ينزل به سلطان» ليس معنى أن هناك من يشرك بالله وله في ذلك سلطان وبرهان، هذه صفة كاشفة لا مفهومة لها كما يسميها أهل العلم، إنما يؤتى بها للتوضيح والبيان. ومن يدعو مع الله إلهًا آخر لا برهان له به، وليس معنى أن هناك من يدعو مع الله إلهًا آخر له فيه برهان، لكن هذا من هذا الباب صفة كاشفة لا مفهومة لها، والمعنى أنه لا أحد له حظ أو برهان أو سلطان في عبادته لغير الله سبحانه وتعالى، هذا النوع من الشرك وهو الشرك الأكبر، صرف العبادة لغير الله من أعظم الذنوب، إذ أن صاحبه لا يغفر الله سبحانه وتعالى له إن مات على الشرك. قال الله جل وعلا: «إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء»، يغفر ما دون ذلك أي ما دون الشرك لمن يشاء أن يغفر الله سبحانه وتعالى له، فإذا مات الإنسان وهو على التوحيد وعلى بعد من الشرك وعنده ذنوب ومعاصي فإنه تحت مشيئة الله، إن شاء الله عذبه ثم يكون مصيره إلى الجنة، وإن شاء عفى الله عنه، وأما إن مات وعنده هذا الذنب العظيم وهو الشرك بالله فإن الله جل وعلا لا يغفره له. وهكذا أيضًا صاحب الشرك الأكبر يحرم دخول الجنة، قال الله جل وعلا: «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار وما للظالمين من أنصار»، فالجنة محرمة على من وقع في هذا النوع من الشرك. قال أبو القيم رحمه الله: «والشرك نوعان، فشرك ظاهر ذا النوع ليس بقابل الغفران وهو اتخاذ الند للرحمن أيًا كان من حجر أو إنسان يدعوه أو يرجوه ثم يخافه ويحبه كمحبة الديان»، هذا الشرك الأكبر كما سمعنا، صرف العبادة لغير الله، كمن يذبح لغير الله تقربًا إليه، يذبح للجن أو يذبح لصاحب القبر أو للولي أو للسلطان تقربًا إليه. قال الله جل وعلا: «قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لا شريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لعن الله من ذبح لغير الله»، رواه مسلم عن علي رضي الله عنه. وهكذا دعاء غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، كمن يدعو الأموات أو يدعو من كان حيًا وهو غير قادر أو يدعو من كان حيًا وهو غائب يطلب منه الولد أو كشف الكربات أو النجاة من النار أو الخوز بالجنة، والله جل وعلا يقول: «ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين»، فسمى الله عز وجل دعاءهم عبادة وكفرهم بسبب صرفهم لهذا الدعاء لغير الله. وقال جل وعلا: «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض»، وقال ربكم: «ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخلين»، فالذي يدعو غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد وقع في الشرك الأكبر الذي يخرج به المرء من دائرة الإسلام. وما أكثر من يدعو غير الله ممن ينتسب إلى الإسلام، يدعو ويستغيث بالأموات وبالأولياء، هذا يدعو العدروس وذاك يدعو الجيلاني وذاك يدعو فلانًا، وهكذا أيضًا من الشرك بالله جل وعلا كذلك محبة الإنسان لغير الله جل وعلا كمحبة الله أو أشد، فمن أحب شخصًا أو شيئًا كما أحبته لله أو أشد فقد اتخذه إلهًا. قال الله جل وعلا: «من يتخذ من دون الله أندادًا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبًا لله»، والعبادة في أصلها هي المحبة والذل، وعبادة الرحمن غاية حبه مع ذل عابده، هما قطبان بالأمر قال الله قال رسوله لا بالهوى والنفس والشيطان. فأصل العبادة هي المحبة والذل، فمن صرفها لغير الله فقد وقع في الشرك الأكبر إن صرف العبادة لغير الله جل وعلا، وهكذا أيضًا هناك أنواع من الشرك ما هو شرك أصغر وقد يصل بصاحبه إلى الشرك الأكبر، كيسير الرياء أن يرائي في عمله، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول كما في السنن من حديثه محمود بن لبيد: «أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر»، فسئل عنه فقال: «الرياء». أن يرائي الإنسان في عمله في صلاته أو في قراءته أو في صدقته، ومن يرائي يرائي الله به، ومن سمع سمع الله به كما قال عليه الصلاة والسلام، والرياء مبطل للعمل الذي يقع فيه الرياء إن كان العمل متصلًا ولم يقطعه فإن عمله يبطل. وهكذا أيضًا الحلف بغير الله من غير تعظيم كمن يحلف بالنعمة أو بالشرف أو برأس أمه أو بالأمانة أو بالكعبة أو بغير ذلك من المخلوقات، فإن الحلف بغير الله من الشرك، قال عليه الصلاة والسلام: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك»، رواه الترمذي عن عمر، يعني من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك. وقال عليه الصلاة والسلام كما في السنن من حديث بريدة: «من حلف بالأمانة فليس منا»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تحلفوا بآبائكم»، ويقول: «إن الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم»، من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت، هذا إن كان من غير تعظيم يكون شركًا أصغر، فإن كان معظما للمحلوف به كان شركًا أكبر مخرجًا لصاحبه عن دائرة الإسلام. وهكذا أيضًا الطيرة وهو التشاؤم بمرئي أو مسموع أو معلوم، أن يتشاءم الإنسان بشيء يراه سواء كان إنسانًا أو حيوانًا فيترك العمل الذي يريد أن يعمله من زواج أو تجارة أو سفر أو غير ذلك، أو كذلك أيضًا مسموع كصوت إذا سمع صوت البومة أو نبح الكلب أو نهيق الحمار أو غير ذلك من الأصوات تشاؤم، أو كذلك معلوم كبعض الأيام أو الشهور، فإن التشاؤم من الشرك، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك الطيرة شرك»، رواه أهل السنن من حديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنه. قال ابن مسعود: «ما منا إلا ولكن الله يذهبه بالتوكل»، يعني ما منا من أحد إلا وقد يقع في قلبي شيء من ذلك، ولكن الله يذهبه بالتوكل أي بالاعتماد على الله والإقدام على العمل الذي أراد أن يعمله معتمدًا على الله سبحانه وتعالى، فإن ذلك لا يضره، لكن إن ترك العمل الذي أراد أن يعمله بسبب التشاؤم فقد وقع في الشرك. وأنواع كثيرة الشرك أخفى من دبيب النمل تحت الصخرة الصماء في الليلة الظلماء، فما أحوج المسلم أن يتعلم التوحيد حتى يعرف كيف يوحد الله جل وعلا ويقوم بعبادته وطاعته على الوجه الصحيح، ويتعلم الشرك وأنواعه حتى يحذره ويبتعد عنه، والشيء لا يعرف إلا بضده، وبضده تتميز الأشياء. ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم بعد أن ذكر الشرك بالله قال: «والسحر» أي من سبع المهلكات، السحر، والسحر نوع من أنواع الشرك، نوع من أنواع الشرك، إلى أن النبي عليه الصلاة والسلام خصه بالذكر، خصه بالذكر لكثرة شره وكثرة فساده وما يترتب عليه من مفاسد عظيمة في مجتمعات أهل الإسلام. السحر لغة ما خفى سببه، ما لطف وخفى سببه، وشرعًا عزائم تؤثر في قلب المسحور أو في عقله فتمرضه أو ربما تقتله، والسحر كفر تعلمه وتعليمه والرضا به، قال الله جل وعلا: «واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبيس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون»، هذه الآية دلت على كفر الساحر من أوجه عديدة. منها قوله جل وعلا: «ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر»، فدل أن تعليم السحر كفر، ومنها أيضًا: «وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر»، فدل أن تعلم السحر كفر، وقال جل وعلا: «يتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم»، فدل على أن تعلم السحر ضرر لا نفع فيه، وما كان ضرره ضررًا محضًا خالصًا فهو محرم. فإن الشريعة جاءت للأمر بتحقيق المصالح وتكثيرها ودرء المفاسد وتقليلها، ولا تأمر إلا بما مصلحته خالصة أو راجحة، ولا تنهى إلا عما مفسدته خالصة أو راجحة، والسحر مفسدته خالصة لا نفع فيه، فلذلك كانت الشريعة محرمة له. وأيضًا في قوله جل وعلا: «ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق»، أي نصيب، والذي ليس له في الآخرة نصيب هو الكافر، هذه الأوجه كلها تدل على أن تعلم السحر وتعليمه كفر، ومن رضي بالكفر فهو كافر، إذن السحر من الأمور المهلكة لأنه كفر، فإذا فعله الإنسان وتعلم السحر فقد وقع في الكفر عياذًا بالله. وحده في الإسلام القتل، في حديث جندب أنه قال عليه الصلاة والسلام: «اقتلوا كل ساحر»، أو «حد الساحر ضربة بالسيف»، وإن كان هذا الحديث الصحيح الثابت أنه من فعل جندب رضي الله عنه أنه قتل ساحرًا كان يلعب عند بعض الأمراء بسحره فأخذه فضربه بالسيف فقال له: «أحيي نفسك». وهكذا أيضًا صح عن عمر أنه أمر بقتل ثلاث سواحر، وصح عن حفصة رضي الله عنها أنها أمرت بقتل ساحرة سحرتها، قال الإمام أحمد رحمه الله: «ثبت قتل الساحر عن ثلاثة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم»، يقتل الساحر إن كان سحره بالكفر وهو الغالب أن سحره بالكفر، يقتل ردة حتى يكف شره عن الناس لما يقع منه من فساد يفرق بين المرء وزوجه وبين الصاحب وصاحبه وبين الولد وأبيه وبين المرأة وأمها، ولذلك كان من راض بذلك أنه يكفر. ومن ذهب إلى السحرة وسألهم وصدقهم فهو كافر، قال عليه الصلاة والسلام كما في السنن يبي داود من حديث أبي هريرة رضي الله عنه: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله فصدقه فقد كفر بما أنزل على محمد»، فقد كفر بما أنزل على محمد، إذا صدقه في سحره فقد وقع في الكفر لأن الكاهن الذي يدعي علم الغيب والعراف الذي يدعي معرفة الضائعات ممن يدعون علم الغيب، وعلم الغيب لا يعلمه إلا الله، «قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله». وهكذا أيضًا يكون راض بما هو فيه من السحر فيكون راض بالكفر، وما أكثر السحر في هذه الأزمان الذين يفسدون عقول الناس وقلوبهم، فهؤلاء كما سمعنا حدهم القتل، وهذا الأمر يقوم به ولي الأمر، ليس إلى أفراد الناس أن يقوموا بقتل الساحر، إنما هذا الأمر لولي الأمر هو الذي يقوم بذلك ويتتبعهم ويقيم عليهم الحد ويكف الناس من شرهم. فشهد أن السحر من المهلكات والموبقات التي حذر منها النبي صلى الله عليه وسلم، وكذلك أيضًا من السحر تعلم علم النجوم والاستدلال بحركات الفلك على الحوادث الأرضية بأنه يحصل كذا أو كذا، ففي سنن أبي داود من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر»، زاد ما زاد، أي كلما زاد اقتباسًا من النجوم كلما زاد وقوعًا في السحر. وهكذا أيضًا ذكرنا أن من أتى الساحر فسأله وصدق فقد كفر، فإن جاءه وسأله من غير تصبيق ويعرف أنه كاذب وليس بصادق لكن سأله مجرد سؤال، فهذا الفعل محرم، وعقوبته أنه لا تقبل منه صلاة أربعين يومًا كما في مسلم عن بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام، قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهنًا فسأله لم تقبل له صلاة أربعين يومًا»، معناه يصلي ويجب عليه أن يصلي لكن لا تقبل منه ولا يؤجر عليها. وإن جاء فسأله لأجل أن يبين كذبه ويبين دجله فهذا جائز، وهكذا أيضًا من الموبقات التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، قتل النفس التي حرم الله على أربعة أقسام: نفسه المسلم ونفس الكافر المعاهد والكافر الذمي والكافر المستأمن، هؤلاء أربعة أنفس جاء في الشرع تحريم قتلها وسفكها. أما المسلم فهي أعظم هذه الأنفس، ووردت فيها الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة في تحريم قتلها وسفكها والاعتداء عليها، وأما الكافر فإنه ليس كل كافر يقتل إلا من كان كافرًا حربيًا لا عهد له ولا ذمة ولا أمان، وأما الكافر المستأمن الذي يدخل بلاد الإسلام بأمان هذا لا يجوز قتله. والله عز وجل يقول: «وإن أحد من المشركين استجارك فأجره حتى يسمع كلام الله ثم أبلغه مأمنه»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول لأم هانيء: «قد أجرنا من أجرت يا أم هانيء»، حين أجارت رجلين مشركين أراد علي رضي الله عنه قتلهما يوم الفتح، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم جوار أم هانيء لهما. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلمون تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم»، أي إذا أجار مسلم كافرًا وجب على جميع المسلمين أن يقبلوا جواره فلا يعتدوا على هذا الكافر، وهكذا أيضًا الكافر المعاهد الذي يكون بين دولته ودولة الإسلام عهد فلا يجوز قتله، والذمي هو الكافر اليهودي أو النصراني الذي يكون في حكم الإسلام وتحت حكم الإسلام ويدفع الجزية وهو باق على دينه أيضًا لا يجوز قتله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنة»، والحديث في البخاري من حديث ابن عمر: «من قتل معاهدًا كافرًا له عهد لم يرح رائحة الجنة»، إذا كان هذا في حقه هذا الكافر الذي له عهد فكيف بالمسلم؟ والله جل وعلا يقول: «ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا فجزاؤه جهنم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعد له عذابًا عظيمًا»، خمس عقوبات عظيمة على من قتل مسلمًا بغير حق: جهنم دخول النار والخلود فيها، وغضب الله حلول الغضب من الله جل وعلا على القاتل، واللعنة ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا. والله عز وجل يقول: «والذين لا يدعون مع الله إلهًا آخر ولا يقتلون النفس التي حرم الله إلا بالحق ولا يزنون ومن يفعل ذلك يلق أثامًا يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهانًا إلا من تاب وآمن وعمل عملًا صالحًا فأولئك يبدل الله سيئاتهم حسنات كان الله غفورًا رحيمًا»، ففعل هذه الذنوب من الشرك وقتل النفس والزنا يلقى صاحبها آثامًا أي ذنبًا وإثمًا وعقوبة، ويضاعف له العذاب إلا إذا تاب ورجع إلى الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضًا لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام في حديث ابن مسعود وقد ذكرناه في أول المجلس: أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل لله ندًا وهو خلقك»، ثم أي؟ قال: «أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك»، عد ذلك من أعظم الذنوب أن تقتل ولدك خشية الفقر، وهكذا أيضًا يقول ربنا جل وعلا: «ومن قتل نفسًا بغير نفس فكأنما قتل الناس جميعًا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعًا»، من قتل نفسًا بغير حق فكأنما قتل الناس جميعًا. دخل أبو هريرة رضي الله عنه على عثمان رضي الله عنه يوم الدار فقال: «يا أمير المؤمنين قد جئت لأنصرك وقد طاب الضرب»، قال: «يا أبا هريرة أتحب أن تقتل الناس جميعًا وإياي؟»، قال: «لا»، قال: «فإن من قتل رجلًا مسلمًا فكأنما قتل الناس جميعًا»، فانصرف مأجورًا غير مأزور، قال: «فرجعت ولم أقاتل»، وهكذا يقول ربنا جل وعلا: «وما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا خطأ»، ما كان لمؤمن أن يقتل مؤمنًا إلا أن يقع على سبيل الخطأ، أما يتعمد ويتقصد قتله وسفك دمه فذلك لا يقع إلا من ناقص الإيمان. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا»، متفق عليه عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه، فالأصل بدم المسلم الحرمة، لا يجوز أن يعتدي المسلم على دم أخيه، ويقول عليه الصلاة والسلام كما في السنن من حديث البراء: «لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل امرئ مسلم»، لزوال الدنيا تزول هذه الدنيا بما فيها أهون عند الله من قتل امرئ مسلم. وأن عبد الله بن عمر كما في السنن قال: «رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يطوف حول الكعبة ويقول: ما أطيبك وأطيب ريحك وما أعظمك وأعظم حرمتك والذي نفس محمد بيده لا دم المسلم أو حرمة المسلم أعظم حرمة من كعبة ودمه»، ويقول عليه الصلاة والسلام: «لو أن أهل السماوات والأرض اجتمعوا على دم امرئ مسلم لأكبهم الله في النار»، لأكبهم الله في النار لعظم حرمة دم المسلم. ويقول عليه الصلاة والسلام كما عند مسلم من حديث أبي سعيد: «تخرج عنق من النار يوم القيامة تقول وكلت بثلاثة بكل جبار عنيد ومن جعل مع الله إلهًا آخر ومن قتل نفسًا بغير حق»، قال: «فتنطوي عليهم فتفدفهم في حمراء جهنم»، وأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن المقتول يجيء يوم القيامة بالقاتل فيقول: «يا رب سل هذا فيما قتلني»، فيقول الله عز وجل: «فيما قتلته؟»، قال: «فيقول لتكون العزة لفلان»، فيقال: «هي لله»، وفي رواية يقال له: «تعست ثم يذهب به إلى النار خاسرًا وهالكًا»، من قتل نفسًا بغير حق يكون مصيره إلى النار والجحيم عياذًا بالله. ولحديث ذلك كثيرة في بيان عقوبة وعظم ذنب من قتل مسلمًا بغير حق، وقوله عليه الصلاة والسلام: «وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق»، إذا كان بالحق فإنه لا يعد ذلك من المهلكات ما هو هذا الحق؟ أن يقاتل من يستحق القتل كالبغاة الباغية التي تبغي على الأخرى فتقاتل كما أمر الله سبحانه وتعالى بذلك، فقاتل التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله. وهكذا أيضًا قتل القصاص، فإن هذا قتل بحق، «يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى»، وقال الله جل وعلا: «وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس والعين بالعين والأنف بالأنف والأذن بالأذن والسن بالسن والجروح قصاص»، ويقول الله جل وعلا: «ولكم في القصاص حياة يأولي الألباب»، شرع الله القصاص حتى تكون حياة للناس، ويكف المرء عن سفك دم أخيه المسلم إذا علم أنه سيقتل وهو حريص على نفسه وعلى روحه فيكون ذلك صادًا له ومانعًا له من الوقوع في هذا الذنب العظيم. فإذا وقع فيه وقتل نفسًا بغير حق أقيم عليه حد القصاص وكان قتله بحق، وهكذا أيضًا الثيب الزاني إذا زن المسلم وهو محصن قد تزوج بنكاح صحيح ووطئ فيه فإنه يقتل يرجم بالحجارة حتى الموت، ويكون قتله بحق، وفي حديث ابن مسعود رضي الله عنه قال عليه الصلاة والسلام: «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بحد ثلاث: الثيب الزاني والنفس بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة»، أي المرتد عن دين الإسلام فإنه كذلك يقتل ويكون قتله بحق. قال عليه الصلاة والسلام: «من بدل دينه فاقتلوه»، كما في صحيح البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، فهذا القتل بحق لا يكون ماذا من القتل المحرم، فإن كان بغير حق فهو الذي جاء فيه الوعيد في هذه الآيات وهذه الأحديث وغيرها مما ورد في الكتاب والسنة. فمع هذه الأدلة الكثيرة من الكتاب والسنة وعظم هذا الذنب ومع ذلك يجد التساهل في دماء المسلمين ويسفك المسلم دم أخيه بغير حق لأتفه الأشياء ولأتفه الأسباب، قد يختلف معه في قول أو في أرض أو في شيء من هذه الأمور، وما ترى إلا وسفك دمه وكأنه يقتل حيوانًا، نسأل الله جل وعلا السلامة والعافية. وكثرة القتل الذي يقع في هذا الزمان من علامات الساعة التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، ويكثر الهرج، قالوا: «يا رسول الله وما الهرج؟»، قال: «القتل القتل»، ثم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم من هذه الموبقات «أكل الربا»، الربا لغة الزيادة، وشرعًا هو الزيادة في أشياء مخصوصة، الزيادة في أشياء مخصوصة، وينقسم الربا إلى قسمين: ربا النسية وربا الفضل. وبعضهم يقسم إلى ثلاثة أقسام بزيادة ربا القرن وإن كان داخلًا في ربا الفضل، ربا النسية: هو التأخير لغة، والتأخير وشرعًا هو تأخير ما يجب قبضه فيما يجب فيه التقابض، ومن أنواع ربا النسية قلب الدين، قلب الدين أن يستدين الإنسان من شخص مال إلى أجل كأن يقترض عمر من زيد مبلغًا من المال مثلًا عشرة آلاف إلى أجل محدود مثلًا سنة. فإذا جاءت السنة قال له زيد: إما أن توفي ما عليك من الدين وإما أن تربي، يعني أن نزيد في الأجل ونزيد في المال، فيقلب الدين من عشرة آلاف إلى أحد عشر ألفًا في مقابل التأخير، وكلما أخر كلما ارتفع الدين، هذا النوع من الربا هو ربا أهل الجاهلية الذي كانوا يتعاملون به قبل الإسلام، وجاء الإسلام بتحريمه. «يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافًا مضاعفة»، والواجب أن الإنسان إذا أعطى أخاه دينا فجاء وقت السداد وليس عنده شيء أن يصبر أن يصبر عليه وأن ينظره، وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة إلى أن يتيسر، وإن كان موسرًا وجب عليه أن يدفع الدين الذي عليه ولا يماطل صاحب الحق. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «مطل الغني ظلم»، الذي عنده سداد الدين ثم يماطل، وقد جاء وقت السداد فإنه يعتبر ظالمًا، ولا يجوز له أن يأخذ زائدًا على الدين الذي أعطاه، وهكذا أيضًا من ربا النسية تأخير التقابض في الأصناف الربوية التي أمر الشرع في وجوب التقابض فيها، وذلك في الذهب والفضة والبر والشعير والتمر والملح كما جاء في حديث عبادة بن الصامت في صحيح الإمام مسلم. قال عليه الصلاة والسلام: «الذهب بالذهب والفضة بالفضة والتمر بالتمر والملح بالملح والبر بالبر والشعير بالشعير مثلا بمثل يدا بيد سواء بسواء فمن زاد أو ازداد فقد أربى»، ويدخل فيه ربا الفضل الذي هو الزيادة في أحد العوضين، فهذه الأصناف الستة أصناف ربوية أمر الشرع بأنه إذا اتحد الجنس وجب أمران: التساوي والتقابض، وجب التساوي والتقابض. فمثلًا البر بالبر جنس البر جنس إذا أردت أن تبيع بر ببر فيجب أن تراعي أمرين: الأول التماثل لا بد من تساوي في الوزن، تبيع خمسين كيلو بخمسين كيلو، وأن يحصل التقابض، تعطيه الكيس وتأخذ الكيس الآخر، فإن حصل الزيادة بأن بعت كيسين بكيس وقعت في ربا الفضل، وإن حصل تأخير التقابض فهذا ربا نسية، وقس على ذلك بقية الأصناف. إذا بعت شعير بشعير كيس شعير بكيسين شعير هذا ربا، بعت كيس ملح بكيسين ملح هذا ربا، طيب هذا الآن في جنس واحد لا بد من التساوي ولا بد من التقابض، وهكذا الذهب بالذهب لا بد من التساوي والتقابض، وهكذا الفضة بالفضة لا بد من التساوي ولا بد من التقابض. فإذا اختلف الجنس أردت أن تبيع بر بشعير أو ملح بتمر فهنا يجوز التفاضل بأن تبيع أحد الجنسين أكثر من الآخر، لكن بشرط التقابض في المجلس، تعطيه الكيسين وتأخذ الكيس، أو تبيع كيسين من الشعير بكيس بر، هذا جائز لأن الجنس مختلف، لكن يجب التقابض في المجلس لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «فإذا اختلفت هذه الأجناس فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدا بيد إذا كان يدا بيد». وهكذا أيضًا إذا اختلف الجنس واختلفت العلة جاز التفاضل وجاز التأخير، كالذهب مثلًا تشتري به بر فيجوز أن تشتري البر دينا ثم تسدد هذا الدين فيما بعد، وما يقوم مقام الذهب كالأوراق النقدية إذ أن العلة عند أهل العلم في الذهب والفضة هي الثمنية، كونها ثمن فما كان ثمنًا فإنه يأخذ حكم الذهب والفضة فيجوز أن تشتري البر دينا أو الشعير أو التمر أو الملح. لكن تشتري الذهب لا بد من التقابض لأن هذه الأموال تعتبر في مقام الذهب، والذهب يجب فيه التقابض، يجب فيه التقابض، وهكذا أيضًا الأموال النقدية تعتبر جنس يجب فيها إن كانت من نوع واحد وجنس واحد يجب فيها التماثل والتقابض، وإن اختلفت أنواعها جاز فيها التفاضل مع التقابض. فمثلًا أردت أن تبيع ألف ريال بألف ومئة ريال يمني لا يجوز، لا بد من التساوي لأن هذا جنس واحد

شاركنا على