المحاضرة بعنوان صنائع المعروف تقي مصارع السوء، وكانت بمنطقة الحوه يوم الجمعة ٤ صفر ١٤٣٨هـ ألقاها
يُبين أهمية صناعة المعروف وأثرها في النجاة من المصائب والفتن، مستشهدًا بالأحاديث النبوية التي تحث على فعل الخير. المعروف يشمل إسداء الخير وخصال الخير وفعل الخير.
يُوضح أهمية صنائع المعروف في الوقاية من مصارع السوء مستشهداً بقصص الأنبياء والصالحين، مثل قصة يونس عليه السلام. الله نجاهم بسبب أعمالهم الصالحة والمعروف الذي قدموه.
فعل المعروف سبب لبقاء الذكر الجميل والخلق الحسن، ويجلب محبة الله والناس. النبي صلى الله عليه وسلم حث على فعل المعروف وعدم احتقاره، حتى ولو كان بسيطًا مثل الابتسامة أو الكلمة الطيبة.
بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن نبينا محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا مزيدًا إلى يوم الدين. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. اعلموا رحمكم الله أن أصدق الحديث وخير الكلام كلام ربنا سبحانه وتعالى، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة في الدين ضلالة، وكل ضلالة في النار، أجارنا الله وإياكم وأجار الله والدين ووالديكم وأجار الله أزواجنا وأزواجكم وذرياتنا وذرياتكم ومشائخنا ومعلمينا وجميع إخواننا المؤمنين والمؤمنات الأحياء والأموات من النار. اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم إنا نسألك الجنة ونعوذ بك من النار، اللهم اجعل اجتماعنا هذا اجتماعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا معصومة، ولا تجعل فينا ولا معنا ولا من بيننا شقيا ولا محروما ولا مطرودا. اللهم أنزل علينا رحمة من عندك تهدي بها قلوبنا وتغفر لنا بها ذنوبنا وتصلح بها أحوالنا وتشفي بها مرضانا وترحم بها موتانا وتبارك لنا في أرزاقنا وذرياتنا، ونسألك اللهم يا ذا الجلال والإكرام أن تعلي كلمتك وأن تنصر دينك وأولياءك الصالحين في كل مكان. آبائي وإخواني نحمد الله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه على ما من به علينا وما أكرمنا به وأجاد وتفضل، والله ذو الفضل العظيم أن جمعنا في بيت من بيوت الله وأن جمعنا بين أهلينا وبين إخواننا أهل هذه القرية المباركة الطيبة قرية الحوة التي أسأل الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يفرج كرب كل مكروب منهم وأن يكشف هم كل مهموم منهم وأن يشفي مرضاهم ويرحم موتاهم ويصلح أحوالهم. وأن يمن علينا وعليهم بالثبات على ما يحب الله ويرضى وأن يشرح صدورنا ويغفر ذنوبنا ويتجاوز عنا، نسأل الله أن يجزيهم خيرا على إتاحة هذه الفرصة لنا بأن نذكر أنفسنا أولا المقصرة وأن نذكرهم وأن نذكر إخواننا الحاضرين فجزاهم الله خيرا، وهذا من المعروف ومن صناعة المعروف أن الإنسان يكون دالا لإخوانه ودالا لعشيرته ودالا لأقربائه. وأن يكون مفتاح خير في قريته وأن يكون ممن يرجى خيره ويؤمن شره، هذه الصفات خيار الناس، هذه الصفات أهل المعروف الذين قال فيهم الرسول صلى الله عليه وسلم «أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة»، وقال «خير الناس أنفعهم للناس». إن لم تكن هذه المجالس وإتاحة الفرصة للواعظين والمذكرين الذين يدعون الناس إلى ما كان عليه النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة أن يذكرون الناس ويذكرون الغافلين ويعلمون الجاهلين ويأخذون بنواصل الناس إلى ربهم وإلى مولاهم وإلى الجنة، إن لم يكن هذا من المعروف فهذا يا عباد الله من أجل الطرق. آبائي وإخواني إن الأمة اليوم الأمة الإسلامية تعيش في أزمات وتعيش في مصائب وتعيش في كروب وتعيش في فتن وتعيش في قتال، تكالب عليها أعداؤها من الشرق والغرب، تكالبت عليهم الأعداء وتكالب عليهم الكفار والملحدون والرافضة وغيرهم، كل ذلك لأنهم يدينون دين الحق دين الإسلام، وهكذا لأنهم يتمسكون بما كان عليه الرسول والصحابة. ما هي النجاة ما هي النجاة من هذه الأزمات ومن هذه المصارع السيئة ومن هذه الآفات؟ إن الأسباب أسباب النجاة كثيرة وعديدة ومتنوعة، ومن تلكم الأسباب الكثيرة صنائع المعروف، ومن تلكم الأسباب أسباب النجاة وأسباب إخراج الأمة صنائع المعروف. ولهذا جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، وهذا الحديث جاء عن أبي أمامة وعن أم سلمة عند الطبراني رحمه الله تعالى، «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والهلكات»، يا عباد الله لو أن الناس صنعوا المعروف وقاموا على المعروف على الوجه المرضي على الوجه الذي يحبه الله ويرضاه لوقاهم الله هذه المصارع. المعروف يا عباد الله ما هو المعروف؟ المعروف يا عباد الله كلمة جامعة شاملة تدل على إسداء المعروف وخصال الخير وفعل الخير والإحسان للعباد كل ذلك من المعروف، ولهذا أمر الله عز وجل عباده وأمر الله نبيه صلى الله عليه وسلم بالمعروف، «خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين»، وقال الله تبارك وتعالى «يا أيها الذين آمنوا اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير لعلكم تفلحون». وقال الله عز وجل «لا خير في كثير من نجواهم إلا من أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس»، النبي صلى الله عليه وسلم حث حث على صناعة المعروف وعلى فعل المعروف، فقال صلى الله عليه وسلم «كل معروف صدقة» رواه مسلم عن أبي ذر، وقال النبي صلى الله عليه وسلم «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق». انظر يا عباد الله يقول نبينا صلى الله عليه وسلم «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق»، فالعبد أي باب من أبواب المعروف يدخل فيه اصنع المعروف تجده أمامك وتجده يا عبد الله ثمرته في حياتك، فالمعروف جنة والمعروف يا عباد الله كما سمعتم جنة وسلامة. يقول النبي صلى الله عليه وسلم «صنائع المعروف تقي مصارع السوء» حتى ترسخ عند الصالحين وعند الأبرار أن من صنع المعروف فإن الله عز وجل يفرج عليه المضائق ويوسع عليه، نبينا محمد صلى الله عليه وسلم عندما نزل جبريل عليه في الغار وعليه الصلاة والسلام أخذه ما أخذه، جاء إلى أم المؤمنين خديجة وهو يرتجف وهو يقول «زملوني زملوني»، ماذا قالت له خديجة؟ ذكرت له المعروف الذي كان يصنعه والذي كان يسديه والذي وصف به، قالت له «كلا لا يخزيك الله أبدا إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتقر الضيف وتعين على نوائب الدهر». انظر يا عباد الله ما ذهبت يمين ولا شمال ولم تذهب إلى نسبه أنت ابن عبد المطلب أنت كذا، قالت له «لا كلا والله لا يخزيك الله أبدا»، لماذا؟ لأنه صلى الله عليه وسلم من أهل المعروف معروف بالمعروف عند أهل مكة، هو الصادق الأمين هو الذي يا عباد الله الذي أمنه أهل مكة وكان الصادق الأمين. ذكر الله في القرآن الكريم كيف أن المعروف وقاية الأنبياء وقاية كان سببا لوقاية الأنبياء من مصارع، كلكم تعلمون بإذن الله عز وجل قصة يونس عليه الصلاة والسلام، ذي النون صاحب الحوت التقمه الحوت وهو مليم، ماذا قال الله عز وجل؟ ذكر معروفا كان يعمله وهو التسبيح وهو الصلاة والعبادة، قال الله «فلولا أن كان من المسبحين للبث في بطنه إلى يوم يبعثون». هذا مثل عظيم في بطن الحوت، وانظروا يا عباد الله إلى هذا الموقف العظيم كيف أن الله عز وجل حفظ نبيه وحفظ رسوله يونس عليه الصلاة والسلام، وكيف نجى الله إبراهيم مصارع السوء يا عباد الله، «صنائع المعروف تقي العبد وتقي الإنسان يا عباد الله مصارع السوء»، «صنائع المعروف تقي مصارع السوء» نعم أيها الناس. وكم ذكر النبي صلى الله عليه وسلم عن أناس حصلت لهم أزمات وحصلت لهم مصائب وحصلت لهم كروب ونجاهم الله بالمعروف الذي كانوا يقدمونه، روى الإمام مسلم عن ابن عمر في قصة الثلاثة الذين آواهم المبيت إلى غار، قصة مشهورة ومعروفة عند الناس وربما حتى الصغار. آواهم المبيت إلى غار دخلوا الغار فسقطت عليهم صخرة وسدت الغار، من الذي سيسمعهم من الذي سينجيهم بمن يستنجدون ويستغيثون؟ فبماذا فعلوا؟ توجهوا إلى الله الحي القيوم الذي يسمع الداعي إذا دعاه الذي يجيب دعوة الداعي إذا دعاه وتوسلوا إلى الله بالمعروف الذي كانوا يسدونه لعباد الله سبحانه وتعالى لعباد الله بإخلاص. قال القوم «إنه لن ينجيكم اليوم إلا أن تسألوا الله بصالح أعمالكم»، فأحدهم ذكر معروفا كان يعمله وهو بره بوالديه، كان له أبوان شيخان كبيران وكان لا يقدم عليهما أهلا ولا مالا حتى نأى به الرعي يوم من الأيام فجاء وتأخر في الليل وهو يعني ماذا يعطي أباه وأمه اللبن قبل أبنائه وقبل ماله فوجده منائمين. فجالس بعد أن حلب لهما إلى أن برق الفجر برا بوالديه حتى استيقظ، قال «والأطفال يتضاغون عند رجلي يبكون»، وكان لا يقدم أبويه على أولاده، فقال «اللهم إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه»، فانفرجت غير أنهم لا يستطيعون أن يخرجوا، فالثاني سأل الله واستغاثا وتوسل إلى الله بأمانته. كان عنده عمال وأجراء أعطاهم أجرتهم إلا واحد ذهب وترك الذي له فاستثمر هذا المال القليل حتى صار وادي من الغنم ووادي من البقر ووادي من الرقيق، فجاءه بعد فترة من الزمن قال له «ائتني أو ائتني حقي»، قال له «هذا حقه»، انظروا يا عباد الله ما قال، أتسخر بي هذا كله حقي أتسخر بي؟ قال له «لا»، فأخذ وساقه ولم يعطي الرجل لا شاه ولا بعير ولا بقرة كله ساقه ولم يقوله «ائتني». قال «إن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك ففرج عنا ما نحن فيه»، ففرج الله عنه، والآخر بالعفة بالعفة والعفاف والطهر، كانت له ابنة عم وراودها عن نفسها حتى قالت له «اتق الله ولا تفض الخاتم إلا بحقه»، فقام عنها خائفا من ربه تبارك وتعالى، انظروا ماذا فرج الله خرجوا، قال الرسول «يمشون»، انظروا إلى صناعة المعروف انظروا يا عباد الله إلى صناعة المعروف كيف تفعل بالعبد بإذن الله تبارك وتعالى. وهكذا عباد الله من أرض الواقع قصص كثيرة في أرض الواقع لأناس ربما عملوا معروف فرحمهم الله في الدنيا ونسأل الله أن يرحمهم ويرحمنا وإياكم ووالدين وأزواجنا وذرياتنا وجميع المسلمين في الآخرة، وأكتفي بقصة واحدة ذكرها العلامة الشيخ عطية سالم رحمه الله تعالى في شرحه لكتاب الأربعين النووية. قال أذكر هذه القصة في صنائع المعروف وهذه واقعية سمعتها يعني ممن ذكرها له وذكرها في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال كان رجل من أهل البادية جاء إلى مقهى فطلب من صاحب المقهى قهوة، فبعدما شرب أراد أن يعطيه مالا فأدخل يديه في كيسه فلم يجد مالا، فقال للرجل «ما يوجد معي مال»، فنهره صاحب القهوة وسبه واتهمه بالسرقة. فقام رجل من الحاضرين فقال له «كم الذي عليه؟» قال له «قرشين»، قال له «خذ القرشين»، وقال للصاحب البدوي «اذهب»، قال الشيخ عطية سالم مرة الأيام ومرة السنين وكانوا يذهبون إلى الحج، قال فذهب الرجل وهو يذكر أن صناعة المعروف ما تقي صاحبها فحسب بل ربما تقي قرية وتقي عشيرة وتقي جماعة بسبب هذا الشخص الذي صنع معروف. كيف أن الله يقيه ويقي جماعة كاملة بسبب هذا العمل المعروف الذي أبذله لله عز وجل؟ قال وكانوا يذهبون إلى الحج وهي قافلة من عشيرته من أهل قريته وعشيرته وهم يمشون اعتراضتهم قطاع طريق، قال فأخذوا أموالهم وما بأيديهم ثم جاءوا وأحاطوا بهم قطاع الطريق، قال فجاء زعيم له وهو قال يطوف حول الناس وينظر في الناس. قال «هذا صاحب القصة»، فجاء إلي ونظر إلي حتى قلت لقد اختارني للقتل من بين الناس أراد أن يقتل من بين الناس ويئس، قال وهو ينظر إلي ثم قال لي «ثم قال لجماعته وردوا كل ما أخذتموه لهؤلاء»، فقال للرجل «هل هذا يكفي لي القرشين الذين قدمتهما لي في سنة من السنين أو تريد زيادة أن نعطيك زيادة أعطيناك حقك هل تريد شيء آخر؟». قال له «أي القرشين رحمك الله»، قال «القرشان الذين دفعتهما لي في سنة كذا وكذا في المقهى الفلانية لما جئت وذكره بالمعروف الذي بذله»، فانظروا يا عباد الله وذكر قصص أخرى ولا أحب أن أطيل في هذا الباب، فكلام الرسول حق وصدق وهو الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم أن «صناعة المعروف تقي مصارع السوء». ونحن بحاجة في مثل هذه الأزمات وفي مثل قرى هذه القرى الصغيرة بحاجة أن نصنع المعروف في أهلنا وفي حارتنا وفي قريتنا وفي جيراننا وفي أرحامنا أن نبذل المعروف وأن نكون من أهل المعروف، فالله عز وجل إذا رأى ذلك مننا بإخلاص رحمنا وغفر لنا ووفقنا وخرج كربنا وكشف همنا. إذا رأى أننا نتعاطف ونتراحم ونتواد ويبذل المعروف بعضنا لبعض هذه مقدمة، ولعل أخونا الفاضل عبد المجيد عنده الشيء الكثير مما حباه الله من العلم الذي نسأل الله أن يجعله نافعا وأن يبارك له، هذه مشاركة يعني يقدمها لنفسي أولا ثم لإخواني وآبائي إخواني وآبائي. أسأل الله أن يجعل أعمالنا خالصاً لوجه الكريم ونسأل الله لنا ولكم كل خير في الدنيا والآخرة، والله تعالى أعلم، هذا فما كان من صواب فمن الله وحده لا شريك له، وما كان من خطأ فمني ومن الشيطان والله ورسوله منه براء. جزاك الله خيرا أخانا مصطفى حفظه الله على ما أسمعنا وأتحفنا به في كلمته ونصيحته، قد سمعنا فيها بيانا لعنوان هذه المحاضرة وهذه الكلمة التي هي «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، يا عباد الله المعروف كما سمعنا كل خير وبر مما يحبه الله جل وعلا ورسوله عليه الصلاة والسلام. فعل المعروف وبذله سبب عظيم لأن يحصل للمرء الخير في الدنيا والآخرة، ففعل المعروف سبب لبقاء الذكر الجميل والذكر الحسن وأن يكون المرء على أكمل أخلاقه وعلى أحسن صفاته، مع ما يجعل الله سبحانه وتعالى له من محبة في قلوب الناس. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول «إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه فيحبه جبريل ثم ينادي في أهل السماء إن الله يحب فلاناً فأحبوه فيحبه أهل السماء ثم يوضع له القبول في الأرض»، والحديث بالصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي رواية أن النبي عليه الصلاة والسلام قرأ بعد ذلك قوله جل وعلا ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا﴾، نعم حث الشرع ورغب في فعل المعروف وفي كذلك أيضا بذله، وأن الإنسان لا يستحقر منه شيئاً وإن كان المعروف قليلا وإن كان يسيرا. سمعنا قول النبي عليه الصلاة والسلام «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طليق» رواه مسلم من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وفي مسند الإمام أحمد من حديث أبي هجيم رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي ولو أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط». لا تحقرن من المعروف شيئا، افعل المعروف ولا تستحقر منه شيئا، ولو كان شيئا يسيرا، ولو أن تفرغ من دلوك في إناء المستسقي، يأتي إنسان يريد ماء يستسقي الماء من البئر أو نحوه فتضع له الماء وتسقيه، هذا المعروف لا تستحقره ولو أن تفعل ذلك. بل إن لم تستطع أن تفعل ذلك فلا أقل من أن تلقى أخاك ووجهك إليه منبسط، تلقاه بالابتسامة وبالوجه المنشرح، وكذلك الوجه المنبسط الفرح تدخل السرور على قلب أخيك المسلم هذا من المعروف، هذا من المعروف، بل النبي عليه الصلاة والسلام يقول «والكلمة الطيبة صدقة». في حديث أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «كل سلام من أحدكم صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس سلام يعني عضو، كل عضو في الإنسان له بعدده صدقة»، والإنسان فيه ثلاثمائة وستون مفصلا كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، قال «فكل تسبيحة صدقة وكل تهليلة صدقة وكل تكبيرة صدقة وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن المنكر صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة والكلمة الطيبة صدقة». قال «ويجزئ من ذلك ركعتان تركعهما من الضحى»، انظروا إلى فضل المعروف وأن الإنسان قد يدركه بماذا؟ بالأعمال اليسيرة، تسبح الله عز وجل فتكتب لك صدقة، ليست الصدقة فقط بالمال كما قد يظن الكثير من الناس أنها فقط بالأموال، لا باب صدقة واسع. فالتسبيح صدقة تقول «سبحان الله» لك صدقة، التحميد تحمد الله عز وجل «الحمد لله» تكتب لك صدقة، التهليل «لا إله إلا الله» تكتب لك صدقة، تأمر بالمعروف ترى يعني شيئا مما حث الشرع ورغب فيه فتأمر الناس به أن يفعلوه وأن ماذا يبادر بفعله صدقة. تنهى عن منكر مما نهى عنه الشرع وحذر منه صدقة، بل والكلمة الطيبة صدقة تقول تقول الكلمة الطيبة والكلمة الحسنة تكتب لك بذلك صدقة، قال «ويجزي من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، تصلي لله عز وجل ركعتين في وقت الضحى يجزي عن ذلك كله. وهكذا أيضا يقول النبي عليه الصلاة والسلام في حديث جابر في صحيح البخاري «كل معروف صدقة»، كل معروف تفعله صدقة، ويقول عليه الصلاة والسلام كذلك أيضا مخبرا ومبينا فضل المعروف الذي ربما يفعله الإنسان ويستحقره فيجد بسبب فعله من الأجور والثواب ما لا يتوقعه. ذكر النبي عليه الصلاة والسلام في حديث أبي هريرة في الصحيح قال «بينما رجل يمشي فعطش أصابه العطش فوجد بئرا»، قال «فنزل فشرب ثم خرج منها فإذا كلب يلهث يأكل الثرى من شدة عطشه»، فلما رآه قال «لقد بلغ بهذا الكلب من العطش مثل الذي بلغ به»، فنزل فنزل فملأ خفه والخف هو النعل من الجلد ملأه ماء ثم سقى هذا الكلب. قال النبي عليه الصلاة والسلام «فشكر الله له فغفر له»، شكر الله له فغفر له، وفي رواية قال «فشكر الله له فغفر له فأدخله الجنة»، هذا معروف وفعل خير مع حيوان بل وكلب ومن الحيوانات التي ربما يستقذرها الإنسان ويستقبحها. بل وهو كذلك كم ضرب الله عز وجل بهذا الحيوان ذكر مثل السوء، ومع ذلك لما أحسن إليه وسقاه ورحمه رحمه الله عز وجل وشكر الله له فغفر له، قال الصحابة رضوان الله عليهم «يا رسول الله أئن لنا في البهائم أجر؟» يعني هل نؤجر إذا أسقينا البهائم؟ قال النبي عليه الصلاة والسلام «في كل ذات كبد رطبة أجر»، في كل ذات كبد رطبة أجر. إذا كان هذا الثواب الذي حصل لهذا الرجل مع هذا الكلب كان سببا في شكر الله له بل ومغفرة الله له بل وإدخاله الجنة، كيف إذا كان مع الإنسان مع بني آدم الذي كرمه الله جل وعلا وشرفه؟ لا شك أن نيله لهذا الأجر من باب أولى إذا حصل عن حسن نية وإخلاص لله جل وعلا. وهكذا كذلك أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أنه رأى رجلا يتقلب في الجنة في شجرة أزاحها عن الطريق كانت تؤذي المسلمين، رواه مسلم من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، رجل رأى شجرة في طريق الناس تؤذيهم إذا مروا فأبعدها وأزالها فأدخله الله جل وعلا بسبب ذلك الجنة. وأنجاه الله جل وعلا من أهوال يوم القيامة، وهذا تصديقا لقول النبي عليه الصلاة والسلام «صنائع المعروف تقي مصارع السوء» في الدنيا وهكذا أيضا في الآخرة، نعم ربما تستحقر هذا المعروف فلا تعلم إلا وكان سببا في نجاتك من أهوال عظيمة ومن مصائب كبيرة يبعدها الله سبحانه وتعالى عنك بسبب فعلك لهذا المعروف. وهكذا كذلك أيضا يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن المسلم يفعل المعروف ويسدي المعروف ولو كان ماذا؟ بالكلمة الطيبة والكلمة الحسنة، وقد فسر بعض السلف قول الله جل وعلا ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ «خير عند ربك ثوابا وخير أملا» أنها ماذا؟ الكلام الطيب، أنها الكلام الطيب. فعل المعروف كما سمعنا يبقى للإنسان فيه أثره، وكذلك أيضا يحفظ له فيه أجره وثوابه، فإن من فضائل فعل المعروف كما سمعنا أنه سبب عظيم لدخول الجنة وللنجاة من المصائب والأهوال، جاء في الصحيح من حديث حذيفة رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال «حُسِب رجل ممن مات تلقت الملائكة روح عبد تلقت الملائكة روح عبد فقالوا ماذا عملت من الخير؟ قال لا شيء». قالوا «تذكر»، قال «كنت أبايع الناس كنت أبايع الناس يعني يبيع ويشتري ويتاجر ويتعامل مع الناس في البيع والشراء»، قال «وكنت آمر فتياني يعني الذين يشتغلون عنده أن يسروا على الموسر الذي عنده مال وعنده ما يسدد به الدين إذا آخذ دينا يجسروا عليه ويساعدوه وأن يتجاوزوا عن الموسر الذي ما عنده شيء يتركوه ولا يؤذوه ويتجاوزوا عنه». فقال الله جل وعلا «تجاوزوا عن عبدي»، قال الله عز وجل «تجاوزوا عن عبدي لا تحاسبوه أدخلوه الجنة»، وفي رواية في مسلم قال الله جل وعلا «أنا أحق بذا منك أنا أحق بذا منك تجاوزوا عن عبدي»، انظر إلى فعله لهذا المعروف كيف كان سببا في نجاته من أهوال يوم القيامة بسبب حسن فعله وصنيعه مع الناس. كذلك أيضا فعل المعروف سبب عظيم لأن يكون المسلم ويكون العبد ملازما لفعل الخير ومحبا لفعل الخيرات لأنه يعلم ما لهم من الأجر والثواب وما سيجده عند الله سبحانه وتعالى بسبب إحسانه ومعروفه، والله جل وعلا لا يضيع عمل عامل منا، وكل عمل يعمله الإنسان فهو مسجل ومسطر عند الله جل وعلا. لذلك أيضا ينبغي أن تعلم أنك إذا فعلت هذا المعروف لا بد أن تفعله بصدق وإخلاص، أن تكون مريدا بفعلك لهذا المعروف ما عند الله جل وعلا من الأجر والثواب حتى تنال أجره وثوابه، والله جل وعلا يقول ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. ومن يفعل ذلك ابتغاء مرضات الله بهذا الشرط وهذا القيد يفعله ابتغاء مرضات الله ما يفعله من أجل مصلحة دنيوية أو من أجل ثناء الناس عليه أو من أجل رياء أو سمعة، يفعله ابتغاء مرضات الله يريد الأجر والثواب من الله سبحانه وتعالى إذا كانت هذه نيته وهذا قصده فالله عز وجل أخبر بأنه سيؤتيه أجرا عظيما. كذلك أيضا إن فعل المعروف فلا يمن به، لا تمن إذا فعلت شيئا من المعروف إذا فعلت شيئا من المعروف فاحذر من أن تمن به «أنا فعلت وفعلت وعطيت» فتذهب أجري هذا المعروف الذي فعلته وتفسد ما فعلته، والله جل وعلا يقول «يا أيها الذين آمنوا لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كالذي ينفق ماله رياء الناس». حال المنان حال الذي ينفق رياء وسمعة، أنت إذا فعلت معروفا فلا تظهره ولا تمن به فتفسد هذا المعروف، أفسدت بالمن ما أسديت من حسن، ليس الكريم إذا أسدى بمنان، الكريم ما يمن إذا فعل المعروف وأسدى بالمعروف فلا يمن به أبدا بل يفعله ويرجو الثواب والأجر من الله سبحانه وتعالى. كذلك أيضا لا تستحقر كما قلنا شيئا من المعروف، ولا تبدي شيئا فعلته، الإمام سفيان رحمه الله سمع رجلا يقول لرجل «لقد فعلت وفعلت» يعني يذكر ما من به عليه من معروف، فقال له «أسكت فلا خير في المعروف إذا أحصي»، لا خير في المعروف إذا أحصيته وعددته ومننت به يذهب أجره وثوابه. نعم يقول النبي عليه الصلاة والسلام كما عند الطبراني وصححه علام الألباني رحمه الله وقد سئل «أي الناس أحب إلى الله وأي العمل أحب إلى الله؟» فقال عليه الصلاة والسلام «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس وأحب العمل إلى الله سرور تدخله على مسلم أو تكشف عنه كربة أو تقضي عنه دينا أو تدفع عنه جوعا». «ولا أن أمشي مع أخ لي في حاجة أحب إلي من أن أعتكف في مسجدي هذا شهرا»، أي مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام، «ولئن أمشي مع أخي في حاجة حتى تتهيأ له ثبت الله يوم القيامة قدمه يوم تزول الأقدام»، انظروا إلى هذه الأجور العظيمة وهذه المنازل المباركة التي ينالها المسلم في فعله للمعروف. «أحب الناس إلى الله أنفعهم للناس» الذي ينفع الناس سواء كان نفعا معنويا أو حسيا، نفعا معنويا بنشر العلم وتفقيه الناس وتعليمهم وإرشادهم وأمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، أو كان حسيا بما يعطي ويسدي من مال ومن نفقات وصدقات وهكذا. أخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأن أحب الناس إلى الله أحب الأعمال إلى الله «سرور تدخله على مسلم تكشف عنه كربة إنسان أصابته مصيبة وأصابته كارثة وتساعده وتقف بجانبه تكشف عنه ما أصابه من هذه الكربة عمل عظيم»، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه». ويقول «من فرج عن مسلم كربة من كرب الدنيا فرج الله عنه كربة من كرب يوم القيامة»، والحديث في الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، «تدفع عنه جوعا تعطيه ما يسد جوعته هذا أيضا من الأعمال الطيبة»، بل أخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن مشيه مع أخيه لحاجة يقضيها أحب إليه من أن يعتكف في مسجده شهرا. ومعلوم أن مسجد الرسول عليه الصلاة والسلام الصلاة فيه بألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام، ومع ذلك يفضل عليه الصلاة والسلام قضاء حاجة الإنسان والذهاب معه أفضل من الاعتكاف في مسجده شهرا، بل ومن مشى مع أخيه في حاجة حتى تتهيأ له يعني حتى يجدها ويتحصل عليها. سواء كان طلب شفاعة في عمل من الأعمال أو في أمر من الأمور، قال عليه الصلاة والسلام «ثبت الله قدمه يوم القيامة يوم تزول الأقدام»، انظر إلى عجور عظيمة وفضائل كذلك عظيمة في فعل المعروف، وهكذا أيضا كما سمعنا أن «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، أخبر الله جل وعلا في قصة الغلامين اليتيمين في سورة الكهف. كيف أن الله عز وجل سخر الخضر عليه السلام لأن يبني الجدار يحفظ به كنزهما؟ ما هو السبب؟ هو بسبب صلاح أبيهما وما كان عليه هذا الأب من استقامة وحسن أخلاق وفعل للمعروف، حتى ذكر سعيد بن جبير رحمه الله أنه كان يؤدي الأمانات إلى أهلها ويحفظها لهم مع ما كان عليه من الصلاح. فحفظ الله عز وجل لهذين الغلامين كنزهما بسبب ذلك، قال الله جل وعلا ﴿وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ إلى آخر الآيات. هذا بسبب فعله للمعروف، وهكذا كذلك أيضا سمعنا قصة الثلاثة الذين انسدت عليهم الصخرة كيف أن جاءهم الله سبحانه وتعالى بسبب فعلهم للمعروف الذي تقربوا به إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا أيضا مما ذكره أهل العلم من قصص ووقائع، والمؤمن يؤمن بما أخبر به ربنا جل وعلا وأخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام. ولا يشك في صدق ما أخبر به الرسول عليه الصلاة والسلام من أن «صنائع المعروف تقي مصارع السوء»، لكن في ذكر ذلك شيء من الاتعاض والاعتبار، ذكر أهل العلم قصة رجل يقال له ابن جدعان كان هذا الرجل ذا إبل كثيرة، ففي موسم الربيع نظر إلى إبله وهي في أحسن حال وأحسن وصف قد سمنت وكثر لبنها. فتذكر جارا له فقيرا عنده بنات أولاد، فقال «لا تصدقن بناقة على جاري أو لجاري»، فنظر إلى أحسن النوق عنده فاختار أحسنها وأفضلها عملا بقول الله جل وعلا ﴿لَنْ تَنَالُوا الْ