إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين

المحاضرة بعنوان إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، وكانت بمسجد السنة بالقارة ٣٠ محرم ١٤٣٩هـ ألقاها

مفهوم اسم الله الرزاق والرزق

الدرس يبدأ بالحديث عن اسم الله الرزاق ودلالته على الرزق، مشيرًا إلى أن الله هو المتفرد بالرزق، وأن الرزق ينقسم إلى رزق حسي ورزق معنوي. يجب على العبد الرضا بقضاء الله فيما يتعلق بالرزق.

الإيمان بالرزق المكتوب وأخذ الأسباب

يجب على المسلم أن يؤمن بأن رزقه قد كُتب له وأنه سيأتيه لا محالة، ومع ذلك عليه أن يأخذ بالأسباب التي جعلها الله لتحصيل الرزق. الرزق مكتوب ومقدر، ولكن الله جعل لكل شيء سببًا.

أسباب تحصيل الرزق وزيادته

من أسباب الرزق طلب العلم والتوكل على الله، والصدق والإنفاق في وجوه الخير. الله يعد بالإخلاف لمن ينفق ويتصدق، ويبارك في ماله ويزيده. يجب عدم الاعتماد على الأسباب وحدها أو تركها نهائيًا.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا الاجتماع المبارك وهذا المجلس الطيب في هذا المسجد وهذا البيت من بيوت الله جل وعلا، ونشكر القائمين عليه بالسماح لنا بإلقاء هذه الكلمات، ونسأل الله جل وعلا أن يجعل ذلك بميزان حسناتهم وحسنات الجميع. ونشكر أخانا سامحًا على هذه الكلمة الطيبة النافعة في صفة العبودية وبيان شيء من فضلها وعظيم أجرها، وما أحوج المسلم أن يتخلق بأخلاق النبي عليه الصلاة والسلام الذي وصفه الله عز وجل بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾، فكان عليه الصلاة والسلام خلقه القرآن كما قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن خلق النبي عليه الصلاة والسلام، قالت: «كان خلقه القرآن»، أي كان مطبقًا وعاملًا بما في كتاب الله جل وعلا. وما من صفة من الصفات وخلق من الأخلاق فللنبي عليه الصلاة والسلام منها أمثل الحظ والأعظم، والله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾. وما أحوجنا جميعًا أن نتخلق بالأخلاق الحسنة الفاضلة من العبودية والصفات الحميدة والحلم والأناة والرفق والكرم والشجاعة إلى آخرها من الصفات الفاضلة. نتكلم في هذا المجلس عن اسم من أسماء الله جل وعلا وصفة من صفاته سبحانه وتعالى، وبيان حاجة المسلم إلى السعي في تحصيل ما تخلق الله جل وعلا وما تسمى الله عز وجل به من هذا الاسم، وتفرض الله سبحانه وتعالى بما دل عليه من هذه الصفات، والأخذ والسعي في تحصيل أسبابها، ألا وهو اسم الله جل وعلا الرزاق. قال الله جل وعلا: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، فالله عز وجل سمى نفسه بالرزاق، وأسماء الله جل وعلا أعلام وأوصاف، أعلام بدلالتها على الذات، وأوصاف بدلالتها على المعاني. وما من اسم من أسماء الله إلا ويشتق منه صفة من الصفات، وإسم الله جل وعلا الرزاق يشتق منه صفة الرزق، والرزاق صيغة مبالغة على وزن فعال التي تدل على الكثرة، فاسم الله جل وعلا الرزاق يدل على كثرة رزقه سبحانه وتعالى. ورزق الله جل وعلا على نوعين: رزق حسي ورزق معنوي، أو رزق عام ورزق خاص، فالرزق الحسي وهو الرزق العام ما يرزق الله عز وجل به العباد من أنواع الأرزاق التي تقوم بها حياتهم ومعاشهم من مأكل ومشرب وملبس ومسكن ومركب إلى آخر ذلك، هذا رزق عام يشمل المسلم والكافر. ورزق خاص وهو الرزق المعنوي الذي يختص بأهل الإيمان، وهو رزق الهداية والإيمان والتقوى والعلم، فهذا خاص بعباد الله جل وعلا المتقين. والله جل وعلا هو المتفرد بالرزق، قال الله جل وعلا: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقول سبحانه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾. ويقول العزيز الجبار: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾. إذا الله جل وعلا هو المتفرد بالرزق، فلا رازق إلا الله، ولا يملك الرزق أحد إلا الله جل وعلا، ورزق الله جل وعلا فضل منه سبحانه، يعطي من يشاء من رزقه ما شاء ويمنع من يشاء. والأمر لله جل وعلا، فقد يوسع الله عز وجل على العبد وقد يضيق على الآخر، كما قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَاللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾. يبسط الرزق أي يوسع على من يشاء من عباده، ويقدر أن يضيق، ولله جل وعلا في ذلك الحكمة البالغة، فقد يوسع على العبد لحكمة يعلمها جل وعلا ابتلاء وامتحانًا ليرى هل يشكر الله عز وجل على نعمته وهل يقوم بطاعته. وربما يضيق على العبد لعلمه سبحانه وتعالى أن لو وسع عليه لربما غره كثرة هذا الرزق وكثرة المال، وليس معنى ذلك أن من وسع الله عليه فهو يحبه، ومن ضيق عليه فهو يبغضه، فإن الله عز وجل يعطي الدنيا من أحبه ومن لا يحبه، ولا يعطي الدين إلا من أحبه. قال جل وعلا: ﴿فَأَمَّا الْإِنْسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ﴾. يعني أهانني بذلك، لا يحبني ولا يكرمني ولا يعطيني، كلا، ﴿إِنَّ الْكَرِيمَ مَنْ أَكْرَمَ اللَّهُ﴾، وهذا ليقول ربنا جل وعلا مبينًا أنه سبحانه وتعالى ينزل من الرزق الشيء اليسير والقليل مع ما في أيدي الناس من الأرزاق، فهي قليلة بالنسبة لما عند الله جل وعلا. قال جل وعلا: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ﴾. لو بسط الله الرزق لعباده ووسع عليهم وفتح عليهم لبغوا في الأرض، لكان ذلك سببًا في وقوع في البغي والظلم والاعتداء والترفع والتكبر، وهذا من أسباب وقوع الإنسان في الكبر والترفع على الناس ورد الحق، الغنى كما قال الله جل وعلا: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾. إذًا الرزق بيد الله جل وعلا، وإذا كان الأمر كذلك فيجب على العبد أن يرضى بقضاء الله وبما قسم الله جل وعلا له من الرزق، لأنه من عند الله، والأمر بيد الله، والله عز وجل لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. والإيمان بذلك باب من أبواب الإيمان بالقضاء والقدر، جاء بحديث ابن مسعود رضي الله عنه وهو في الصحيحين من حديث أنه قال: «قال النبي عليه الصلاة والسلام: "إنا أحدكم يجمع خلقه ببطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد"». هذه الأشياء يقدرها الله عز وجل على الإنسان وفي بطن أمه، وهو نوع وقسم من أقسام التقدير المسمى بالتقدير العمري، يكتب لك رزقك وأنت ببطن أمك، ولهذا بعض الظلمة المعتزلة أنكر هذا الحديث ورده، هو واصل بن عطاء لم يقبل هذا الحديث بهواه وضلاله. قال: «ما أقبل لو حدثني قلان أرىه عن ابن مسعود هو زيد لرددته، ولو حدثني ابن مسعود لما قبلته، ولو حدثني رسول الله لما صدقته، ولو حدثني رب العالمين لقلت ما على هذا أخذت نتاقنا». انظروا إلى الهوى كيف أدخل عقله القاصر في باب القضاء والقدر وعلى أفعال الله جل وعلا، فظل ضلالًا عظيمًا. فإذا علم المؤمن أن رزقه قد قدره الله جل وعلا له، فعليه أن يؤمن إيمانًا جازمًا بأن رزقه سيأتيه، وما كتبه الله له سيجده. قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنة لابن أبي عاصم: «إن الرزق ليطلب أحدكم كما يطلبه أجله، هل يخطئك أجلك؟ هل يمكن أن تموت قبل اليوم الذي قدر الله فيه أن تموت؟ الجواب: لا، وهكذا الرزق، ما يخطئك، مكتوب لك، لابد أن يأتيك، وإن لم تأته أتاك». وجد النبي صلى الله عليه وسلم تمرة، فجاء رجل فأخذها، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لو لم تأتها لأتتك، لأنها مكتوبة لك، لابد أن تجدها». بل جاء في الصحيحة لإعلام الألباني رحمه الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «قالوا: إن الإنسان يهرب من رزقه كما يهرب من الموت، لأتاه رزقه كما يأتيه الموت، إذا ما كتبه الله لك لا مفر لك منه، لابد أن تجده ولابد أن يصل إليه وأن تتحصل عليه». فإذا كان الأمر كذلك، فعليك أن تطمئن، وأن ينشرح صدرك، وأن يطمئن قلبك لما قضاه الله عز وجل لك وقدره عليك. لكن مع ذلك، فقد جعل الله عز وجل أسبابًا يتحصل بها العبد على رزقه، فكون الرزق مكتوب ومقدر ليس معنى أن الإنسان يترك الأسباب والأخذ بها والعمل بها، بل أنت مطلوب أن تعمل وأن تأخذ بالأسباب. أليس الله عز وجل قال لمريم: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾؟ أليس الله عز وجل قادر أن يرزقها الرطب من غير أن تهز الجذع؟ الجواب: بلى، لكن أمرها بذلك حتى تأخذ بالأسباب. فجعل الله عز وجل لكل شيء سببًا، وهكذا أمر الله عز وجل العبد أن يأخذ بالأسباب في طلب الرزق، ما يجلس في بيته ويقول: «سيأتيني رزقي»، خذ بالأسباب. قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، وقال جل وعلا: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ﴾. لو قال إنسان: «أريد ذرية صالحة، لكن ما يتزوج»، يريد ذرية من غير زواج، هل هذا ممكن؟ الجواب: لا، لا يمكن، لأن الله عز وجل جعل وجود الذرية عن طريق الزواج والنكاح، فهو أولًا يتزوج ويأخذ بأسباب وجود الذرية، وهو النكاح، ثم يدعو الله عز وجل، وإذا كتب الله عز وجل له الذرية سيجدها. إذا لابد من الأخذ بالأسباب والسعي في تحصيلها حتى تنال ما كتبه الله عز وجل لك من الرزق، ورزق الله جل وعلا كثير وعظيم، لا ينفذ ولا ينتهي، مهما أعطى العباد ومهما أسبغ عليهم من نعمه. قال النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث الذي رواه مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «إن يد الله ملأى لا يغيضها نفقة، سحاء الليل والنهار، ألم تروا ما أنفق منذ خلق السماوات والأرض، فإنه لم يغض ما في يمينه». وفي حديث أبي ذر عند الإمام مسلم قال النبي عليه الصلاة والسلام: «قال الله عز وجل: "يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل بالبحر"». إذا أعطى الله عز وجل جميع الخلائق ما طلبوا، ما نقص ذلك مما عند الله جل وعلا شيء، إذا رزق الله جل وعلا عظيم وكثير. وإذا كان هذا هو الحال، وكان هذا عظيم ما عند الله عز وجل من الرزق والفضل، فحري بالمسلم أن يلجأ إلى الله وأن يطلب الرزق من مالكه ومن معطيه ومن المتصرف فيه. قال الله عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنْ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. فمن أسباب الرزق تقوى الله جل وعلا، تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أن تفعل ما أمرك الله جل وعلا به من أوامر وفرائض وواجبات، وتنتهي عما نهى الله جل وعلا عنه من النواهي والمحرمات، وتستقيم على شرع الله وعلى دين الله. فإذا فعلت ذلك يسر الله عز وجل لك الرزق، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا من الضيق والمصائب التي تصيبك، ويرزقك من حيث لا تحتسب، قد يأتيك الرزق من حيث لا تحتسب، وتظن أن يأتيك، يفتح الله عز وجل عليك أبوابًا من الرزق بسبب تقواك لله جل وعلا. أليس الله عز وجل قد رزق مريم من الرزق ما لم تحتسب، كما أخبر الله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾. قيل: إنه يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف، يعني الفاكهة غير موجودة في ذلك الوقت، يجدها عندها، رزق من الله جل وعلا. وزيد بن الدثنة لما قبض عليه المشركون بعد غزوة بدر وحكموا عليه بالإعدام، فكان أسيرًا عندهم، تقول امرأة من نساء المشركين: «كنت أرى عنده ثمرة من الثمار وهي العنب، ولم يكن يومئذ ثمرة»، يعني ما في ذلك الوقت عنب، وزيد هو أسير ومحبوس، يأخذ العنب ويأكله، من الذي رزقه هذا العنب؟ الله عز وجل. ومن يتق الله يجعل له مخرجًا ويرزقه من حيث لا يحتسب، جاء عند الطبراني والبيهقي وصححه العلامة الألباني: «أن رجلًا خرج يطلب طعامًا لمرأته إلى البادية، فقالت امرأته: "اللهم ارزقنا ما نعجل وما نخبز"، يعني ما نعجل به ونخبز به، فلما جاء الرجل وإذا بالجفنة قد امتلأت عجينًا، وإذا التنور فيه حبات الشواء، وإذا الرحى تضحك، فقال: "من أين هذا؟" قالت: "رزق من الله"». قال: «أجلس»، فأخذ يدس ما تحت الرحى، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو تركها لطحنت إلى يوم القيامة»، لو تركها لبغت لطحنت إلى يوم القيامة. ومن أسباب الرزق الاستغفار، كثرة الاستغفار والتوبة إلى الله جل وعلا، فإنه سبب عظيم من أسباب تحصيل الأرزاق، قال الله عز وجل عن نوح عليه السلام: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا﴾. انظر أمر قومه بالاستغفار، ووعدهم بحصول الرزق لهم وكثرته إذا فعلوا ذلك، فحري بالمسلم أن يتق الله جل وعلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأن يكثر من الاستغفار مع كثرة الذنوب وكثرة التقصير وقلة الأعمال. وهكذا فنحن بحاجة عظيمة أن نستغفر الله جل وعلا، وهكذا أيضًا هذا، ومن أسباب الرزق طلب العلم والاتفاق في دين الله جل وعلا، فطلب العلم سبب من أسباب تحصيل الرزق، ويفتح الله جل وعلا على طالبه وعلى أهله ومن يعينه في طلب العلم. جاء في السنن من حديث أنس رضي الله عنه، وفي الصحيح المسند بما ليس في الصحيحين: «أنه كان أخوان على عهد النبي عليه الصلاة والسلام، فكان أحدهما يحترف يعني يعمل، والآخر يجلس عند النبي عليه الصلاة والسلام يتعلم، فشكى المحترف أخاه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، يعني رسول الله، أنا أعمل وأخي يجلس عندك يستمع لك ويتعلم منك، فقال النبي عليه الصلاة والسلام: "لعلك ترزق به"». أي ما يأتيك من الرزق بسبب تحصيله للعلم، إذًا طلب العلم من أسباب الرزق، لا يظن طالب العلم إذا طلب العلم أن الله جل وعلا يضيعه، فربما يزهد بعض الإخوة وبعض الأبناء بل وبعض الآباء في طلب العلم أو في تعليم أبنائهم للعلم، فيقول: «ربما يعني يضيع مستقبلهم، أين يأتيهم الرزق؟». الله عز وجل هو الذي حث و رغب في طلب العلم وتحصيله، قال جل وعلا: ﴿قُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، وقال جل وعلا: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، والآيات والأحاديث في هذا الباب كثيرة. أتظن أن الله عز وجل يأمرك بشيء ويحثك ويرغبك في شيء ثم يضيعك؟ هذا والله من سوء الظن بالله جل وعلا. انظر إلى هاجر المسكينة لما وضع إبراهيم عند البيت، ولم يكن في ذاك الوقت بيت في مكانه ومحله، وضع عندها جرابًا فيه تمر وصفّاهما، ثم ولّى، فنادت: «يا إبراهيم»، وهو لا يلتفت إليها، «يا إبراهيم»، لا يلتفت إليها، قالت: «آه، الله أمرك بهذا؟» فالتفت إليها، قال: «نعم»، قالت: «إذن لا يضيعنا». انظر إلى الثقة بالله جل وعلا، أمرك الله عز وجل به، إذن لا يضيعك، اجعل هذا في قلبك: أنك لما طلبت العلم وأخلصت في ذلك وأردت ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب، فلن يضيعك الله، لن يضيعك الله. وهكذا أيضًا من أسباب الرزق وتحصيله التوكل على الله جل وعلا، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، أي كافيه، إذا كان الله عز وجل كافيه، فما تريد بعد ذلك؟ التوكل الذي هو شرط من شروط الإيمان، وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين، وعلى الله فليتوكل المؤمنون، لا يتم إيمان العبد إلا بتحقيق التوكل على الله جل وعلا. جاء في سنن الترمذي من حديث عمر رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير، تغدو خخماصًا وتروح بطانًا». لو أنكم تتوكلون على الله حق التوكل، كيف حق التوكل؟ بصدق الاعتماد على الله، صدق الاعتماد على الله في جلب المنافع ودفع المضار، مع الأخذ بالأسباب المأذون بها شرعًا، هكذا يتم حقيقة التوكل. أن تقدم على الأمر وأنت تصدق في اعتمادك على الله، ما تقدم على الأمر وأنت تسيء الظن بالله، أعلم هل يرزقني أم لا؟ هل أجد هذه الحاجة أم لا؟ أقدم على هذا الأمر، هذا العمل المباح مع صدق الاعتماد على الله والتوكل عليه. انظر إلى الطائر، الطائر تغدو في أول النهار خماصًا، بطونها فارغة، ما فيها شيء، تذهب تبحث عن رزق، وتروح بطانًا، ترجع في آخر النهار، بطونها مليئة، ما الذي رزقها؟ الله عز وجل، الله عز وجل هو الذي رزقها وأوجد لها هذا الرزق ويسره لها. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير»، من أشرف الطير؟ أم المؤمن، لا شك أن المؤمن أشرف وأفضل وأحب إلى الله، فإذا كان قد رزق هذا الطير، هذا الحيوان، بل رزق الله عز وجل الوحوش والسباع، من الذي يرزقها؟ الله جل وعلا. وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، وكأين من دابة لا تحمل رزقها، الله يرزقها وإياكم، رزق الله عز وجل هذه الحيوانات، ألا يرزقك أنت أيها المؤمن وأيها المسلم؟ لكن عليك أن تصدق في اعتمادك على الله جل وعلا، وأن تأخذ بالأسباب، لكن لا تعتمد عليها، لا تعتمد على الأسباب، واعتمد على رب الأسباب. كما قال أهل العلم: «الاعتماد على الأسباب شرك، وترك الأسباب قدح في الشريعة»، ما تقول: «أن المتوكل ثم لا يأخذ بالأسباب»، تسافر بلا زاد، ثم أن المتوكل على الله يترك الطعام والشراب ويذهب في الصحراء الخالية، ويقول: «أنا أتوكل على الله»، هذا توكل ليس توكلًا. وهذا إن قال النفس: «أتهلك؟» تدخل إلى الغابة المليئة بالوحوش والسباع، ولا تأخذ معك السلاح، وتقول: «أنا متوكل على الله»، هذا يسيء بالتوكل، وفي نفس الأمر أيضًا لا تعتمد على الأسباب وتعلق قلبك بالأسباب، وتظن أنه لو لهذا السبب لما حصلك الرزق، هذا نوع من الشرك، لأن الرزاق هو الله جل وعلا، ليس هذا السبب، السبب لا يقدم ولا يؤخر، وإنما هو سبب من الأسباب، أمر الله عز وجل بالأخذ بها، لكن لا تعتمد عليها، وإنما تعتمد على الله، لأن الذي بيده الرزق هو الله سبحانه وتعالى. انظروا في حديث زيد بن خالد الجهني في الصحيحين قال: «أصبحنا على إثر سماء كانت من الليل»، يعني مطر، «فلما صرف النبي صلى الله عليه وسلم من صلاة الصبح، قال: "هل تدرون ماذا قال ربكم؟" قلنا: "الله ورسوله أعلم"، قال: "أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فمن قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب، ومن قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فهو مؤمن بي كافر بالكوكب"». الذي ينسب النعمة إلى غير الله ويتعلق بغير الله جل وعلا هذا وقع في الشرك، من قال: «مطرنا بنوء كذا وكذا»، أي بالنجم الفلاني وبالكوكب الفلاني، فنسب إنزال المطر إلى الكوكب وإلى النجم، فهذا وقع في الشرك، فهو كافر بي مؤمن بالكوكب. ومن قال: «مطرنا بفضل الله ورحمته»، فنسب المطر إلى الله، وأن الذي أنزله هو الله، قال: «فهو مؤمن بي كافر بالكوكب»، لأن الكوكب لا يقدم ولا يؤخر، والذي بيده الرزق هو الله سبحانه وتعالى. ولهذا نزل قول الله عز وجل: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ﴾، في معنى هذا الحديث، إذا نتوكل على الله جل وعلا، من أسباب تحصيل الرزق، تعتمد على الله. هل من التوكل الذهاب إلى السحرة والمشعوذين؟ الجواب: لا، هذا من ينافي التوكل، بعض الناس ربما إذا ضيق عليه في الرزق يذهب إلى السحرة ويفعل ذلك، بعض من يعمل في البحر أو في غير الأعمال إذا رأى أن الرزق قليل والصيد قليل يذهب إلى ساحر من السحرة يصنع له سحرًا حتى يتجمع له الصيد، هذا في الحقيقة خسر دينه وآخرته. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «من أتى كاهنًا أو عرافًا فسأله فصدقه، فقد كفر بما أنزل على محمد»، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. الذهاب إلى السحرة والمشعوذين ليس هذا من تحصيل الرزق، ولا هو من التوكل على الله جل وعلا، وربما البعض يذهب إلى أصحاب القبور والقباب والمشاهد فيسأل الأموات طلب الحاجات وتحصيل المطالب، وهذا أيضًا من الشرك بالله جل وعلا. ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة، وهم عن دعائهم غافلون، وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء وكانوا بعبادتهم كافرين. الواجب أن تدعو الله عز وجل، وأن تسأل من الله جل وعلا الرزق، فالرزق بيد الله جل وعلا، فلا يتحصل العبد على الرزق بسلوك الطرق المحرمة، بل يبغي أن يحرص على الطرق المشروعة. وهكذا أيضًا من أسباب الرزق الصدق والإنفاق، الصدق والإنفاق بوجوه الخير، سبل البر، من أسباب تحصيل الأرزاق وزيادتها وكثرتها، قال الله جل وعلا: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾. وقال جل وعلا: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾، يخلف الله عز وجل لك خيرًا مما أنفقت، خيرًا في الأجر والثواب، وخيرًا في البدل مما أنفقت، ونصدقت وهو خير الرازقين. وجاء الصحيح من حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «قال الله عز وجل: "أنفق يا ابن آدم، ينفق عليك، أنفق يا ابن آدم، ينفق عليك"». هذا الخطاب يخاطبك الله جل وعلا به، الرزاق الذي بيده خزائن السماوات والأرض، الله جل وعلا يأمرك أن تنفق، ويعدك جل وعلا بالإخلاف، النفقة عليك، أنفق يا ابن آدم، ينفق عليك. وهكذا أيضًا قال النبي صلى الله عليه وسلم لبلال: «أنفق بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالًا»، لا تخشى أن يضيق الله عليك، ولا يرزقك، ولا تخشى أن الله يفقدك، ولا يرزقك. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما نقص مال من صدقة»، ويقول جل وعلا: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾، يزيدها ويبارك فيها، إذا الصدقة سبب زيادة المال وبركته، فيحرص المسلم أن يتصدق وينفق، بل حتى على أهل وأولاده، النفقة على الأهل والأولاد إن احتسبتها فهي لك صدقة. كما جاء في حديث مسعود البدري رضي الله عنه في البخاري قال النبي عليه الصلاة والسلام: «والنفقة ينفقها الرجل على أهله يحتسبها فهي له صدقة»، إذا تحرص على التصدق بالمال. وجاء في حديث أبي هريرة في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل ملكان، فيقول أحدهما: "اللهم أعط منفقًا خلفًا"، ويقول الآخر: "اللهم أعط ممسكًا تلفًا"». ملكان يدعوان في كل صباح: «اللهم أعط منفقًا خلفًا»، الذي ينفق ويتصدق، أخلف له، يدعو له بأن يخلف الله عز وجل له خيرًا، ومن أمسك دعا عليه بالإثلاف والمراد أن يمسك مما أوجب الله عز وجل عليه من نفقة أهل أو أولاد أو مماليك أو غيرها من النفقات الواجبة، دعا عليه بالإثلاف، أن يخلف الله عز وجل ما بيده من رزق ومال. ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة رجل كيف أن الله عز وجل رزقه وخصه بسحابة من السماء بسبب الصدق والإنفاق، جاء في صحيح الإمام مسلم من حديث أبي

شاركنا على