الصدق نجاة

المحاضرة بعنوان الصدق نجاة، وكانت بمسجد ابن عباس بزغفه الجمعة ٢٢ جمادى الأولى ١٤٣٦هـ ألقاها

أهمية الصدق ومفهومه في الإسلام

يؤكد الإسلام على أهمية الصدق، حيث يعتبره أساسًا للإيمان وسببًا للنجاة في الدنيا والآخرة. الصدق يشمل الأقوال والأعمال والأحوال.

منزلة الصديقية وصفات الأنبياء الصادقين

يُبين المقطع منزلة الصديقية وأهمية الصدق، ويذكر أمثلة للأنبياء والرسل الذين وصفهم الله بالصدق، مشيرًا إلى سيرة النبي محمد عليه الصلاة والسلام قبل الوحي.

جزاء الصادقين وصفاتهم وأجرهم

يُبيّن جزاء الصادقين في الدنيا والآخرة، حيث يُجازيهم الله بصدقهم ويُدخلهم الجنة، ويُظهر صدقهم يوم القيامة، ويذكر صفاتهم وأجرهم العظيم.

  • 24 جمادى الأولى 1436هـ - 14/03/2015مـ
التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. أما بعد، فنحمد الله جل وعلا الذي يسر لنا هذا اللقاء المبارك، وهذا المجلس الطيب في مسجد وبيت من بيوت الله، نتذاكر شيئًا من كلام الله عز وجل، وكلام رسوله عليه الصلاة والسلام، مما ينفعنا في ديننا ودنيانا وأخرانا. وأشكر أخانا مصطفى خيرًا على ما تكلم به، ونصح به إخواننا من الاهتمام بهذه المجالس، والحرص على حضورها والجلوس فيها، وكذلك أيضًا الصبر على المواظبة عليها، فهذا من التواصي بالحق، والتواصي بالصبر. والله عز وجل يقول: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾. فإن من أعظم الصبر أن يصبر المسلم على الخير، ومجالس العلم، ويصبر نفسه على التعلم، فإن هذا الأمر يحتاج إلى صبر؛ لأن المغريات كثيرة، والملهيات متعددة. وهكذا أيضًا الشيطان يزين ويسول للإنسان البعد عنها والتزهيد فيها، وهكذا الشياطين الإنس الذين يحاربون هذه المجالس ويكيدون لها ليلاً ونهارًا، ويريدون أن يصدوا المسلمين عنها؛ لعلمهم بأنها من أسباب نشر الدين وبقاء هذا الدين. وكذلك أيضًا من أسباب تفقه المسلمين بدينهم؛ لأن هذا الدين إنما ينتشر بالعلم والتعليم، وتعليم العلم يكون في بيوت الله عز وجل، في هذه المجالس المباركة. فجزاء الله عز وجل خيرًا، ونسأل الله جل وعلا أن يوفقنا وإياه وإياكم جميعًا لما يحب جل وعلا ويرضى. عباد الله، جاء في الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صدِّيقًا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا». فالنبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث يأمر بلزوم الصدق «عليكم بالصدق»، «عليكم» اسم فعل أمر بمعنى: الزموا، الزموا الصدق، كونوا ملازمين له في أقوالكم، وفي أعمالكم، وفي ظواهركم، وفي بواطنكم، وفي سائر أحوالكم، كونوا من أهل الصدق. كما أمر الله عز وجل في كتابه، قال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾، اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. الصدق كما قال ابن القيم رحمه الله: يكون في الأقوال، ويكون في الأعمال، ويكون في الأحوال، صدق في الأقوال، وصدق في الأعمال، وصدق في الأحوال. أما الصدق في الأقوال، قال: فهو استقامة اللسان على القول، كاستقامة السنبلة على ساقها، يعني: أن تكون ملازمًا للصدق، لسانك صادق، ولا تتكلم إلا بالصدق، ولا تنطق إلا بالصدق. قال: والصدق في الأعمال: استقامة الأفعال على الأمر والمتابعة، كاستقامة الرأس على الجسد، استقامة الأعمال على الأمر والمتابعة، كاستقامة الرأس على الجسد، يعني: تكون أعمالك ملازمة ومتابعة لأمر الله، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. قال: والاستقامة في الأحوال: هو استقامة أعمال القلوب، وأعمال الجوارح على الإخلاص، وبذل الجهد والأسوة والطاقة في تحقيق ذلك. قال: فإذا حقق العبد ذلك كان من الصديقين، وبكمال تحقيقها تكمل صديقيته. فالنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر»، يهدي إلى البر، البر كلمة جامعة لكل خير، كلمة جامعة لكل خير. الصدق يوفقك ويهديك إلى أن تكون من أهل البر، الذين وفقوا للأعمال الصالحة، والأعمال الطيبة، منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب. والله عز وجل يقول: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا ۖ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ ۗ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾. هكذا ذكر الله عز وجل في هذه الآية صفات أهل الصدق، فليس الصدق ادعاء يدعيه صاحبه، بل هو قول وعمل. ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، حقق الإيمان بالله جل وعلا حق الإيمان. فالصادق من صدق في إيمانه، وحقق إيمانه بالله جل وعلا، وهكذا بقيت أركان الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر. فإن أساس الإيمان هو الصدق، كما قال ابن القيم رحمه الله: قال: «إن الله عز وجل قسم الناس إلى قسمين: مؤمن، ومنافق»، قال الله عز وجل: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾. قال: «وأساس الإيمان هو الصدق، وأساس النفاق هو الكذب، ولا يجتمع كذب وإيمان، وإن اجتمع حارب أحدهما الآخر». فأساس الإيمان هو الصدق، قد يدعي الشخص الإيمان كالمنافقين، يدعون الإيمان في الظاهر، ويشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويصلي ويصوم، وهو كاذب في إيمانه، في باطنه. فهل ينفع هذا الإيمان الظاهر الذي يظهره، وهذا الإسلام الذي يدعيه؟ الجواب: لا؛ لأنه كذب فيه. ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾، الله عز وجل يشهد على كذبهم؛ لأنهم ما صدقوا في إيمانهم. فالإيمان لا بد فيه من الصدق، ولهذا ذكر الله عز وجل من صفات أهل الصدق تحقيقهم للإيمان، وهكذا بقية الأمور التي ذكرها الله عز وجل في هذه الآية، من إيتاء المال، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وهكذا إيفاء العهود، والصبر في البأساء، وفي الحرب والقتال والجهاد، وعند المصائب، إلى آخر ما ذكر الله عز وجل من الأعمال. هؤلاء يثبت فيها، ويؤديها، ويحققها أهل الصدق، الذين هم أهل التقوى، والذي جاء بالصدق وصدق به، أولئك هم المتقون. هؤلاء هم الذين اتقوا الله عز وجل حقًا، الذي جاء بالصدق وصدق به، قيل: نزلت في أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه، وهي عامة في كل من اتصف بالصدق. «عليكم بالصدق، فإن الصدق يهدي إلى البر، وإن البر يهدي إلى الجنة»، البر يعني: فعل الخيرات، والأعمال الصالحة، توصل بصاحبها إلى الجنة، فهي من أسباب دخول الجنة. والله عز وجل يقول لأهل الجنة: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، أي: بسبب أعمالكم التي عملتموها في الدنيا. وهكذا الكذب على خلاف الصدق، «وإياكم والكذب»، احذروا وابتعدوا واجتنبوا، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، يهدي إلى فعل الفواحش، والمنكرات، والمحرمات. وإن الفجور يهدي إلى النار، يوصل بصاحبه إلى النار، عياذًا بالله. وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذابًا. فالنبي عليه الصلاة والسلام أمر بلزوم الصدق، والصدق كما سمعنا يكون في الأقوال، وفي الأعمال، وفي الأحوال، أن تكون ملازمًا للصدق في لسانك، وأقوالك، فلا تتكلم إلا بالصدق، ولا تنطق إلا بالصدق. ولا تعمل من الأعمال إلا ما كان موافقًا للشرع، وهكذا أيضًا أن تصدق في نيتك، وفي باطنك، فبذلك تكون بإذن الله عز وجل من أهل الصدق، ومن الصديقين الذين أثنى الله جل وعلا عليهم في قوله جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. فالصديقية منزلة عظيمة بعد منزلة الأنبياء؛ لأنهم وصفوا بهذا الوصف، وهو كونهم صادقين ملازمين للصدق. فالصادق أو الصديق: صيغة مبالغة تدل على كثرة الصدق، حتى يكاد لا يوجد لصاحبها كذبة واحدة، ما يعرف عنه الكذب، فيقال له: صديق، وصادق. هذه منزلة عظيمة، وصف الله عز وجل بها أهل الصلاح والتقوى. ﴿مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، هكذا وصفها الله عز وجل مريم بأنها صديقة، ممن حقق هذا المقام العظيم. ولذلك كانت الصدق من صفات الأنبياء والرسل، فهم حققوا هذا المقام تحقيقًا عظيمًا. قال الله عز وجل عن إبراهيم عليه السلام: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾. وقال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ ۚ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾. وغيرهم من الأنبياء، وصفوا بهذا الوصف العظيم. وكان لنبينا عليه الصلاة والسلام من هذا الوصف الشيء الكثير، فكان عليه الصلاة والسلام معروفًا قبل أن يوحى إليه بالصادق الأمين، لكثرة صدقه وعدم كذبه، كان يلقب بالصادق الأمين. ولذلك لما أوحى الله عز وجل إليه، وأمره بأن ينذر قومه، حين نزل عليه: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، استدل عليه الصلاة والسلام على تصديقه في خبره بما يعلمون من صدق قوله، وعدم كذبه. كما جاء في الصحيح عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: لما نزل عن النبي عليه الصلاة والسلام: ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، صعد عليه الصلاة والسلام على الصفا، ثم قال: «يا بني فهر، ويا بني عدي»، وآخر بطون قريش، حتى اجتمعوا، وجاء أبو لهب وغيره، فقال: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلاً تريد أن تغير عليكم -يعني: تهجم عليكم- أكنتم مصدقي؟» قالوا: «نعم، ما جربنا عليك كذبًا»، ما جربنا عليك كذبًا، لو كان هناك كذبات، ولو كذب واحدة، لقالوا: «لا، أنت قد كذبت في يوم كذا وكذا»، قالوا: «ما جربنا عليك كذبًا»، كان ملازمًا للصدق. قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد»، فقال أبو لهب: «تبًا لك سائر اليوم، أليهذا جمعتنا؟» فأنزل الله عز وجل: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. فكان عليه الصلاة والسلام ملازمًا للصدق. ولما سأل هرقل عظيم الروم سأل أبا سفيان، وكان ذلك قبل أن يسلم أبو سفيان، تأخر إسلامه، أسلم يوم الفتح، وكان هذا السؤال بعد صلح الحديبية، في السنة السادسة. فهرقل سأل أبا سفيان، وكان قد أمر أصحابه -أصحاب أبي سفيان- أن يكونوا خلفه، فإن كذب فيرد عليه. وكان مما سأله أن قال: «هل تعلمون منه كذبًا؟» -يعني: عن النبي عليه الصلاة والسلام- هل جربتم عليه كذبًا أنه كذب؟ فقال: «لا»، فقال هرقل بعد ذلك في -يعني: جوابه وقوله- قال: «قلت: ما كان ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله»، يعني: هذا الذي يدل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «كيف يدع الكذب على الناس ثم يكذب على الله؟» ما يمكن الذي من خلقه الكذب، فإنه يلتزمه ويبقى داء فيه، إلا إن شاء الله، إذا تعلمه في الصغر، شب عليه، وكبر على الكذب. وهكذا الصدق إذا لزم الصدق من صغره، فإنه إذا كبر كان أشد ملازمة للصدق. ومن شب ونشأ على الكذب، وشب وكبر عليه، كان ملازمًا له، إلا أن يوفقه الله جل وعلا لتركه. فسدل هرقل على صدق النبي عليه الصلاة والسلام بعدم كذبه، وملازمته للصدق؛ لأن الصدق مفتاح للخير، ومفتاح لكل بر. وهكذا خديجة رضي الله عنها لما نزل جبريل على النبي عليه الصلاة والسلام، ثم جاء إليها وهو فزع خائف، وأخبرها بما حصل له، كان من جوابها رضي الله عنها: «كلا والله لا يخزيك الله، إنك لا تصدق الحديث، وتحمل الكل، وتقر الضيف، وتعين على نوائب الدهر»، استدلت بصدق أخلاقه، وكرمه عليه الصلاة والسلام بأن الله عز وجل لا يخزيه، وأن الله جل وعلا يؤيده وينصره. ومن ذلك صدقه في الحديث، وتصدق الحديث، إذن الصدق مقام عظيم، وخلق كريم، ينبغي أن يحرص عليه المسلم، وأن يكون من أهله، ومن الملازمين له. أن يكون ملازمًا للصدق كما أمر الله عز وجل، وأمر رسوله عليه الصلاة والسلام. كذلك أيضًا إذا صدق الإنسان، فليعلم أن الله جل وعلا يوفقه، وأن الله جل وعلا يصدقه. والله عز وجل يقول: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، هذه الآيات نزلت عن النبي عليه الصلاة والسلام بعد ما حصل في أحد. فالله عز وجل يذكر عباده بما حصل لهم من تصديق الله جل وعلا لهم، وتأييده ونصره. ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾، يعني: في بدر، في غزوة بدر، حين وعدكم بالنصر والتأييد، فحصل ذلك، فكنتم تقتلون المشركين وتأسرون. ﴿حَتَّىٰ إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾، هذا في أحد، حين خالف من كان على الجبل أمر النبي عليه الصلاة والسلام، لما رأوا المسلمين قد انتصروا، وحازوا الغنائم، نزلوا، وقد أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة الجبل، أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن أن لا لا لا أن لا أن أن لا أن أن لا أن لا أن أن لا أن أن لا أن لا أن لا أن لا أن أن لا أن لا أن أن لا أن لا أن أن لا أن لا أن أن لا أن أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن لا أن أن لا علينا أن النبي صلى الله عليه وسلم أن لا ينزلوا. فلما خالفوا أمر النبي عليه الصلاة والسلام، حصل ما حصل من رد المشركين عليهم، ووقوع الكارثة العظيمة على المسلمين. ﴿وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾، إلى آخر الآيات. فكذلك أيضًا يقول الله جل وعلا: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾. ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين، إن شاء يتوب عليهم، إن الله كان عليمًا حكيمًا. هذه الآية قال: أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: «غاب عمي أنس بن النظر عن أول قتال قاتل فيه المسلمون -يعني: في بدر- قال: فلما كان أحد، وانكشف المسلمون -يعني: تفرقوا عن النبي عليه الصلاة والسلام- فقال: «اللهم إني أعتذر إليك مما صنع هؤلاء -يعني: الصحابة- وأبرأ إليك مما صنع هؤلاء -يعني: المشركين- ثم تقدم، فلقيه سعد بن معاذ، فقال: «يا سعد، إني أجد ريح الجنة دون أحد -يعني: قريبة- قال: إني أجد ريح الجنة دون أحد»، قال: «فما استطعت»، فما علمت ما صنع، ثم وجدوا فيه بعد ذلك بضعة وثمانين بين ضربة بسيف، ورمية بسهم، وطعنة برمح، ومثل به المشركون -يعني: قطعوا أعضاءه- فما عرفه أحد إلا أخته ببنانه -بأطراف أصابعه- قال: فكنا نظن أن هذه الآية نزلت فيه، وفي أمثاله من المؤمنين: ﴿مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾، إلى آخر الآية. وكان قبل ذلك قال: «بعد أن فاته مشهد بدر، والله لئن أراني الله عز وجل قتال المشركين لترون ما أفعل»، قال ذلك عن صدق. فلذلك صدقه الله سبحانه وتعالى، وحصل ما حصل منه في غزوة أحد. وعند الإمام النسائي: أن أعرابيًا بايع النبي عليه الصلاة والسلام، فبايعه عليه الصلاة والسلام، ثم أتت غزوة من الغزوات، وقاتل هذا الأعرابي مع الصحابة، رغوان الله تعالى عليهم. فلما فرغ النبي عليه الصلاة والسلام من هذه الغزوة، وجمع الغنائم، دعا هذا الأعرابي، فأعطاه نصيبه من الغنيمة. فقال: «يا رسول الله، ما على هذا بايعتك، وإنما بايعتك على أن يدخل سهمي هنا» -وأشار إلى موضع في حلقه- «ويخرج منها هنا»، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن تصدق الله يصدك»، إن كنت صادقًا فسيصدقك الله عز وجل. فجاءت الغزوة التي بعدها، ثم قاتل رضي الله تعالى عنه حتى قتل، وكان النبي عليه الصلاة والسلام بعد الغزوة فقد أصحابه، وينظر من الذي مات، ومن قتل، فقد هذا الأعرابي، فسأل عنه، فجيء به، وإذ بالسهم قد دخل من حيث أشار. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صدق الله فصدقه»، صدق الله فصدقه. فالمسلم إذا صدق الله عز وجل، فإن الله جل وعلا يصدقه، ولا يضيعه، هذا إذا حقق هذا المقام العظيم في قلبه. ولذلك جعل الله عز وجل للصادقين المنازل العظيمة، والدرجات الرفيعة. قال الله جل وعلا: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾، لهم ما يشاءون عند ربهم، ذلك جزاء المحسنين. ﴿لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. انظر إلى هذه الأجور العظيمة، وصفهم بأنهم أهل التقوى، وأنهم أهل الإحسان، وأن الله عز وجل كفر عنهم سيئاتهم. وهكذا أيضًا جزاؤهم الله عز وجل بأحسن الجزاء. وهكذا يقول الله جل وعلا: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۗ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. ﴿قُلْ أَنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَٰلِكُمۡ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللَّهِ ۗ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾. انظروا إلى هذا الأجر العظيم، جنات تجري من تحتها الأنهار، وفيها كذلك الأزواج المطهرات، وفي الجنة كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام: «ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر». وما هي صفاتهم؟ الصابرين، والصادقين، والقانتين، والمنفقين، والمستغفرين بالأسحار، الذين اتصفوا بهذه الصفات، وبهذه الأوصاف، جعل الله عز وجل لهم هذا الأجر العظيم، وهذا الجزاء الجزيل الذي نسأل الله جل وعلا أن يجعلنا وإياكم من أهله. ويقول الله جل وعلا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ۖ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ﴾. ﴿وَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ ۚ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾. هؤلاء الذين صدقوا في إيمانهم، وصدقوا في أعمالهم، فصدقهم الله جل وعلا، وقد وعدهم بالجنة إن صدقوا، وإن صبروا، وإن عملوا، وإن ثبتوا، وإن آمنوا، فصدقهم الله جل وعلا وعده، وأدخلهم الجنة كما وعدهم سبحانه وتعالى. وهكذا قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾. أي: رفقة أعظم أن تكون في رفقة النبيين، مع الأنبياء، ومع أهل الصدق والصلاح، لا شك أن هذه منزلة عظيمة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إن أهل الجنة ليتراءون الغرف من فوقهم كما تراءون الكوكب الدري الغابر في الأفق» -يعني: المرتفع البعيد- ما ترى إلا ضوءه. هكذا أهل الجنة منازل الذين في الأسفل يرون الذين في الأعلى كرؤيتهم للكوكب، وضوء الكوكب من بعيد. قالوا: «يا رسول الله، تلك منازل الأنبياء، لا يبلغها غيرهم»، قال: «لا، بل رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين»، ليست هذه المنزلة خاصة بالأنبياء، بل بغيرهم ممن آمنوا حق الإيمان، وصدقوا حق التصديق، فإنهم يبلغون هذه المنزلة، وهذه الدرجة الرفيعة. الصدق أيها المسلم نجاة لك في الدنيا، وفي الآخرة، نجاة من المصائب، ونجاة من الفتن، ونجاة من البلايا، ونجاة كذلك من عذاب الله وعقابه. والله جل وعلا يقول: ﴿هَٰذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ ۚ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾. هذا يوم القيامة، يوم ينفع الصادقين صدقهم، ما ينفع الكذب، ولا التلبيس، ولا الخداع، ولا الغش، ربما الإنسان في الدنيا يقادع، ويغش، ويكذب، ويظهر خلاف الباطن. لكن يوم القيامة يوم تبلى السرائر، فما له من قوة، ولا ناصر في ذلك اليوم، تظهر ما كان مخفيًا، ويعلن ما كان مستترًا، فيظهر صدق الصادقين، وكذب الكاذبين. فحينئذ يفلح أهل الصدق، ويفوز، ويخسر أهل الكذب، ويهلكون. هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم، صدقهم الذي صدقوه، وصدقوا به في الدنيا، ينفعهم يوم القيامة. لكن إن كذبوا هلكوا، كما يهلك أهل النفاق الذين في الدنيا هم مع أهل الإسلام، ويفعلون كما يفعلون، يصلون كما يصلون، ويصومون كما يصومون، إلى آخر ذلك من الأعمال. لكنها ما تنفع في الآخرة، وكما جاء في الصحيحين، حيث أبي هريرة، وأبي سعيد الخدري رضي الله عنهما: حين يأتي الله عز وجل في عرصات القيامة، ويبقى أهل الإيمان، وفيهم منافقوهم، ويتجل الله جل وعلا لهم بصفاته التي يعرفونها، فيأمرهم جل وعلا بالسجود له، حين يكشف عن ساق، فيسجد أهل الإيمان، ويأتي أهل النفاق يريدون أن يسجدوا، فلا يستطيعون، يرجع ظهرهم كالطبق، فيتساقطون على وجوههم. ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَن سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ﴾، ما الذي منعهم، وهم كانوا يسجدون في الدنيا؟ منعهم كذبهم، وعدم صدقهم، ما نفعهم في الآخرة، بل ظهر كذبهم ونفاقهم. لكن أهل الإيمان بسبب صدقهم، وثباتهم في الدنيا، كذلك يثبتهم الله جل وعلا في الآخرة. فالصدق نجاة لصاحبه، كذلك أيضًا في الدنيا، إذا صدقت مع الله عز وجل، وفقك الله جل وعلا للنجاح من الفتن والمصائب، وجعل لك جل وعلا نورًا تميز به بين الحق والباطل. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا﴾، تفرق به بين الحق والهدى، بين الحق والهدى، بين الضلال والغواية. ولذلك قال بعض السلف: «من

شاركنا على