الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 417، ألقاها
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الحلف بغير الله لأنه شرك، وحذر من القمار ودعا إلى التوبة منه. كما أمر بالكفارة لمن فعل ذلك.
جعل النبي صلى الله عليه وسلم كفارة الحلف بغير الله قول 'لا إله إلا الله'، وكفارة دعوة القمار التصدق بما يتيسر. يناقش أيضًا حكم قمار الحمام والرهان عليه.
يفيد بأن الرهان على الحمام يعتبر من القمار المحرم، ويشبه قمار الديك، ويحذر من فعل الصبيان الذي ينبغي على الكبار التنزه عنه. كما يذكر تحريم الميسر ويختم بالصلاة على النبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه "الأدب المفرد"، باب من قال لصاحبه "تعال أقامرك". قال: حدثنا يحيى بن بكير، قال: حدثنا الليث، عن عبيد، عن ابن شهاب، قال: أخبرني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من حلف منكم فقال في حلفه باللات والعزة فليقل لا إله إلا الله". ومن قال لصاحبه "تعال أقامرك". هذا الباب ترجمه الإمام البخاري رحمه الله بقوله "باب من قال لصاحبه تعالى أقامرك"، يعني "تعال لنعمل القمار أو نلعب الميسر". فما حكم ذلك؟ وسيأتي في الحديث الذي في هذا الباب ما يدل على حرمة ذلك، أنه لا يجوز للمسلم أن يرتكب الميسر أو القمار، أو أن يدعو إلى فعله وإلى لعبه. فإن حصل ذلك منه، فلابد من كفارة يكفر بها عن قوله لذلك ودعاه إلى ذلك. ذكر في هذا الباب حديث أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: "من حلف منكم فقال في حلفه بالله والعزة فليقل لا إله إلا الله". الحلف بغير الله جل وعلا محرم، بل هو من الشرك. قال عليه الصلاة والسلام: "من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك". ونهى عليه الصلاة والسلام عن الحلف بغير الله، قال: "لا تحلفوا بآبائكم ولا بأصنامكم، فمن كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت". وقال: "من حلف بالأمانة فليس منا". فالحلف بغير الله شرك، وهو دائر بين شرك أكبر أو شرك أصغر. إن حلف بغير الله مع تعظيم المحلوف به، فهو من الشرك الأكبر. وإن حلف بغير الله من غير تعظيم، فهو من الشرك الأصغر. هذا الحلف بالأمانة أو النعمة، برأس أمه أو أخيه، أو غير ذلك من الحلف بغير الله. وربما يكون إنسان قد تعود على الحلف بغير الله في حال ضلاله وانحرافه قبل استقامته، أو في حال كفره قبل أن يسلم. ربما يكون متعودا على الحلف بغير الله، فإذا أسلم أو إذا استقام بعد ضلال، ربما يجري الحلف على لسانه لكثرة ما تعود من الحلف بغير الله. فجعل النبي عليه الصلاة والسلام كفارة لذلك، قال: "من حلف منكم فقال في حلفه بالله والعزة". وهذا الخطاب في حق من أسلم في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، وكانوا قد تعودوا قبل الإسلام على الحلف باللات والعزة، فربما جرى هذا الحلف على لسان أحدهم من غير قصد. فجعل النبي صلى الله عليه وسلم كفارة لذلك أن يقول "لا إله إلا الله". فهذه كفارة الحلف بغير الله، لأن الحلف بغير الله شرك، وقول "لا إله إلا الله" توحيد، فيكون كفارة لمن وقع في مثل هذا الحلف وهذا الشرك أن يقول "لا إله إلا الله". ومن قال لصاحبه "تعال أقامرك"، يعني دعاه إلى لعب الميسر وفعل القمار، وإن لم يفعل، مجرد أن يدعوه إلى ذلك، فليتصدق. هذه كفارة إذا قال "تعال أقامرك"، عليه أن يتصدق. لماذا يتصدق؟ قال بعض أهل العلم: يتصدق بما أراد أن يقامر به، مثلا لو قال "تعال نقامر على ألف ريال"، قالوا: فيتصدق بألف ريال تكون كفارة لقوله هذا القول. وبعض أهل العلم قال: يتصدق بما يتيسر، ولا يلزم أن يكون بنفس الثمن الذي أراد أن يقامر به، ولو كان بأقل من ذلك أو بأكثر من ذلك. وهذا يعني أصح أن يتصدق بما يتيسر. وفي صحيح مسلم قال عليه الصلاة والسلام: "فليتصدق بشيء، فليتصدق بشيء". وهذا عام يشمل ما سماه أو أقل أو أكثر، فتكون ذلك كفارة في دعائه إلى لعب الميسر. قال: باب قمار الحمام. قال: حدثنا عمر بن زرارة، قال: أخبرنا مروان بن معاوية، عن عمر بن حمزة العمري، عن حسين بن مصعب أن أبا هريرة قال له رجل: إنا نتراهن بالحمامتين أو بالحمامين، فنكره أن نجعل بينهما محللا تخوفا أن يذهب به المحلل. فقال أبو هريرة: ذلك من فعل الصبيان، وتوشكون أن تتركوه. بابه قمار الحمام، يعني المقامر والميسر بالحمام. والقمار بالحمام يعني أن يأتي هذا بحمامه وهذا بحمامه، ثم ينظر، إما أن يفعلون شيئا كاقتراع مثلا، ومن أصابته القرعة أخذ الحمامتين، أو ربما نفشوا الحمام في الهواء وأطاروه في الهواء، فينظر أيهما أحسن وأيهما أفضل وأيهما أسرع وأيهما يعني أفضل تقلبا إلى آخر ذلك مما يفعله الحمام. فمن كان كذلك أخذ الحمامتين، أو غير ذلك من أنواع اللعب بالحمام، فهذا نوع من أنواع الميسر، نوع من أنواع القمار المحرم. ومر معنا في الباب قبل هذا الباب، يعني قبل باب "تعال وقامرك"، باب قمار الديك. وهكذا أيضا قمار الحمام، أو غير الحمام، غير من الحيوانات، لا يجوز التراهن بها. إذا تراهن بحمامتين أو بتيسين أو بثورين أو بغيرها من حيوانات، فهو من القمار والميسر المحرم. وهكذا أيضا قمار الحمام أيضا هو من الميسر المحرم. ذكر في أثر أبي هريرة أن رجلا قال: إن نتراهن بالحمامين، فنكره أن نجعل بينهما محلا، يعني شخصا ثالثا يدخل معهم، كراهة أن يذهب به، يعني أن يفوز ويأخذ الحمامين. وهذا الظاهر إذا أتوا بحمامتين ثم فعلوا قرعة أو شيئا، ومن وقعت له أخذ الحمامين. فقال أبو هريرة رضي الله عنه: ذلك من فعل الصبيان، يعني هذا الفعل أن تأتي بالحمامين وتراهن بهما، ثم يأخذ الفائز الحمامين، هذا من فعل الصبيان. يعني كانوا يقولون ينبغي أن تتنزهوا عن ذلك، ولا يقع ذلك منكم. وتوشكون أن تتركوه. وهذا الأثر فيه ضعف، فحسين مجهول، وعمر بن حمزة ضعيف، لكن معناه صحيح. فهذا الفعل لا يجوز كما سمعنا، فهو من الميسر المحرم. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، آله وصحبه أجمعين.