الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 433، ألقاها
يُعد الحياء من الإيمان وخلقًا عظيمًا يدعو إلى فعل الخير والابتعاد عن الشر. كما أنه يرتبط ارتباطًا وثيقًا بالإيمان، حيث يزيد مع زيادة الإيمان.
حقيقة الحياء من الله تكون بحفظ الجوارح واجتناب المحرمات، وهو خلق كريم يبعث على فعل الخير وترك القبيح. هذا الحياء يظهر في امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه.
الإيمان والحياء متلازمان، فكلما زاد إيمان الإنسان زاد حياؤه وبعد عن المعاصي، وكلما قل إيمانه قل حياؤه وزادت معاصيه. هذه العلاقة تؤكد أهمية تعزيز الإيمان لزيادة الحياء.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، أبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتابه «الأدب المفرد»، باب الحياء، قال: حدثنا آدم، قال: حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي السوار العدوي، قال: سمعت عمران بن حسين، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير». فقال بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا، وإن من الحياء سكينة. فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن صحيفتك. هذا الباب باب الحياء، وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله في الأبواب التي سبقت في أوائل هذا الكتاب ذكر نحو هذا الباب، باب الحياء، وذكر فيه عدة من الأحاديث والآثار. وعاد هنا في خاتمة الكتاب، وكأنه يريد أن يبين أهمية هذا الخلق الذي ينبغي أن يتخلق به المسلم، فكرر ذكره في هذا الموضع. والحياء كما قال أهل العلم: خلق يبعث على فعل كل أمر محمود، أو على فعل كل خير والابتعاد عن كل شر. خلق يبعث على فعل كل خير، وعلى الابتعاد عن فعل كل شر. وأصل الحياء في القلب، أصل الحياء في القلب، فهو خصلة من خصال وأعمال القلوب، وتظهر ثمرتها في البدن، في القول وفي الفعل. بل الحياء من الإيمان، الحياء من الإيمان. وفي حديث بهريرة في الصحيحين: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان»، أي جزء من أجزاء الإيمان. وسيأتي معنا كذلك أن الحياء والإيمان قرينان، الحياء والإيمان قرينان. وفي حديث أبي مسعود البدري رضي الله عنه: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى: إذا لم تستحي فاصنع ما شئت». إذا الحياء من كلام الأنبياء، من كلام الأنبياء الذي أثر عنهم الدعوة إلى الحياء، وأن من لم يستحي فليصنع ما شاء. فالحياء خلق عظيم، خلق عظيم. كما سمعنا إذا علمنا أنه من الإيمان، فلا شك أن المسلم والمؤمن ينبغي أن يتحلى به. بل الإمام ابن القيم رحمه الله يقول: «الحياء خاصية الإنسانية»، يعني كأنه يقول: الحياء أمر مما تحصل به وجود الإنسان وخلق الإنسان. فإذا لم يوجد عنده الحياء، فلم يبق من إنسانيته إلا لحمه ودمه، كأنه يقول: أصل الإنسان وأصل أخلاقه هو الحياء، أصله هو الحياء. والحياء أعظمه الحياء من الله جل وعلا، أعظم الحياء الحياء من الله جل وعلا. وقد فسر النبي عليه الصلاة والسلام كما في السنن في قوله عليه الصلاة والسلام: «استحيوا من الله حق الحياء»، قالوا: يا رسول الله، إن نستحي؟ قال: «إن الحياء من الله أن تحفظ الرأس وما حوى، والبطن وما وعى، وأن تذكر الموت والبلا، ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا». فأخبر النبي عليه الصلاة والسلام أن حقيقة الحياء من الله جل وعلا أن يحفظ الإنسان الرأس وما حوى، هذا الرأس من الجوارح: العينان والأذنان واللسان والفم، فيحفظ هذه الجوارح، فلا ينظر إلا لما يرضي الله، ولا يتكلم إلا بما يحب الله، ولا يسمع إلا ما يرضي الله جل وعلا. كذلك يحفظ البطن وما وعى مما يدخل في جوفه، فيحرص على أكل الحلال وترك الحرام. وهكذا أيضا يحرص على حفظ فرجه عما حرم الله سبحانه وتعالى. وهكذا أيضا يذكر الآخرة ويذكر الموت والبلاء، يعني يكون ذاكرا للموت غير غافل عنه، وهذا مما يعينه على الاستقامة على دين الله والقيام بما أوجب الله سبحانه وتعالى، والاستعداد للآخرة والعمل للآخرة. ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا، أي لم يقتر بحياة الدنيا إذا علم أنه راحل من هذه الدنيا ويريد ما عند الله سبحانه وتعالى، لم يركن إليها ولم يعمل لأجلها، وإنما يتخذها طريقا وسبيلا يوصله إلى الله جل وعلا بالتزود بالأعمال الصالحة وما يرفع درجات عند الله سبحانه وتعالى. فأشهد بهذا الحديث أن حقيقة الحياء من الله هو فعل الطاعات والواجبات واجتناب المعاصي والمحرمات، وأن يحفظ الإنسان جوارحه عما حرم الله ويستعملها في طاعة الله جل وعلا، فهذا هو حقيقة الحياء من الله جل وعلا. وهكذا أن يكون المسلم على حياء من الخلق في معاملتهم، وفي الكلام معهم، وفي الأفعال، أن يكون حييا، يكون عنده هذا الخلق الذي يمنعه من فعل الأشياء القبيحة والأشياء المنكرة. ذكر رحمه الله في هذا الباب حديث عمران بن حسين، قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، يعني كون إنسان حي هذا خلق كريم وخلق فاضل يبعث صاحبه على فعل كل خير. «الحياء لا يأتي إلا بخير». وفي حديث آخر قال النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء خير كله». قال: «الحياء لا يأتي إلا بخير». قال: فقال أبو بشير بن كعب: مكتوب في الحكمة: إن من الحياء وقارا، وإن من الحياء سكينة. وفي رواية: وإن من الحياء ضعفا. فقال له عمران: أحدثك عن رسول الله وتحدثني عن صحيفتك، يعني أنكر عليه عمران بن حسين رضي الله عنه ما ذكره مما نقله من هذه الصحيفة من التفصيل في الحياء، وأن منه وقار ومنه سكينة ومنه ما هو ضعف، لأن في ظاهر كلام هذا معارض لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الحياء لا يأتي إلا بخير» أو قول: «الحياء خير كله». فالنبي عليه الصلاة والسلام أخبر أن الحياء كله خير، فقوله بأن منه وقار ومنه سكينة أو منه ضعف، هذا فيه معارضة لحديث النبي عليه الصلاة والسلام. ولا ينبغي للمسلم أن يعارض حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام برأيه أو بعقله، بل واجب التصديق والتسليم. إنما كان قول المؤمنين إذا دعي إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا: سمعنا وأطعنا. ويقول الله جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، فلا يعارض المسلم حديث رسول الله عليه الصلاة والسلام بقوله أو برأيه أو بعقله. وفي هذا أحاديث كثيرة ومواقف متعددة عن السلف رضوان الله عليهم في إنكارهم على من يعارض حديث النبي عليه الصلاة والسلام. كفعل ابن عمر رضي الله عنه حين أنكر على ابنه ما أخبر به عن نبي عليه الصلاة والسلام في قوله: «لا تمنعوا إماء الله مساجد الله»، فقال أحد أبنائه: والله لنمنعه، والله لنمنعه. فغضب عليه ابن عمر غضبا شديدا، قال: أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقول: والله لنمنعه. مع أنه لم يكن قصده معارضة حديث النبي صلى الله عليه وسلم، لكن كان مراده أن النساء يتساهلن في الخروج وربما خرجن وهن متزينات فيستحقن بسبب ذلك المنع. لكن قوله ذلك عند حديث النبي عليه الصلاة والسلام فيه معارضة، فلذلك أنكر عليه ابن عمر رضي الله تعالى عنه وشدد عليه في الإنكار، بل حتى هجره كما في بعض الروايات. وهكذا أيضا في حديث عبد الله بن مغفل، حين ذكر حديث النبي عليه الصلاة والسلام في النهي عن الخذف، ورآه أحد أقاربه يخذف، فنهاه فعاد فخذف، فنهاه وقال: أحدثك عن رسول الله ثم تعود؟ لا أكلمك أبدا. وهذا من غيرتهم رضي الله تعالى عنهم على سنة النبي عليه الصلاة والسلام أن يعارضها أحد بعقله وهواه. وكذا أيضا إنكار عمران رضي الله عنه على هذا الرجل بشير في ذكره لما ذكر من هذه الصحيفة، ويحدثه عن النبي عليه الصلاة والسلام. والشاهد هو قول عليه الصلاة والسلام: «الحياء لا يأتي إلا بخير»، فالحياء كله خير. وفي الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى رجلا يعظ أخاه في الحياء، يعني كان رجل كثير الحياء فكان يعظه في حيائه ذلك، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «دعه، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير»، فإن الحياء لا يأتي إلا بخير. قال: وحدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا جرير بن حازم، عن يزيد بن حكيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر، قال: «إن الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر». هذا الحديث ذكره الإمام البخاري رحمه الله هنا موقوفا على ابن عمر، وصح مرفوعا للنبي عليه الصلاة والسلام: «أن الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»، يعني إذا رفع الحياء من الإنسان رفع منه الإيمان، وإذا رفع منه الإيمان رفع منه الحياء. وهذا يدل على أهمية هذا الخلق وأنه قرين الإيمان، أنه قرين الإيمان. فإذا زاد إيمان العبد زاد حياءه، وإذا قل إيمانه قل حياءه. ولهذا تجد أن قلة الحياء تأتي من قلة الإيمان، تأتي من قلة الإيمان. فإن المؤمن إذا تحقق الإيمان في قلبه فإنه يزداد حياء من الله وحياء من خلقه. وإذا قل إيمانه قل حياءه، وإذا قل إيمانه قل حياءه. فالإنسان مثلا الذي يقع في الذنوب والمعاصي ويكثر منها ولا يبالي، هذا من قلة إيمانه، فإذا قل إيمانه قل حياءه. وإذا زاد الإيمان في قلب العبد فإنه يزداد حياءه ويبتعد عن الذنوب والمعاصي قدر الاستطاعة، وإن وقع بشيء من ذلك فهو بشر لا يسلم، لكنه سرعان ما يرجع إلى ربه ويتوب ويقلع عن فعل الذنب. فالإيمان والحياء قرنا جميعا، إذا رفع أحدهما رفع الآخر. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.