الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
أكد النبي صلى الله عليه وسلم على تحريم الزنا والسرقة، مشيرًا إلى أن ارتكابها مع الجار يكون أعظم إثمًا. هذا يدل على أهمية احترام الجار وحفظ حقه.
أوصى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم بالجار حتى ظن النبي أنه سيورثه، مشددًا على أهمية الإحسان إليه سواء كان مسلمًا أو كافرًا.
تطرق المقطع إلى حدود الجوار وحقوق الجار بناءً على الأحاديث النبوية وأقوال الصحابة والتابعين، مشيرًا إلى أولوية الجار الأقرب بابًا في المعاملة الحسنة.
يشرح كيفية التعامل مع الجيران عند الإهداء، حيث يُبدأ بالجار الأقرب إلى الباب، مستندًا إلى حديث عائشة مع الرسول صلى الله عليه وسلم.
بسم الله الرحمن الرحيم قال الإمام البخاري رحمه الله بكتابه الأدب المفرد، باب حق الجار. قال: حدثنا أحمد بن حميد، قال: حدثنا محمد بن فضيل، عن محمد بن سعد، قال: سمعت أبا ضبية الكلابي، قال: سمعت المقداد بن الأسود يقول: سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه عن الزنا، قال: حرام حرمه الله ورسوله، قال: لأن يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، وسألهم عن السرقة، قال: حرام حرمه الله عز وجل ورسوله، فقال: لأن يسرق من عشرة أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره. والحديث صحيح، صححه العلامة الألباني رحمه الله. وفي أن النبي عليه الصلاة والسلام سأل أصحابه عن الزنا، فقالوا: حرام حرمه الله ورسوله، أي أن الزنا حرام، وهو أن يجامع الرجل امرأة لا تحل له من غير نكاح شرعي صحيح، فهو حرام ومن كبائر الذنوب، كما قال جل وعلا: ﴿ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة وساء سبيلا﴾. وسؤال النبي عليه الصلاة والسلام للصحابة هو نوع من أنواع التعليم، أن يعرض المعلم السؤال على تلاميذه: ما تقولون في كذا؟ ما حكم كذا؟ فهو أسلوب من أساليب التعليم التي تجعل الطالب في غاية من الانتباه، ويكون كذلك أيضا متطلعًا لهذا الجواب، فيكون أنفع له. ولهذا كان كثيرًا ما كان النبي عليه الصلاة والسلام يسأل أصحابه بنحو هذا الأسلوب. فهنا سألهم عن الزنا، فقالوا: حرام حرمه الله ورسوله، فقال: «لا يزني الرجل بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره»، يعني أن الزنا مع كونه حرامًا، فإيقاع هذا الزنا مع امرأة الجار أعظم وأشد. فلو زنى بعشر نسوة، لو زنى بعشر نسوة أيسر عليه من أن يزني بامرأة جاره، فالزنا بامرأة الجار أعظم إثمًا، لأنه انتهاك لعرض هذا الجار الذي ينبغي أن تكون أنت من أحفظ الناس لعرضه. فلهذا كان الزنا بامرأته أعظم. وسألهم عن السرقة، فقالوا: حرام حرمه الله عز وجل ورسوله، يعني أن السرقة حرام، أن يأخذ الإنسان مالًا أو نحوه خفية من غير أن يراه أحد، فهو حرام، كما قال الله جل وعلا: ﴿والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا﴾. فلا يجوز. ومع ذلك قال: «لأن يسرق من عشرة أبيات أو أهل أبيات أيسر عليه من أن يسرق من بيت جاره»، يعني لو سرقت من عشرة أبيات غير جارك لكان ذلك أيسر وأهون من أن تسرق من بيت جارك. فالسرقة من بيت الجار أعظم من السرقة من عشرة أبيات غيره، لماذا؟ لأنه انتهاك لماله، كان ينبغي أن تكون من أحرص الناس لحفظ ماله، لما بينك وبينهم من جوار وقرب، فانتهاكك لماله أعظم إثمًا من السرقة من غيره. ففي هذا الحديث بيان لحق الجار، وأن الجار له حق عظيم، فانتهاك عرضه أو ماله أعظم إثمًا من غيره. وفيها أيضًا أن الذنب قد يعظم باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكما في هذا الحديث أن الزنا بامرأة الجار أعظم من الزنا بغير امرأة الجار، وهكذا السرقة من بيت الجار أعظم من السرقة من غير بيته. وهكذا أيضًا فعل المعاصي والذنوب في المواضع المعظمة أعظم من فعلها في غيرها، ففعل المعصية مثلًا في المسجد ليس كفعلها في السوق، وليس كفعلها في البيت، ففعلها في بيوت الله سبحانه وتعالى أعظم. وكلما كان المكان أعظم حرمة كان الذنب أعظم، ففعل المعصية في البيت الحرام أعظم مثلًا من غيره. قال: باب يبدأ بالجار. قال: حدثنا محمد بن منهال، قال: حدثنا يزيد بن زريع، قال: حدثنا عمر بن محمد، عن أبيه، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». والحديث صحيح، وهو في الصحيح. ومراد الإمام البخاري رحمه الله أن الجار من شدة الوصية به وما له من الحق، كان جبريل يكثر من الوصية للنبي عليه الصلاة والسلام به حتى ظن أنه سيورثه، فيدل ذلك على أن الجار هو أولى من يبدأ به، يعني مثلًا في الإنفاق في الصدقة وفي الهدية ونحو ذلك، فهو أولى من غيره. قال: حدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا سفيان بن عيينة، وهو أبو محمد الهلالي، إمام من أئمة الحديث. قال الإمام الشافعي رحمه الله: «لولا مالك وسفيان بن عيينة لذهبا علم الحجاز». وقال أبو حاتم الرازي: «قال الذين يؤخذ عنهم الدين أربعة: مالك، وشعبة، والثوري، وابن عيينة». قال: قال عن داود بن شابور، وأبي إسماعيل، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمر: «أنه ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». والحديث صحيح، قد صححه العلامة الألباني رحمه الله. وفيه أن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما ذبحت له شاة، فجعل يقول لغلامه: أهديت لجارنا اليهودي؟ أهديت لجارنا اليهودي؟ يعني هل أعطيت جارنا اليهودي من هذه الشاة؟ ثم ذكر قول النبي عليه الصلاة والسلام: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». والجار لفظ عام يشمل المسلم والكافر، ويشمل كذلك العاصي والطائع، فكل جار لك فإنه يشمله هذا الحديث. قال: وحدثنا محمد بن سلام، قال: أخبرنا عبد الوهاب الثقفي، قال: سمعت يحيى بن سعيد يقول: حدثني أبو بكر: أن عمرة حدثته: أنها سمعت عائشة رضي الله عنها تقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه». وهذا الحديث مر معنا بالأمس، وكذلك مر الكلام عليه. قال: باب يؤدي إلى أقربهم بابًا. قال: حدثنا حجاج بن هلال، قال: حدثنا شعبة. ومن حجاج، قال: أخبرني أبو عمران، قال: سمعت طلحة عن عائشة، قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما من بابك». قال: حدثنا محمد بن بشار الملقب بمُندَر، يعني كثير العلم، قال: حدثنا محمد بن جعفر الملقب بغُنْدَر، يعني مُشاغِب، قال: حدثنا شعبة، عن أبي عمران الجوني، عن طلحة بن عبيد الله، رجل من بني تيم بن مرة، عن عائشة رضي الله عنها، قالت: قلت: يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: «إلى أقربهما من بابك». والحديث صحيح، وهو في صحيح البخاري. وفيه أن الإنسان إذا أراد أن يهدي لجيرانه، وعنده أكثر من جار، فإنه يبدأ بأقربهم بابًا. يبدأ بالأقرب منه بابًا. وإن تساووا، كان مثلًا كلا الجارين بابه قريب، فإنه إما أن يعطي كلا الجارين مباشرة، أو يقرع بينهما فيقدم أحدهما ثم الآخر بعده. قال: باب الأدنى فالأدنى من الجيران. قال: حدثنا الحسين بن حريث، قال: حدثنا الفضل بن موسى، عن الوليد بن دينار: أنه سئل عن الجار، قال: «أربعين دارًا أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره». وهذا الأثر حسن، قد حسنه العلامة الألباني رحمه الله. وفيه أن الحسن البصري رحمه الله سئل عن الجار، فحده بأربعين دارًا: أربعين دارًا أمامه، وأربعين خلفه، وأربعين عن يمينه، وأربعين عن يساره. وقد روي نحوه مرفوعًا عند الطبراني من حديث كعب بن مالك، وهو لا يصح، ضعيف. وروي عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال: «من سمع النداء فهو جار». ومن صلى معك الصبح فهو جار. وروي عن عائشة أن حد الجار بأربعين دارًا. لكن لم يثبت في ذلك حديث مرفوع. وإذا كان لم يثبت فيه شيء، فإنه يرجع فيه إلى العرف، فما تعرف عليه الناس أن هذه البيوت هي حد الجوار فيكون كذلك. قالوا: حدثنا بشر بن محمد، قال: أخبرنا عبد الله، قال: أخبرنا عكرمة بن عمار، قال: حدثنا علقمة بن بجالة بن زيد، قال: سمعت أبا هريرة قال: «ولا يبدأ بجاره الأقصى قبل الأدنى، ولكن يبدأ بالأدنى قبل الأقصى». ضعيف. وهذا الحديث ضعيف، وعلقمة هذا مجهول لا يعرف. وإن كان معناه صحيح: أنه يبدأ بالجار الأدنى، يعني الأقرب، من الجار الأبعد، كما في حديث عائشة: «يا رسول الله، إن لي جارين، فإلى أيهما أهدي؟ قال: إلى أقربهما من بابك». فيبدأ بالجار الأقرب ثم بالذي بعده.