الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 8، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
شرح مقولة الجنيد بن محمد عن الصادق والمراء، حيث يتقلب الصادق أربعين مرة اتباعا للحق. أوضح الإمام النووي معنى ذلك بأن الصادق يتحرك وفق ما يقتضيه الشرع.
ينصح بالتنوع في الطاعات وإعطاء كل ذي حق حقه، مثلما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم. هذا التنوع يشمل جميع الواجبات والمستحبات في العبادة.
ينبغي تقديم الأفضل في العبادة بحسب الوقت والحال، فقد يكون الشيء المفضول أفضل في وقت معين. ضرب مثالا بصلاة النافلة التي قد تكون وزرا في وقت النهي.
لا يجوز صيام يوم عيد الفطر، كما أن صيام أيام التشريق بعد عيد الأضحى غير جائز أيضا. هناك استثناءات محتملة إذا دخلت أيام التشريق في العيد.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قال الإمام النووي رحمه الله تعالى في كلامه على الصدق: قال وعن أبي القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله، قال الجنيد بن محمد -والجنيد هذا من علماء الصوفية القدماء- وهو أبو القاسم، قال الجنيد بن محمد النهاوندي -على أصله من نهاوند- وهو مولده في خراسان، لكنه سكن بغداد، ولازم بعض أهل التصوف، وهو السري السقطي. وهؤلاء والحارث المحاسبي وهؤلاء لا بأس بهم ناحية الزهد، وكذا ما عندهم من شركيات، لكن عندهم بعض الشطحات الخطأ. وأما الجنيد بن محمد، فمن أحسن أهل التصوف، وهو أيضا فقيه تفقّه على خالد بن يثور صاحب الشافعي، وكذلك أيضا سمع الحديث من الحسن بن عرفة وغيره، وقد أكثر من السماع وهو صغير، ثم بعد ذلك لم يهتم بالحديث، واهتم أكثر بالفقه وكذلك التصوف. فقال أبو القاسم الجنيد بن محمد رحمه الله: الصادق يتقلب اليوم أربعين مرة، والمراء يثبت على حالة واحدة أربعين سنة. والجنيد رحمه الله كلماته لا بأس بها، ليس فيها كثرة الشطحات كما في بعض ممن ذكرهم الإمام النووي رحمه الله، بل كان أكثر كلامه يرد إلى أن التصوف على السنة، حتى كان يقول: الطريق إلى الله مسدود على خلقه إلا على المقتفين بأثار رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال: إن هذا العلم الذي نحن فيه إنما بإشارة الكتاب والسنة. وعنه يقول: إنه تابع الكتاب والسنة، فأي شيء يخالف الكتاب والسنة فليس من علم التصوف. قال: الصادق يتقلب اليوم أربعين مرة، والمراء يثبت على حاله أربعين سنة. قال الإمام النووي: قلت معناها أن الصادق يدور مع الحق حيث دار، فإذا كان الفضل الشرعي في الصلاة مثلا صلى، وإذا كان في مجالسة العلماء والصالحين والضيفان والأيتام وقضاء حاجة مسلم وجبر قلب مكسور ونحو ذلك فعل ذلك. الأفضل أن لا يلزم عادة معينة فيترك ما هو واجب، ويستمر في هذا يعني يلزم عبادة واحدة، مثل من يصوم الدهر ولا يجالس أهل العلم، ولا يهتم بأولاده ولا يهتم بزوجته ولا يعولهم، فإن هذا وإن كان على عبادة لكنه يضيع ما هو أولى في ذلك الوقت، فالصيام نفل فيضيع على نفسه واجبات بسبب هذا الصيام. فلهذا يقول: إن الصادق يتقلب اليوم أربعين مرة، يتقلب في الطاعات لا يلزم طاعة واحدة هكذا فسره الإمام النووي. قال: ونحو ذلك فعل الأفضل وترك عادته. وكذلك الصوم والقراءة والذكر والأكل والشرب والجد والمزاح والاختلاط والاعتزال والتنعم والابتدال، معنى أنه يفعل هذه الأشياء ولا يكون على حالة واحدة، لا يكون على حالة واحدة فقط، بل يتقلب أحيانا يصوم، أحيانا قراءة يقرأ، أحيانا وقت أكل وشرب، أحيانا وقت جد، أحيانا وقت مزاح، أحيانا يخالط الأولاد والأهل، أحيانا يعتزلهم، وهكذا بحسب الوقت. وأيضا كذلك كل شيء يعطيه وقته، وكما ﴿قال النبي صلى الله عليه وسلم: إن لعينك عليك حقا، وإن لربك عليك حقا، وإن لزوجك عليك حقا﴾، فأعط كل ذي حق حقه. فهذا المؤمن يفعل هذه الأشياء ويتقلب فيها، لا يبقى على حالة واحدة، يقرأ مثلا ويترك الطعام والشراب أو يترك مخالطة أولاده وممازحتهم، وكذا وغيرها من هذه الأشياء التي لا بد منها. قال: والتنعم والابتدال ونحوهما، فحيث رأى الفضيلة الشرعية في شيء من هذا فعله، ولا يرتبط بعادة ولا بعبادة مخصوصة كما يفعله المرائي. هذا هو فعل المؤمن، أنه يتقلب في الطاعة لا يجلس على طاعة واحدة، لا ينتقل إلى غيرها. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتنوع في طاعاته وعباداته، حتى في الطاعة الواحدة. فتجد مثلا في الوتر يوتر أحيانا بخمس، أحيانا بسبع، كذلك الصيام أحيانا يصوم من الشهر حتى يقال: إنه لا يفطر، ويفطر من الشهر حتى يقال: إنه لا يصوم. وكان يقوم نصف الليل، ويقوم ثلثه الأول، ويقوم ثلثه الآخر. كما جاء عن عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يوتر من أول الليل، ومن وسطه، ومن آخره». فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة. وكذلك أيضا في طعامه، في شرابه، ومحادثة ضيوفه عليه الصلاة والسلام، وغيرها مما يكون عليه صلى الله عليه وسلم، ولا يلزم طريقة واحدة فقط، بل تجد أنه في كل العبادات. وهذا هو الذي ينبغي، ولا ينبغي أن يلزم اللسان عبادة واحدة، ويترك بعض العبادات التي قد تكون واجبة عليه. فلهذا فسره الإمام النووي بهذا. وقد كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحوال في صلاته وصيامه وأوراده وأكله وشربه ولبسه وركوبه ومعاشرة أهله، وجدّه ومزاحه وسروره وغضبه، وإغلاظه في إنكار المنكر ورفقه فيه، تارة يرفق وتارة إذا احتاج إلى الغلظة أغلظ، كما قال: «جعلت للناس نجدا»، وقال: «إن منكم لمنفرين»، وغيرها. قال: وعقوبته مستحقي التعزير، وصفحه عن غيرهم، وغير ذلك بحسب الإمكان والأفضل في ذلك الوقت والحال. فهذه قاعدة أن الإنسان يبني عمله عليها، وأن ينتقل من المفضول إلى الأفضل، لا يبقى على المفضول. قد يكون شيء هو أفضل من غيره، لكن في وقت من الأوقات يكون مفضولا على غيره. قد يكون مثلا الصلاة أفضل من أشياء كثيرة من الطاعات، بل هي أفضل شيء موضوع كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن في بعض الأوقات ما تكون الصلاة خيرا، قد أيضا تكون وزرا على صاحبه إذا صلاها في وقت النهي. كذلك أيضا لا تشغلوا هذه الصلاة عن واجبات، إذا كانت نفلا. ولهذا ذكر النبي صلى الله عليه وسلم قصة جريج العابد، وكيف أنه عصى أمه لأجل الصلاة، فاستجاب الله عز وجل لدعائها، فابتلاه الله بتلك البلوى التي جاءت في الحديث. فلهذا لا يقدم الإنسان شيء على شيء، بل قد يكون المفضول في بعض الأوقات أفضل من الفاضل. فكما قال الحافظ ابن حجر: وقد يعرض للمفضول ما يكون فائقا، معنى للمفضول الذي هو ليس بفائق ليس بأفضل، لكن قد يعرض أحيانا في بعض الأوقات أن يكون أفضل في ذلك الوقت مما هو أفضل منه. وهذا كلام المؤلف رحمه الله كذلك بحسب الإمكان والأفضل في ذلك الوقت والحالة. قالوا: لا شك في اختلاف أحوال الشيء في الأفضلية، فإن الصوم حرام يوم العيد، واجب قبله، مسنون بعده. يوم عيد فطر -يقصد بذلك عيد الفطر- لأنه إذا كان عيد الأضحى فما بعده أيضا لا يجوز صيامه لأنه أيام التشريق، إلا إن كان أدخل أيام التشريق في العيد. وقوله: واجب قبله -أي أراد رمضان- واجب، وبعد العيد مسنون -أي بعد يوم العيد- ويوم العيد حرام.