الدرس في التعليق على مقدمة المجموع 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
الصدق يعني استواء الباطن والظاهر وهو ضد النفاق، ومر التصوف بمراحل مختلفة بدءًا من الزهد والورع وانتهاءً بالتعمق في رياضة النفس. التصوف تطور عبر مراحل متعددة.
انتقد العلماء الصوفية لابتعادهم عن العلم والتعمق في مفاهيم قد تؤدي إلى الكفر مثل الفناء والتفرد، وتطويرهم ألفاظًا ومفاهيم جديدة أدت إلى انحرافهم عن السنة. هذه الانتقادات تشير إلى مخاطر الغلو في التصوف.
أدى غلو بعض أهل التصوف وتأثير الباطنية عليهم إلى فتنة كبيرة بين الحنابلة والأشاعرة في بغداد، مما أدى إلى انتشار مذهب الأشاعرة. تفسير أبي عبد الرحمن السلمي كان له دور في هذا السياق.
دعم علماء كبار مثل شيخ الإسلام ابن تيمية الإسلام وبينوا فساد مذهب الأشاعرة وتناقضهم. هناك نية لاستكمال هذا الموضوع في درس لاحق مع دعوة للمشاهدين للاشتراك في القناة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، بعد. قال الإمام النووي رحمه الله في كلامه على الصدق: قال القشيري «الصدق عماد الأمر، وبه تمامه». والصدق هو ضد النفاق، والصدق ضد النفاق أنه يكون صادقًا، بمعنى أن يكون باطنه وظاهره واحدًا، باطنه وظاهره واحد. وهذا كلما كمل الإنسان في هذا العمر، كلما كان أكثر في الصدق، كما ذكرنا قبل ذلك. قال المؤلف رحمه الله: قال القشيري «الصدق عماد الأمر، وبه تمامه، وفيه نظامه، وأقله استواء السر والعلانية». يعني يقول: أقله استواء السر والعلانية. وهذا أحيانًا يكون من الغلو أن يكون من غلو رياضة النفس. والقشيري هذا صاحب كتاب الرسالة، رسالة القشيري، وهي رسالة ذكر فيها ألفاظ الصوفية وبعض أحوالهم، وهي في المرحلة الثانية من مراحل التصوف. إن التصوف مر بمراحل، كان قديمًا الذين ينسبون إلى التصوف هم أهل زهد وورع، لكن تعمق بعضهم في بعض أمور النفس، تركوا الدنيا، وغالب هدفهم عصيان النفس، معنى ذلك أن هدف هؤلاء أهل الزهد هو مخالفة النفس. إذا خالف العبد نفسه فيما أرادت، فهذا هو الزهد؛ لأن النفس تحتاج أو تريد معنى الدنيا، تريد الشهوات، تريد الملذات، وهؤلاء خالفوا أنفسهم حتى غلوا في بعض الأشياء. منهم من غلا في بعض الأشياء، وكان قديمًا كمعروف الكرخي، بشر الحافي، وكذلك سهل بن عبد الله وغيرهم، كانوا على طريقة صحيحة، وإن كان بعض الأشياء تأخذ على بعضهم، لكن غالب سلوكهم صحيح. ثم جاء أناس من بعدهم تعمقوا في هذا الباب، كما ذكر ذلك الإمام ابن الجوزي رحمه الله في «التلبيس»، ليس ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله على أنه جاء بعدهم أناس تعمقوا في معنى تدنيس النفس، ويسمونه رياضة النفس، معنى تعويدهم على الجوع، تعويدهم على ترك المألوفات، فسموا هذا رياضة، لكنهم غلوا في ذلك بعض الشيء، حتى أنهم حصلت لهم حالات غير صحيحة. وهذا على حال الحارث المحاسبي، وسري السقطي، وأيضًا تلميذه الجنيد، وغيرهم من هؤلاء، كانوا على طريقة مستقيمة، كان طريقتهم مستقيمة، لكن حصلت لهم بعض الأشياء، غلوا في الكلام في الوساوس في النفس. ولهذا لما سئل أبو زرعة الرازي رحمه الله عن المحاسبي وغيره، قال: «رأيتم مالكًا، والشافعي، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وغيرهم يتكلمون في مثل هذه الوساوس؟ فهؤلاء قالوا: إنما هذا وعظ للناس». فقال: «من لم يكفيه وعظ الكتاب والسنة، فلا وعظه الله». يعني إذا كان ما يكفيهم وعظ الكتاب والسنة، لا وعظهم الله. فلهذا أنكر العلماء هذه الطريقة من هؤلاء، وإن كان بعضهم يثنون عليهم من ناحية أنهم جاهدوا، وأنهم تركوا الدنيا، وكذا، لكن في طريقتهم شيء غير صحيح. ولهذا كان الإمام أحمد يحذر من الحارث المحاسبي، يحذر من الحارث المحاسبي لطريقته هذه، وإن كانوا أهل زهد. لما سمع الإمام أحمد بعض كلامه، بكى رحمه الله، لما سمع شيء من كلامه. لكن العلماء ما نظروا إلى هذه الأمور، نظروا إلى السلوك الذي سلكوه غير صحيح، حتى أنهم يهونون من البدع وغيرها، فما همهم فقط إلا رياضة النفس. فلهذا أوردهم ذلك إلى بعض الإشكالات، كان بعضهم يجالس المحاسبي ويرجع إلى قول الجهمية؛ لأنه لا يتعلم السنة، يتعلم فقط رياضة النفس، كم للنفس من أدواق وكذا. فتجد أنه يبتعد عن العلم، يبتعد عن العلم. ثم إنه خلف بعد ذلك خلف، بعد الجنيد وغيرهم، جاء ناس تحصل لهم حالات، شطحات ذهنية، بل بعضهم يذهب ويهيم على وجهه، يهيم في الصحاري، في الكهوف، في كذا. فاصطنعوا أشياء، كلمات جاءوا بها، وجدت في كلام السابقين، لكنها بقليل، لكن هؤلاء طوروها: الوجد، والفناء، والتفرد، والتجمع، والصحو، والسكر، وغيرها، وغيرها من هذه الألفاظ التي تداولوها. والقشيري ألف الرسالة لأجل أن يحفظ هذه الألفاظ، ويعطي تعريفًا للصوفية لها. فكتاب الرسالة للقشيري هذا كتاب من كتب الصوفية التي تعمقت في مثل هذه الكلمات، وفيها أشياء بعضها كفر، مما يؤدي إلى الكفر، كالفناء وغيره. وهذا القشيري هو عبد الكريم من هوازن، عبد الكريم من هوازن القشيري، وكان أشعريًا، كان على مذهب الأشعري، وكان في ذلك الوقت الفتنة قائمة بين الحنابلة والأشاعرة، الفتنة على أشدها. وكان القشيري العبد أكثر تخصصه في مثل هذه الأشياء، وألف للصوفية كذلك التفسير. وأول من أدخل هذه الأمور في الكتب هو أبو عبد الرحمن السلمي، محمد بن حسين السلمي. فيه هناك أبو عبد الرحمن السلمي قديم، وهو عبد الله بن حبيب الذي أخذ عن عثمان بن عفان، وعليم بن مسعود، وغالب القراءة ترجع إليه، فهذا من التابعين. لكن هذا من المتأخرين، في وقت الحاكم وغيره، أخذ عن الحاكم، وعند الدارقطني، وكان محدثًا، لكنه كان يكذب، يعني ابتلي بالكذب لأجل التصوف وغيره. وألف للصوفية كتبًا: كتاب السنن، وكتاب التفسير. فقال الإمام الذهبي: «إن كان هذا تفسيرًا»، أو لما ذكره الإمام الواحدي، قال لما ذكر تفسير أبي الحسين، أو هذا أبو عبد الرحمن السلمي، قال: «واغوثاه، واغوثاه من هذا التفسير، إن هذا ليس تفسيرًا». فقال الإمام الذهبي: «إن كان هذا السلمي يعتقد أن هذا تفسيرًا للقرآن، فهو كافر»، كان يعتقد أن هذا تفسيرًا فهو كافر؛ لأنه فسره على طريقة الباطنية. فظن أن هذا هو التصوف، وكان فيهم زهد في تلك الفترة، كان فيهم زهد، لكن غلوا في هذه الألفاظ حتى أخرجتهم أحيانًا عن طريقة أهل الإسلام، وبسبب أنه دخل فيهم الباطنية. ولهذا كان الباطنية يحضرون فلاسفة، يحضرون عند أهل التصوف، كان الفلاسفة يحضرون عند الجنيد، يأخذون منه بعض الإشارات، وكذا. فلهذا قام هذا عبد الكريم، وأنف هذا. ثم جاء ابنه، ولعلكم تسمعون بفتنة القشيري، فتنة القشيري هذه حصلت لابن هذا عبد الكريم بن هوازن القشيري، ابنه اسمه عبد الرحيم، له سبعة أبناء، منهم عبد الكريم، منهم عبد الرحيم، وهو أبو نصر القشيري، جاء إلى بغداد، وجاء به نظام الملك لأجل أن يدرس في المدرسة النظامية، فدرس فيها، ودرس في المسجد الجامع، جامع بغداد. وكان يسب الحنابلة، يسب سبًا صريحًا، ويتكلم عليهم. فلهذا قامت فتنة كبيرة، وكان من أصحاب الحنابلة رجل، قال له الشريف أبو جعفر الشريف، وكان مقدما عند الخليفة العباسي، وكان مقدما عنده بحكم أنه ابن عمه، وكان حنبليًا. فصارت فتنة كبيرة بين الحنابلة والأشاعرة، وبسببها أو سببها هو هذا عبد الرحيم القشيري، وحصلت فتنة عظيمة. ثم إن نظام الملك احتجز هذا عبد الرحيم القشيري، وحبسه، وأطفأ بعد ذلك الفتنة التي حصلت. ومن ذلك الوقت، بعدما مسك الخلافة بغداد، رفع الأشاعرة، وأعطاهم القيادة، والتربية، والتعليم، وكذا، حتى انتشر بعد ذلك مذهب الأشاعرة انتشارًا عظيمًا من ذلك الوقت، وخمد الحنابلة في ذلك الوقت. والمهم أن الله عز وجل له الحكمة البالغة سبحانه وتعالى، فرفع مذهب الأشاعرة في فترة من فترات، قد يكون لأجل حكمة يراها ربنا سبحانه وتعالى. ثم إن هذا المذهب انطوى، ليس أنه ذهب، لكن كسر هذا المذهب، وصار مذهبًا من مذاهب أهل الضلال. وقد كان الناس يرون أن هذا المذهب هو مذهب أهل السنة، بعضهم يقول إن الأشاعرة هم أهل السنة، لكن كسر الله عز وجل هذا المذهب، وأبعده عن السنة. وكذلك جاء من نصر الإسلام كشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، أبان فساد وحور الأشاعرة، وما هم عليه من التناقض في مذاهبهم. وإن شاء الله نكمل في درس لاحق، نكتب بهذا. والله تعالى أعلم. اشتركوا في القناة.