التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 8

الدرس في التعليق على تفسير سورة الفاتحة للإمام محمد بن عبدالوهاب 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح الهداية إلى الصراط المستقيم

يفسر الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله قول الله تعالى 'اهدنا الصراط المستقيم' بأنها طلب الهداية من الله، وهي أعظم مطلب للعبد. يوضح أن الهداية نوعان: هداية دلالة وإرشاد، وهداية توفيق وإلهام.

تفصيل معنى الصراط المستقيم وهداية الله تعالى

الصراط المستقيم يُفسر بالإسلام ودين الحق، ويشمل الهداية إلى العلم النافع والعمل الصالح. يتمثل ذلك في التمسك بالإسلام والقرآن والسنة، وهو طريق الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

تحذير من مخالفة الهداية للأهواء الشخصية

يحذر من رد الحق والهدى بسبب مخالفته للأهواء، ويشير إلى ضرورة الإيمان والتسليم ظاهرًا وباطنًا. يُوضح أن بعض الناس يكذبون الحق أو يقتلون أنبياءهم إذا جاء بما لا يوافق أهواءهم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله في رسالته تفسير سورة الفاتحة: قال «وأما قوله اهدنا الصراط المستقيم، قال: فهذا هو الدعاء الصريح الذي هو حظ العبد من الله، وهو تضرع إليه والإلحاح عليه أن يرزقه هذا المطلب العظيم الذي لم يعط أحد في الدنيا والآخرة أفضل منه، كما من الله على رسوله بعد الفتح بقوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾، فأعظم مطلب يؤتاه العبد هو الهداية، أن يهديه الله جل وعلا إلى الصراط المستقيم الذي به ينجو من الضلال ومن الغواية ومن الزيغ والانحراف في الدنيا، وكذلك ينجو في الآخرة من العذاب والهلاك، فهذا الدعاء هو أعظم مطلب يطلبه العبد من الله جل وعلا. امتن الله عز وجل على رسوله عليه الصلاة والسلام بعد الفتح بالهداية بقوله: ﴿ويهديك صراطا مستقيما﴾، قال الله جل وعلا: ﴿إن فتحنا لك فتحا مبينا * ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ويتم نعمته عليك ويهديك صراطا مستقيما﴾، فهذه من نعمة عظيمة ونعمة كبيرة أن يوفق العبد للهداية إلى الصراط المستقيم. قال: والهداية ها هنا التوفيق والإرشاد، الهداية هدايتان: هداية الدلالة والإرشاد، وهذه هداية عامة، وهداية التوفيق والإلهام، وهذه هداية خاصة، فهداية الدلالة والإرشاد عامة تكون من الله جل وعلا، ومن أنبيائه ورسله، ومن عباده الصالحين، وهي المراد في قول الله جل وعلا لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم﴾، أي تدل وترشد، وهكذا أيضا في قوله سبحانه وتعالى: ﴿ولكل قوم هاد﴾، أي دليل ومرشد يدل الناس ويهديهم إلى الحق والصواب. وأما هداية التوفيق والإلهام فهذه هداية خاصة لا يملكها إلا الله سبحانه وتعالى، وهي المراد في قول الله عز وجل لنبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿إنك لا تهدي من أحببت﴾، أي لا توفق للهداية من أردت له ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء، هداية التوفيق هذه بيد الله سبحانه وتعالى، هو الذي يوفق العبد للهداية وسلوك الصراط المستقيم الذي يوصله إلى جنات النعيم، ﴿من يضلل الله فلا هادي له﴾، أي لا يوفق للهداية إذا لم يرد الله سبحانه وتعالى له الهداية والتوفيق. فقولك اهدنا الصراط المستقيم، فأنت تسأل الله عز وجل كلا الهدايتين، اهدنا دلنا وارشدنا ووفقنا إلى الصراط المستقيم، قال: والهداية ها هنا التوفيق والإرشاد، فليتأمل العبد ضرورته إلى هذه المسألة، فإن الهداية إلى ذلك تضمن العلم النافع والعمل الصالح على وجه الاستقامة والكمال والثبات على ذلك إلى أن يلقى الله، فأنت تسأل الله عز وجل الهداية إلى العلم النافع الذي يرتفع به الجهل، فتعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، وبه توفق إلى العمل الصالح، فإن كمال الهداية بكمال العلم، وكلما كمل علم العبد كلما كملت هدايته، وكذلك أيضا كان عمله أوفق وأصوب. فهذه الهداية تضمن الهداية إلى العلم النافع، وكذلك أيضا الهداية إلى العمل الصالح، وكما ذكر علامة السعدي رحمه الله أن الهداية إلى الصراط المستقيم هداية إلى الصراط وهداية في الصراط، هداية إلى الصراط وهو الهداية إلى دين الإسلام، أن يوفقك الله جل وعلا إلى هذا الدين العظيم الذي لا يقبل الله جل وعلا دينا سواه، وترك ما سواه من الأديان، هذه هداية إلى الصراط، وهداية في الصراط أن يوفقك الله عز وجل إلى تعلم أحكام هذا الدين والعمل بذلك، وبهذا تكمل الهداية للعبد. قال: والصراط الطريق الواضح، الطريق الواضح الذي ليس فيه شيء من الإشكال أو من الظلمة التي تعمي على الإنسان سلوك الصراط، قال: والمستقيم الذي لا عوج فيه، والمراد بذلك الدين الذي أنزله الله على رسوله صلى الله عليه وسلم، يعني الإسلام، ففسر الصراط المستقيم بالإسلام، وهذا أحد تفاسير الآية، وفسرت الآية بتفاسير أخرى، فمن أهل العلم من قال الصراط المراد به القرآن، ومنهم من قال الصراط المستقيم السنة والجماعة، ومنهم من قال طاعة الله ورسوله، وكلها أقوال متقاربة وهو من اختلاف التنوع في التفسير، وكلها عبارة عن صفات شيء واحد، فكل هذه التفاسير هي من معاني هذا الصراط المستقيم، فسلوك الصراط المستقيم يكون بلزوم دين الإسلام، وبالتمسك بالقرآن، وبالتمسك بالكتاب والسنة، وكل ذلك من الصراط المستقيم. قال: وهو الصراط، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم، وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ويدل على هذا التفسير قول الله جل وعلا: ﴿أولئك الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾، في سورة النساء، قال الله جل وعلا: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا﴾، فأنت تدعو الله عز وجل أن يهديك إلى الصراط المستقيم الذي قد هدى الله عز وجل إليه من أنعم عليهم، وبينهم الله عز وجل في هذه الآية من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، قال: وهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه. وأنت دائما في كل ركعة تسأل الله أن يهديك إلى طريقهم، وعليك من الفرائض أن تصدق الله أنه هو المستقيم، وكلما خالفه من طريق أو علم أو عبادة فليس بمستقيم بل معوج، يعني يقول: من دلائل الهداية إلى الصراط المستقيم أن تلتزم فرائض الله سبحانه وتعالى، فتحافظ على الواجبات والفرائض وتجتنب المعاصي والمحرمات، وأن تعبد الله عز وجل على علم وبصيرة، وتقوم بعبادة الله وبطاعة الله سبحانه وتعالى، فإن خالفت شيئا من ذلك مما أمرك الله عز وجل به ورسوله، فأنت بهذا تنحرف عن الصراط المستقيم وتزيغ عن هذا الصراط القويم، فيكون حينئذ صراطك معوج ليس بمستقيم. قال: وهذه أول الواجبات من هذه الآية، لأن الهداية إلى الصراط المستقيم تستلزم لزوم جميع الطاعات والأوامر والمحافظة عليها، قال: واعتقاد ذلك بالقلب، اعتقاد ذلك بالقلب بما أوجب الله سبحانه وتعالى عليك من الواجبات، فلابد من اعتقاد القلب بالفرائض والواجبات، قال: وليحذر المؤمن من خدع الشيطان، وهو اعتقاد ذلك مجملا وتركه مفصلا، يعني يقول: أنا أؤمن بالله جل وعلا وأنا مسلم، يعني على جهة الإجمال، لكن في التفصيل أو في العمل تجده مخالف لذلك غاية المخالفة. قال: فإن أكثر الناس من المرتدين يعتقدون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم على الحق، وأن ما خالفه باطل، يعني هذا إجمالا، ويريد بذلك من كانوا في زمنه رحمه الله، ومن كان على شاكلتهم ممن يلتزمون دين الإسلام مجملا، ثم يخالفون الإسلام عملا وتطبيقا، فتجد عندهم أنواع من الشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى، من دعاء لغير الله واستغاثة وذبح ونذر واعتقاد النفع والضر وغير ذلك مما يقدح في اعتقاد العبد، قال: فإذا جاء بما لا تهوى أنفسهم، فكما قال تعالى: ﴿فريقا كذبوا وفريقا يقتلون﴾، يعني إذا جاء الحق والهدى مما يخالف أهواءهم كذبوا به وردوه ولم يقبلوه، هذا حال أمثال هؤلاء، فهو يقول: احذر أن تكون كمثل هؤلاء، بل كن مؤمنا مسلما ظاهرا وباطنا، مجملا ومفصلا. قال: وأما قوله غير المغضوب عليهم ولا الضالين، طيب، هذا إن شاء الله نتركه في الدرس القادم بإذن الله. إلى هنا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.