شرح الشمائل المحمدية 58

الدرس في شرح الشمائل المحمدية 58، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري

شرح حديث أنس في مزاح النبي ﷺ مع أبي عمير

يستعرض المقطع حديث أنس بن مالك عن مزاح النبي ﷺ مع الغلام أبي عمير بقوله: «يا أبا عمير ما فعل النغير»، مستنبطاً فوائد فقهية وتربوية عديدة منها استحباب نضح ما لم تتيقن طهارته، وجواز الكنية والتصغير، والسجع غير المتكلف، وإكرام أقارب الخادم. ويختتم المقطع بقصة طريفة عن صالح جزرة والشيخ محمش الذي أخطأ في قراءة «النغير» فقال «البعير».

أحكام المزاح النبوي والجمع بين الأحاديث الواردة فيه

يبين المقطع أن مزاح النبي ﷺ كان حقاً ولطافة لا كذباً، ويجمع بين أحاديث النهي عن المزاح والإفراط فيه وبين مزاح النبي ﷺ بأن المنهي عنه هو الإفراط والمداومة المؤدية إلى قسوة القلوب وسقوط المهابة. أما المزاح المشروع فهو ما كان باعتدال لتطييب النفوس وإدخال السرور كما فعل النبي مع أبي عمير والرجل المستحمل على ولد الناقة.

مزاح النبي ﷺ مع زاهر بن حرام والعجوز

يروي المقطع حديثين من مزاح النبي ﷺ؛ الأول مع الصحابي زاهر بن حرام حيث احتضنه من خلفه وقال: «من يشتري العبد؟» فرد زاهر بأنه كاسد، فأجابه النبي: «لكن أنت عند الله لست بكاسد». والثاني مع عجوز سألته الدعاء بدخول الجنة، فقال لها: «إن الجنة لا تدخلها عجوز»، ثم بين لها أنها تدخلها شابة كما وصف الله نساء الجنة في سورة الواقعة.

دعاء ختام المجلس (كفارة المجلس)

يختتم المتحدث الجلسة بالدعاء المأثور المعروف بكفارة المجلس، متضرعاً إلى الله بالتسبيح والحمد والشهادة بالتوحيد والاستغفار والتوبة. يعبر هذا الدعاء عن ختام المجلس بطلب المغفرة والقبول من الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهداه. أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا في باب ما جاء في صفة مزاح رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشمائل. حديث أنس بن مالك أنه قال: «إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ليخالطنا حتى يقول لأخ لنا صغير: يا أبا عمير، ما فعل النغير». وذكرنا فوائد هذا الحديث التي ذكرها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن ابن القاص، وزاد عليها ما ذكره ابن بطال رحمه الله تعالى من فوائد هذا الحديث أيضًا: استحباب النضح فيما لم تتيقن طهارته؛ لأن أهل البيت نضحوا الحصير الذي أرادوا أن يصلي عليه النبي صلى الله عليه وسلم. فإذا لم تتيقن طهارته استحبوا نضحه، أو قد يكون للتنظيف. وفيه: أن أسماء الأعلام لا يقصد معانيها، وأن إطلاقها على المسمى لا يستلزم الكذب؛ لأنه قال لهذا الغلام الصغير: يا أبا عمير، فكناه النبي عليه الصلاة والسلام. ولعله يكون اسمًا له. قال: وفيه جواز السجع في الكلام إذا لم يكن متكلفًا، وأن ذلك لا يمتنع من النبي صلى الله عليه وسلم كما امتنع منه الشعر؛ لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ ﴾ [يس: 69]. وهذه الكلمة خرجت موزونة من باب السجع: «يا أبا عمير ما فعل النغير»، فهذا ليس فيه شيء يمتنع منه. وكما سيأتي في الباب الذي بعد هذا ما تمثل به النبي صلى الله عليه وسلم من الأشعار، أو قالها موزونة وليست بشعر. قال: وفيه تحفة الزائر بصنيع ما يعرف أنه يعجبه من مأكول وغيره. يعني: إذا كان هناك عندك ضيف، لا بأس أن تسأله وتقول له: ماذا تحب؟ ماذا أصنع لك؟ ماذا آتي لك به؟ تسأله؛ لعله يكون يمتنع من بعض الأشياء. لأن الآن تعلمون انتشار كثير من الأمراض: بعضهم عنده سكري، وبعضهم عنده الضغط، وبعضهم عنده بعض الأمراض التي لا يستطيع أن يأكل معها بعض المأكولات. لهذا لا بأس أن تسأله، تتحفه بأن تسأله، تقول له: أتحب كذا؟ آتي لك بكذا؟ هذا ليس فيه شيء. فإذا علمت مثلًا أن هذا الضيف يحب نوعًا معينًا من الطعام أو الشراب، تأتي له به، كما فعل هؤلاء مع النبي عليه الصلاة والسلام. ويعلمون النبي عليه الصلاة والسلام يحب كذا، فيأتون له بما يحب من مأكول. وفيه جواز الرواية بالمعنى؛ لأن القصة واحدة وجاءت بألفاظ مختلفة. هذه لو تتبعت القصة، قصة أبي عمير فيها ألفاظ مختلفة، وبعضهم رواها بالمعنى، فلا بأس من الرواية بالمعنى؛ لأن القصة واحدة. وفيه جواز الاقتصار على بعض الحديث؛ لأن بعضهم جاء بالقصة كاملة، فاقتصر على بعضها. وجواز الإتيان بها تارة مطولة وتارة ملخصة. كل هذا يؤخذ من الروايات، وهذه فوائد يقال لها: فوائد حديثية. وفيه مسح رأس الصغير للملاطفة؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام مسح على رأسه. وفيه دعاء الشخص بتصغير اسمه عند عدم الإيذاء. يعني: لك أن تدعو الشخص بتصغير اسمه، هذا إذا كانت هذه الكنية هي اسم لذلك الغلام؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا أبا عمير، وعمير تصغير. فأنت لك أن تدعو الشخص ولو كان اسمه مصغرًا، وهذا عند عدم الإيذاء؛ أي: إذا لم يتأذَ من ذلك الاسم المصغر. قال: وفيه إكرام أقارب الخادم وإظهار المحبة لهم. إكرام أقارب الخادم؛ لأن خادم النبي عليه الصلاة والسلام هو أنس بن مالك، وهذه من قبله. والنبي عليه الصلاة والسلام أكرمه وأكرم أهله بالزيارة لبيتهم، وتخفيف الحزن على الغلام، ومصافحة أنس، والجلوس في بيتهم، والأكل عندهم، والقيلولة عندهم، والصلاة في بيتهم. كل هذا فعله النبي عليه الصلاة والسلام في تلك الزيارة، في تلك الزيارة لبيت أنس بن مالك رضي الله عنه. فهذا مما يكون فيه إكرام وإتحاف من كان يخدمه؛ لأن أنسًا يخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فأتحفه النبي عليه الصلاة والسلام وأكرمه وأهله بالزيارة. وأنت إذا كان لك صديق لك حبيب تحبه وصديق، فلك أن تكرمه بالزيارة في بيته، أو هو كذلك يفعل. ويستحب أن تفعل كما فعل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وإلى هنا انتهت فوائد هذا الحديث. ثم ذكر الحافظ رحمه الله تعالى قصة فيها لطف، يعني قصة لطيفة، وذكرها عن ابن أبي حاتم. قال: أن صالح جزرة، وهو صالح بن محمد جزرة الملقب بجزرة، وهو محدث. لكن هذا صالح جزرة فيه دعابة، ويحب دائمًا أن يتحف المحدثين أصحابه بمثل تلك الدعابات. أرسل ابن أبي حاتم بما سمعه من بعض المحدثين أنه قال: قدم علينا شيخ في بغداد بعد موت الحافظ محمد بن يحيى الذهلي، وهو حافظ كبير من مشايخ البخاري. قال: فجلس يقرأ علينا، يقول: «لمن هذا؟» صالح جزرة كتب لابن أبي حاتم. معلوم الإمام ابن أبي حاتم، صاحب التفسير، صاحب الجرح والتعديل. قال: جلس إلينا شيخ جديد بعدما مات ذاك. مكانه شيخ جديد، هذا الشيخ يقال له محمش، لقبه اسمه محمش، وهو محمد بن يزيد النيسابوري. قال: فأملى علينا حديث أنس هذا الذي قرأناه، وهو في البخاري: «يا أبا عمير ما فعل النغير». قال: فقال: «يا أبا عمير ما فعل البعير»، يعني بفتح العين من عمير. فكتب إلى ابن أبي حاتم: قال جلس إلينا هذا الشيخ وأملأ علينا حديث أنس. صالح جزرة يعلم أن الحديث روايته: «يا أبا عمير ما فعل النغير»، النغير هو الطائر. فكتب هذا الشيخ الجديد، وما كانت عنده التشكيلات، وربما ما سمعه من بعض الشيوخ؛ لأنك أنت بالسماع تعرف اللفظة الصحيحة. فقام هذا الشيخ وجلس على الكرسي وقال لهم، وذكر الحديث عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «يا أبا عمير ما فعل البعير». وهذه لا شك أنها مضحكة من حيث اللفظة؛ بدل النغير قال: البعير. فهذا ما ذكره رحمه الله تعالى عن ذلك الحافظ الكبير، وهو صالح جزرة رحمه الله تعالى. قال الإمام الترمذي رحمه الله تعالى: وحدثنا عباس بن محمد الدوري، وعباس هذا له أسئلة لابن معين رحمه الله، وهو ثقة حافظ. قال: أنبأنا علي بن الحسن بن شقيق، وهو ثقة حافظ. قال: أنبأنا عبد الله بن المبارك، أبو عبد الرحمن عبد الله بن المبارك، عالم خراسان ومفتيها. قيل فيه: جمع خصال الخير، كان يجاهد عامًا ويحج عامًا؛ يعني يرابط في الثغور ويجاهد في سبيل الله سنة، والسنة الأخرى يجعلها للحج. وكان ينفق على طلبة العلم، ينفق على الفضيل بن عياض ومن هم على شاكلته من أئمة الحديث حفاظهم. فأوتي خيرًا كثيرًا هذا الرجل. ولكن مهما بلغ من الفضل والمنزلة، لا يسبق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصحبة؛ لأن شرف الصحبة لا يعادلها شيء ممن جاء بعدهم. قال: عن أسامة بن زيد، وهو الليث، صدوق يهم، عن سعيد المقبوري، وهو ثقة، عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال: «يا رسول الله، إنك تداعبنا». قال: «إني لا أقول إلا حقًا». يقول الحافظ رحمه الله تعالى في معنى الدعابة، وهي بضم الدال وتخفيف العين: دعابة. قال: هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره. يعني: الرسول عليه الصلاة والسلام يداعب أصحابه ويلاطفهم. قال: «إني لا أقول إلا حقًا». طيب، إذا كان الرسول صلى الله عليه وسلم يداعب الصحابة، جاء في بعض الروايات، في بعض الأحاديث، أنه نهى عن المزاح. قد ذكر هذا الحافظ رحمه الله تعالى، وهذا جاء من حديث ابن عباس، أخرجه الترمذي: «لا تمارِ أخاك ولا تمازِحْه». فهنا نهى عن المزاح، ثم هو يمازح عليه الصلاة والسلام ويداعب أصحابه. ولما يسألون، يقول لهم: «إني لا أقول إلا حقًا». فما الجمع بين الحديثين؟ يقول الحافظ رحمه الله تعالى: والجمع بينهما أن المنهى عنه ما فيه إفراط، ما كان فيه إفراط، أو فيه كذلك مداومة عليه. فهذا هو المنهى عنه: «لا تمارِ أخاك ولا تمازِحْه»، أي: لا تكثر المزاح مع أخيك وتجعله دائمًا، يعني عند لقائه وعند الجلوس معه دائمًا تمازحه. هذا منهى عنه، الإفراط. لكن يجعله في بعض الأحيان للإنبساط، لما فيه من الشغل عن ذكر الله والتفكر في مهمات الدين، ويقول: كثيرًا ما يؤدي إلى قسوة القلوب والإيذاء والحقد وسقوط المهابة والوقار. والذي يسلم من ذلك هو المباح. إن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب ومعانسته فهو مستحب. متى يصل المزاح إلى الاستحباب؟ هو الأصل فيه الإباحة. متى يقال أن هذا المزاح الذي مازحته لصديقك أو لأخيك هذا يصل إلى درجة الاستحباب؟ متى؟ قال: إذا كان فيه تطييب للنفس، تطييب للنفس، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام مع أبي عمير، لما كان حزينًا فجاء يطيب نفسه ويؤانسه كذلك ويطيب خاطره. فإذا كان فيه تطييب للنفس، وفيه رفع الحزن، وإظهار السرور، ومن هذه الأشياء الطيبة، فإن هذه مستحبة في الشرع. إظهار السرور وإدخاله على قلب المسلم، فإن هذا يصل إلى درجة الاستحباب. مزاح يصل إلى درجة الاستحباب، مع أنه قد يكون في بعض الأحيان ماذا؟ مكروهًا. قد يكون كذلك منهيًا عنه. متى؟ إذا وصل إلى الإيذاء، إذا وصل للإيذاء وإلى الإفراط فيه. فالمسلم ينبغي أن يكون وسطًا بين ذلك. قال: وحدثنا قتيبة بن سعيد، قال: حدثنا خارجة بن عبد الله، وهو الطحان، ثقة ثبت، عن حميد الطويل، وهو ثقة مدلس، عن أنس بن مالك: أن رجلًا استحمل رسول الله صلى الله عليه وسلم. استحمل، يعني: أراد من النبي عليه الصلاة والسلام أن يحمله على بعض الدواب كالإبل وغيرها. استحمله، طلب الحمل. فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «إني حاملك على ولد ناقة». فقال: يا رسول الله، ما أصنع بولد ناقة؟ ما أصنع بولد ناقة؟ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». وهل تلد الإبل إلا النوق؟ هكذا النوق هي الفاعل؛ لأن الناقة تلد الصغير والكبير. تلد الإبل هي النوق. الناقة تلد الصغير وتلد الكبير. النبي عليه الصلاة والسلام قال له: «إني حاملك على ولد ناقة». من هو ولد ناقة؟ هل يشترط أن يكون صغيرًا؟ قد يكون أيضًا ولد الناقة كبيرًا. أنا سأحملك على ولد ناقة، قد يكون بعيرًا كبيرًا كبيرًا. لكن ما تأمل كلام النبي عليه الصلاة والسلام. فالنبي عليه الصلاة والسلام من الأول أراد أن يمازحه، وقال له: «إني حاملك على ولد ناقة». قال: ما أصنع يا رسول الله بولد ناقة؟ فهو في ظنه أن هذا ولد ناقة الذي سيحمله عليه النبي عليه الصلاة والسلام صغير. قال: ما أصنع بولد ناقة؟ قال له النبي عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟» ولد ناقة قد يكون صغيرًا وقد يكون كبيرًا. يعني: لو تأملت كلامي، ما قلت: ما أصنع بولد الناقة. كما قال أهل العلم، فهذا فيه تنبيه أن الإنسان لا يستعجل في الرد. لا تستعجل في الرد حتى تتأمل الكلام وما يحمله ذلك الكلام من معاني. فبعض الناس عندما تكلمه يفاجئك مباشرة؛ لأنه ما يتدبر وما يتأمل، ما يهضم مباشرة يرد عليك: لا، لا تستعجل. عليك أن تتأنى وتفهم كلام المخاطب. فالنبي عليه الصلاة والسلام قال: «إني لا أقول إلا حقًا». داعبه وما مازحه بكلام حق، ولا مو بكلام حق، بكلام حق: «إني حاملك على ولد ناقة». ما قال له: إني سأحملك على بعير صغير. قال: «إني حاملك على ولد ناقة». وهذا كلام حق وصدق من النبي عليه الصلاة والسلام. لكن الرجل استعجل، فقال: وما أصنع بولد الناقة؟ فقال له النبي عليه الصلاة والسلام: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟» أنت لو تأملت في كلامي، لو وجدتني ماذا؟ صادقًا فيما أقول، وما عنيت إلا أني سأحملك على ولد الناقة، سواء كان هذا صغيرًا أو كبيرًا؛ لأن الكل يطلق عليه ولد الناقة. لأن من الذي يلد؟ الناقة تلد ماذا؟ تلد الإبل، والإبل مسمى للصغير والكبير. وقال رحمه الله: حدثنا إسحاق بن منصور، قال: حدثنا عبد الرزاق. وهؤلاء أيضًا ثقات حفاظ أثبات. قال: حدثنا معمر. عبد الرزاق بن همام الصنعاني، ومعمر بن راشد، أبو عروة، نزيل اليمن. قال: عن ثابت، وهو البناني، قال: عن أنس بن مالك، أن رجلًا من أهل البادية كان اسمه زاهر، يقال: هو زاهر بن حرام، وهو ممن شهد بدرًا. وكان يهدي للنبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية. طبعًا الأحاديث المتقدمة كلها صحيحة، صححها الألباني. من أراد أن يرجع إليها في مختصر الشمائل. قال: وكان يهدي إلى النبي صلى الله عليه وسلم هدية من البادية، فيجهزه النبي صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن زاهرًا باديتنا، ونحن حاضروه». وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه. معنى باديتنا: أي هو من أهل البادية، يعني يأتي لنا من البادية بأشياء، ونحن حاضروه، نحن أهل الحضر. نحن حاضروه. الذي يأتي من البادية يسمى بدوي، والذي يكون في الحضر يسمى حضري. فهذا يأتي بأشياء من البادية، وهذا بعد ذلك يعطيه أشياء من الحضر. قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحبه. وكان رجلًا دميمًا. ومعنى دميمًا، كما قال أهل العلم: أي قبيح المنظر. قال: فأتاه النبي صلى الله عليه وسلم يومًا وهو يبيع متاعه، واحتضنه من خلفه ولا يبصر. يعني: النبي عليه الصلاة والسلام جاء من خلف زاهر، واحتضن زاهر من الخلف، وأدخل يديه من تحت إبطيه. ثم ماذا فعل بعينه؟ كما يفعل الواحد عندما يلقى صاحبه ولا يريد أن يعرفه، يغمي عينه. فذاك يريد يعرف من الذي وراءه. والنبي عليه الصلاة والسلام فعل هذا على وجه ماذا؟ على وجه المزاح والمداعبة مع هذا الصحابي. قال: فقال: من هذا؟ أرسلني. أي: فكني. قال: فالتفت، يعني بعد ما التفت قليلا، قال: عرف أن الذي وراه هو النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فجعل لا يألو، أي لا يقصر ويجتهد في ذلك، ما ألصق ظهره بصدر النبي صلى الله عليه وسلم حين عرفه. فجعل زاهر يلصق ظهره بالنبي صلى الله عليه وسلم. وهذا يفعله من أجل ماذا؟ البركة، كما قال أهل العلم. قال: فجعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من يشتري العبد؟» يعني: من يقايضني بهذا، أو يأتيني بمثله؟ لأن الشراء يطلق على المقابلة، يطلق على مقابلة الشيء بالشيء، ويأتي أيضًا على الاستبدال. يعني: من يستبدل هذا؟ وهذا كله أيضًا من باب المزاح. قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال هذا الذي هو زاهر: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «من يشتري العبد؟» فقال: هذا الذي هو زاهر. إذن والله تجدني كاسدًا. والكساد، أي: معناه الرخص. يعني: ستجدني رخيصًا وغير مرغوب فيه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لكن أنت عند الله لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند الله غالٍ». يعني: أنت لست برخيص، ولست بغير مرغوب فيه، بل أنت مرغوب فيه، وأنت غالٍ وثمين عند الله جل وعلا. بماذا؟ ما يحمل في قلبه حب النبي عليه الصلاة والسلام، وأيضًا النبي عليه الصلاة والسلام يحبه. فهذا مزية ومنقبة لهذا الرجل من أهل البادية، الذي اسمه زاهر بن حرام. قال رحمه الله: وهو آخر حديث في هذا الباب، باب المزاح. حدثنا عبد بن حميد، وهو ثقة حافظ. قال: حدثنا مصعب بن المقدام، وهو صدوق له أوهام. قال: حدثنا المبارك بن فضالة، وهو صدوق يدلس ويسوي. قال: عن الحسن، وهو البصري. وهذا من مرسلات الحسن، وهو ضعيف من حيث الإسناد. قال: أتت عجوز النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، ادعُ الله أن يدخلني الجنة. فقال: «يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز». قال: فولَّت تبكي. فقال: «أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، أي: وهي على شكل عجوز. وإنما كما قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاءً * فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا * عُرُبًا أَتْرَابًا ﴾ [الواقعة: 35-37]. هذا وصف نساء أهل الجنة. فليس فيهن عجوز. ليس في وصف نساء أهل الجنة عجوز، بل كما وصفهن الله جل وعلا: عربًا أترابًا، كلهن أبكار». كما قال المفسرون: أي كلما أتى إليها زوجها وجدها بكرًا. وعربًا: أي متحببات، وقيل متغنجات لأزواجهن. أترابًا: في سن واحدة، في سن واحدة. والترائب هي عظام الصدر؛ لأنها تكون متساوية، فلذلك وصفن بأنهن جميعا متساويات. قيل: في الثلاثين، وقيل: ثلاث وثلاثين. في هذا الحديث: أن هذه العجوز لما جاءت إلى النبي عليه الصلاة والسلام ليدعو الله لها بالجنة، قال لها: «إن الجنة لا تدخلها عجوز». فهي ما فهمت معنى الآية، وكانت تقرأ القرآن، وكانت هذه العجوز تقرأ القرآن. فقال لها النبي عليه الصلاة والسلام: «أما تقرئين القرآن؟ لا تدخل الجنة عجوز». ثم ذكر لها الآية. فبالبداية بكت، ثم بعد ذلك انتهى هذا. وكان هذا من مزاح النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والحديث قد حسنه العلامة الألباني بشواهده، كما في مختصر الشمائل. وبهذا نكون انتهينا من باب ما جاء في مزاح رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. إلى هنا، سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، استغفرك وأتوب إليك.