الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 149، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
ينقسم الكفر العملي إلى قسمين رئيسيين: كفر عملي مخرج من الدين والملة، وكفر عملي لا يخرج من الدين. الكفر العملي المخرج من الدين يتضمن أفعالًا تستخف بشرع الله.
الكفر العملي يرتبط بحال القلب، حيث أن الأعمال الظاهرة تعكس اعتقاد القلب. إذا كان القلب فاسدًا، ظهر ذلك على الجوارح في شكل أفعال كفرية.
العقيدة الصحيحة تمثل الفاصل بين أهل الإيمان وأهل الشرك والكفر. فهم العقيدة بشكل صحيح يُعد أمرًا بالغ الأهمية لتمييز المسلم الحق.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال الحافظ الحكم رحمه الله تعالى: قال إذا قيل لنا هل السجود للصنم والاستهانة بالكتاب وسب الرسول والهزل بالدين ونحو ذلك هذا كله من الكفر العملي فيما يظهر فلما كان مخرجا من الدين، وقد عرفتم الكفر الأصغر بالعملي ماذا بحقيقة؟ هو سؤال، وكذلك استشكال طرحه المؤلف رحمه الله تعالى على لسان بعض الناس، إذ أن من حضر معنا في درس أمس في السؤال السابق عندما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى أن من أقسام الكفر الكفر العملي وأن من الكفر العملي لا يخرج من الدين والملة، فلربما هنا ظهر لبعض الناس هذا موجود يرى أن الكفر العملي بكل صوره لا يخرج من الدين والملة، أي شيء كفر عملي لا يخرج عن الدين والملة يظن هكذا، ثم يستشكل هذا المعتقد، هذا الاعتقاد يستشكل مسألة. طيب إذا كان الكفر العملي لا يكون مخرجا من الدين والملة، فما تقولون في الذي يسب الدين ويسب الرب ويستهزئ بالرسول ويسجد لصنم؟ مع حكم هذا ولهذا كان الجواب إخوانا في الله في التنبيه أمس أن نعلم أن الكفر العملي ينقسم إلى قسمين، لا أنا نحكم عليه بأنه جميعه كفر أكبر ولأنه كله كفر أصغر، بل من الكفر العملي ما هو كفر لا يخرج من الدين والملة كما مر معنا في تسمية بعض الذنوب تسمية بعض الذنوب بأنها كفر، من رغب عن أبيه فقد كفر، لا ترجع بعد كفار اثنتان في الناس هما بهما كفر، فهذه ذنوب معاطى سماها شرعنا كفر، فهي من الكفر العملي الذي لا يخرج من الدين ولا من الملة، ومن الكفر العملي ما يخرج من الدين والملة. وكل سلوك فيه دلالة على الاستخفاف بالدين، كل سلوك فيه استخفاف بالدين فهذا فعله كفر عملي مخرج من الدين والملة، وقد أجابت اللجنة الدائمة حرسها الله عن مسألة بهذا الصدد، فكان تفصيلها على ما سمعتم، فكان من جوابها أنها ذكرت في فتاواها قالت: ليس كل كفر عملي لا يخرج من ملة الإسلام، بل بعضه يخرج من ملة الإسلام، وهو ما يدل على الاستهانة والاستهتار بدين الله جل وعلا، قالوا كوضع المصحف تحت القدم، وضع المصحف تحت القدم هذا كفر لماذا؟ لأنه كفر عملي في سلوك وفي استخفاف بدين الله جل وعلا وبشرعه، فهذا كفر عملي يخرج من الدين والملة. وبهذا كما نبهنا ونكرر أن الكفر العملي على قسمين اثنين، كفر عملي مخرج من الدين والملة، وكفر عملي لا يخرج من الدين والملة، والذي يكفر به صاحبه، وكل كفر عملي يدل على الاستخفاف والاستهتار بالدين، قال مؤلف رحمه الله تعالى في جوابه قال: اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها، ما هي الأربعة؟ السجود لصنم المسلم متى يجعل الإسلام؟ فإذ به ترى أمامك يسجد لصنم، أو قال والاستهانة بالكتاب أي بالقرآن يستهين بكتاب الله جل وعلا، مثل كأن يرميه بالقاذورات يرميه في القمامة أو ينتعله يجعله نعالا كما يفعل السحرة أو يتبول فيه أو يستنجي بأوراقه كما مر، هذه أعمال. قال وسب الرسول أن يتجاسر مثل مسلم مثلا يدعي الإسلام ثم إذ به يملأ فمه بسب رسول الله عليه الصلاة والسلام، وأعظم منه من سب الرب ومثله من سب الدين، قال والهزل بالدين الشخص يستهزئ بدين الله يستهزئ بشرع الله، إذا جاء وقت الصلاة استهتر بالصلاة وضحك عليها، وإذا جاء رمضان أخذ ينسج لنا النكت المتعلقة بالصيام رمضان، وإذا جاء موسم الحج إذ يخترع القصص الذي فيها استهجان بالحج والضحك على شعائره، فهذه الأمور الأربع ماذا قال عنها المؤلف رحمه الله؟ قال: اعلم أن هذه الأربعة وما شاكلها ليس هي من الكفر العملي إلا من جهة كونها واقعة بعمل الجوارح فيما يظهر للناس، ولكنها لا تقع إلا مع ذهاب عمل القلب من نيته وإخلاصه ومحبته وانقياده لا يبقى معها شيء من ذلك. فهي وإن كانت عملية في الظاهر فإنها مستلزمة للكفر الاعتقادي ولابد، ولم تكن تقع ولم تكن هذه لتقع إلا من منافق مارق أو معاند مارد، وهذا والصحيح هذه الأشياء التي سمعتموها إخواني في الله هي من الكفر العملي من الكفر العملي بحد ذاتها كفر بحد ذاته، ولا نحتاج إلى أننا نشق عن قلبه، ما نحتاج لو جاء رجل وأخذ يسب الدين ويسب الرب، فنحن لا نتوقف فيه حتى ننظر هل أنت إيش تعتقد في الله؟ لا لا ما يحتاج أن ننظر، هذا كفر عملي خرجت به من دين والملة، استهزأ بشرع الله خرج من الدين والملة. لكن المؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى مسألة عظيمة وهي مسألة الترابط بين الظاهر والباطن، هذه الأعمال هي أعمال ظاهرة لكنها هي إشارة إلى ما في قلبه إشارة وأمارة إلى ما في قلبه، لأن من الناس من نجده ونسمعه مثل رجل لو ربما يتكلم فإذا به يسب يسب الرسول ويسب النبي، فقال: يا عرض كفرت، أه كفرت؟ لا والله ما كفرت، تعال ما في قلبه أنا معظم لله، لكن خلاص يا أخي الله مستهزئ بهدف ما نعرف الهدف، يعني أنت على هذا معظم لله ورسوله، قال: لا والله أنا معظم، أنا شو؟ أنا أصلي، كيف أنا أعصي ربي وأنا أكون مرتد؟ ما أصلي أنا أصلي معكم، لكن خلاص ما يكون خلاص، لأنك لو كنت معظم لله ولرسوله ما تجرأت على السب. هذا يسمى من اللوازم، وقد نبه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى كثيرا على هذه المسألة، بل النبي نبه على هذه المسألة: «إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله وإذا فسدت فسد الجسد كله»، ما تجرأ الشخص على الإقدام على الاستهانة والاستخفاف بشرع الله سوى من سب الله أو سب الرسول أو الاستهزاء بدين الله أو السجود للصنم، ونحن نعلم ذلك، ما تجرأ على أعمال هذه الظاهرة إلا لما كان الضعف في قلبه، لما ضعف قلبه قل التعظيم لله تجرأ، والله لو أن قلبه فيه من التعظيم والإجلال لدينه ولشرعه ما وقع في شيء من ذلك، ما وقع في شيء من ذلك، لكن هذه الأعمال الظاهرة دلالة على انعدام الباطن. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى مبينا هذه المسألة قال: فتبين أن إصلاح القلب مستلزم لصلاح الجسد، فإذا كان الجسد غير صالح دل على أن القلب غير صالح، ما يفعله المرء في حياته إنما هو يجسد ما في قلبه، إن رأينا منك يا عبد الله من فعلك الصلاح دل على أن قلبك فيه خير وصلاح، وإن رأينا من أعمالك وأفعالك الشر وأعمال الكفر دل على ما أن ما في قلبك قد غشيه الكفر والاستهانة بدين الله وبشرعه. ويقول كذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: وذلك أن الجسد تابع للقلب، فلا يستقر شيء في القلب إلا ظهر موجباته ومقتضاه على البدن ولو بوجه من الوجوه، ما من شيء يستقر في القلب إلا وظهر على البدن، فهذا الذي يتجرأ كما مثل المؤلف رحمه الله تعالى على سب الله ورسوله وعلى الدين والاستهزاء بشرع الله، ما فعل هذا إلا لشيء في قلبه، ولو أنه ادعى خلاف ذلك، ونعم يدعي كما نسمع من بعض الضعفاء والمخذلين، ما لربما يدعي: وأن والله أنا ما كفرت، فأنتم كذب، أنا والله معظم لله، أنا أصلي معكم، ولو تصلي معنا، ومن أين جاء السب الدين هذا منك؟ ما جاء هذا السب منك إلا لضعف القلب والعدوانة. وهذا مسألة عظيمة ينبني عليها شيخ الإسلام بارتباط الظاهر والباطن، ما يضر شيء في الضعف الظاهر من عمل كفر إلا لما كان من ضعف القلب، وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين في هذه الفقرة، ثم قال رحمه الله تعالى: وهل حمل المنافقين في غزوة تبوك على أن قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم وهموا بما لم ينالوا إلا ذلك، مع قولهم لما سئلوا: إنما كنا نقول ونلعب؟ قال الله تعالى: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ﴾، هذا الذي وقع من هذه الصائفة من أهل النفاق عندما استهزئوا بالصحب الكرام: «ما رأينا مثل قرائنا هؤلاء أرغب بطونا وأجبن عند اللقاء ولا أكذب ألسنا، ألفنا طعن في حملة القرآن وطعن في صحب الكرام»، فكان هذا من الفواجر التي أدت إلى كفرهم. مع أنهم اعتذروا اعتذروا أن هذا إنما حديث الركب حديث الركب، وأننا ما كفرنا وإنما هذا كلام اللسان، لكن ما كان هذا كافيا لأن هذا الفعل وهذا القول بحد ذاته كفر، فأنزل ربنا جل وعلا هذه الآيات: ﴿قُلۡ أَبِٱللَّهِ وَءَايَٰتِهِۦ وَرَسُولِهِۦ كُنتُمۡ تَسۡتَهۡزِءُونَ لَا تَعۡتَذِرُواْ قَدۡ كَفَرۡتُم بَعۡدَ إِيمَٰنِكُمۡ﴾، ولهذا أجمع العلماء بالاستفاضة على أن من سب الله كفر كفر بالإجماع. وللأسف إخواني في الله مع ظهور هذه المسألة بجلائها ووضوحها إلا أن تجد عمل الناس على خلاف ذلك، تخرج إلى الملاعب وإلى تجمعات الشباب وتسمع هذا السب الغليظ يسب الرسول ويسب الدين، ثم بعد ذلك يدعي أصحابه أنهم لا زالوا على تلك الإسلام، هذا كفر وحق، هؤلاء كما يقول العلماء أن تقطع بهم، تقطع رقابهم، هذا حد سب الرب كافر يقتل، هناك حد شرعي يقتل، وتعلق رقبته كما قالوا علماء: «قال الله علقت الرقاب في الأسواق والأماكن العامة، وعلم القاصي والداني أن هذه الرؤوس ما علقت إلا لما كفرت بسبب سب الله ورسوله»، لما تجرأ أحد من الناس على سب الله، لكن لما ضعف هذا الحكم فكان هذا الذي نراه. ولهذا ما بقي إلا الوازع الديني، فاعلم يا عبد الله أن هذه الأفعال التي فيها دلالة على استهانتك واستخفافك بشرع الله أن مؤداها الكفر، ولا تتكل على ما في قلبك، قلبك ليس بصادق، لو أن قلبك كما تقول موقن بربك لما تجرأت على سبه، ولو كان قلبك فيه تعظيم لشرع الله ما استخففت ولا استهزأت ولا ضحكت ولا ضاحكت على شرع الله، لكان هذا حاجزا لك، لأن قلبك لو صلح لصلح سائر الجسد. قال رحمه الله تعالى: ونحن لم نعرف الكفر الأصغر بالعمل مطلقا، بل بالعمل المحض الذي لم يستلزم الاعتقاد ولم يناقض قول القلب ولا عمله، فشاهد إخوانا في الله من هذه المسألة أن المؤلف رحمه الله تعالى أراد مع المسألة الماضية أن يبين أن الكفر العملي على قسمين: كفر عملي مخرج من الدين والملة، وهو كل عمل وسلوك من أقوال وأفعال مؤداها الاستخفاف بشرع الله جل وعلا، فإنها كفر بذاتها بغض النظر عن اعتقاد صاحبها، وأن من الكفر العملي ما هو كفر عملي لا يخرج من الدين والملة، وهو الكفر الأصغر، والذي عبارة عن ذنوب ومعاصي لكن شرعنا سماها كفرا لما فيها من التشبه بخصال الكفر، فهذه صاحبها لا يخرج. وهذه المسألة إخواني في الله الذي ينبغي الاهتمام بها لأنها من أمور عقيدتنا، والتي بها يكون الفيصل بين أهل الإيمان وبين أهل الشرك والكفر، أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصل الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.