شرح أعلام السنة المنشورة  133

شرح أعلام السنة المنشورة 133

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 133، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مرتبة الخلق في الإيمان بالقدر وتعريفها

المرتبة الرابعة من الإيمان بالقدر هي مرتبة الخلق، وتعني الإيمان بأن الله هو خالق كل شيء. تشمل هذه المرتبة الإيمان بخلق الله لأفعال العباد.

أدلة خلق أفعال العباد من القرآن والعقل

استدل أهل السنة والجماعة بالآيات القرآنية والعقل على أن أفعال العباد مخلوقة لله. يشمل الدليل العقلي أن كل فعل يحتاج إلى إرادة وقدرة وهما من خلق الله.

أدلة السنة على خلق أفعال العباد وتأكيد عموم الخلق

استدل المؤلف بأحاديث نبوية على خلق أفعال العباد، مؤكداً بذلك عموم خلق الله لكل شيء بما في ذلك الطاعة والمعصية. يشمل ذلك الإيمان بحكمة الله من إيجاد كل هذه الأشياء.

التفريغ النصي الكامل

نحمد الله ونصلي على رسوله وآله وصحبه، أما بعد. قال مؤلف كتابنا -رحمه الله تعالى-: ما دليل المرتبة الرابعة من الإيمان بالقدر، وهي مرتبة الخلق؟ المرتبة الرابعة هي المرتبة الأخيرة من المراتب التي بها ينعقد الإيمان بالقضاء والقدر، وقد مر معنى ذلك تكرارا ومرارا، إخواني في الله، على أن العلماء ذكروا أن الإيمان بالقضاء والقدر، والذي يعتبر ركنا من أركان الإيمان الستة، لا ينعقد إلا بأربعة أمور ذكرها العلماء، أن تؤمن بعلم الله السابق؛ لأن الله علم ما كان وما سيكون. ثانيا: الكتابة؛ لأن الله كتب كل شيء، وكل صغير وكبير مستطر، فضبطه ربنا جل وعلا في الكتب والصحف والدواوين قبل أن يبرأ البرية ويخلق الخليقة. ثالثا: المشيئة؛ وأن ما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن. الرابع: والذي نحن الآن بصدده، وهي مرتبة الخلق، أي بمعنى الإيجاد؛ فما من شيء موجود إلا والله سبحانه وتعالى هو الذي أوجده، هو الذي خلقه سبحانه وتعالى. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ فالله خلق كل شيء، وكل هذا من أقوى صيغ العموم، فما من شيء إلا والله جل وعلا خلقه سبحانه وتعالى. وبهذا رد -أيضا- بعض المفسرون في هذه الآية إنكارا من ربنا عز وجل على أهل الكفر والشرك والإلحاد ممن زعم أن مع الله شريكا، فأخبر ربنا عز وجل أنه لا خالق معه سبحانه وتعالى. «هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض» «هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه» هذا خلق الله، ما نرى في ملكوت السماوات والأرض من الأفلاك العظام، ومن الحشرات الصغار، كل ما يوجد في ملكوت السماوات والأرض عظم وضخامة، وقلة وتصغيرا، كلهم من خلق الله، هذا خلق الله، فمن ذا الذي يزعم أن هناك خالقا مع الله؟ فليرينا شيئا مما يزعم أنه خارج عن خلق الله. فما هناك خالق إلا الله جل وعلا. ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ مسألة الخلق، إخواني في الله، بمعنى أن الله خلق كل شيء، هذا أمر متفق عليه بين كل الفرق المنتسبة إلى الإسلام، بل حتى من غير المسلمين يعرفون ويعتقدون ويقرون بأن الله هو الذي خلق سبحانه وتعالى. لكن هناك مسألة أدق وهي ما يتعلق بأعمال العباد، أفعال العباد من حركات ومن سكنات، هل هذه تدخل كذلك في خلق الله؟ هنا وقع الخلاف بين الطوائف والملل والنحل. أهل السنة والجماعة يقولون: بأن الله سبحانه وتعالى خلق كل شيء، لهذا هم في هذه المرتبة يعترفون بعموم الخلق، الإيمان بعموم الخلق، يضيفون كلمة "عموم"، لماذا؟ لتكون عامة لكل شيء، فما من شيء إلا وخلقه الله؛ السماء خلقها الله، الأرض خلقها الله، الجبال، النبات، الحيوان، خلقه الله، الإنسان خلقه الله، أفعال الإنسان مخلوقة لله، خلقها الله سبحانه وتعالى، حركاته وسكناته خلقها الله سبحانه وتعالى. ومما استدل به أهل السنة والجماعة لهذه العقيدة، والتي بها خالفوا الفرق الضالة من القدرية والجبرية، استدلوا بالعمومات والخصوصيات. أما العمومات، ما مر معنا: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ ﴿وَقَدْ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ «والله خلقكم وما تعملون» قالها إبراهيم عليه السلام عندما أنكر على قومه، فأخبرهم عليه السلام بأن الله خلقكم، فقط لا خلقكم وخلق كذلك ما تعملون من عمل، ما تعملون من عمل خلقه الله سبحانه وتعالى. وهنا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ ما المنصوب بالمعنى؟ ما معنى "ما" هنا؟ هنا "ما" حملها العلماء على معنيين اثنين: إما "ما" موصولة، أو "ما" مصدرية، والمعنى متقارب حينها. فعلى قول من يقول بأن "ما" مصدرية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ "ما" المصدرية ستنسبك بما بعدها بتأويل مصدر، هذا دور ضمائر المصدر، وهي أن تنسبك وتدخل وتندمج بما بعدها فتؤول إلى مصدر، ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي والله خلقكم وعملكم. وعملكم من أين جاءت؟ "وعملكم" "ما" دخلت على الفعل المضارع فتنسبك وتؤول إلى مصدر، فمعنى الآية: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ بمعنى والله خلقكم وعملكم. فأولها يا مصدر هذا القول، والذي يرجحه جماعة من أهل العلم. القول الثاني: من قال أن "ما" هنا "ما" موصولة، فيقول: معنى ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أي والله خلقكم والذي تعملونه. والله خلقكم والذي تعملونه، وهذا كذلك قول وجيه. واختلفت أنظار العلماء: أي القولين أولى؟ ومنهم من قدم القول الأول، ومنهم من قدم القول الثاني؛ لأن السياق يدل عليه، السياق في الآية يدل عليه. وذهب جماعة إلى الأخذ بالقولين معا، كما ذكر ذلك ابن كثير -رحمه الله تعالى- بعدما عرج على القولين، قال: وكلا القولين متلازم، أي كل واحد يلازم الآخر، بينهما تلازم. فأمر ذلك -إن شاء الله- يسير، سواء من قال أنها موصولة أو من قال أنها مصدرية، وإن كان بعضهم يرجح بعض الأوجه على بعضها، وكلها تؤدي إلى معنى واحد: بأن الله خلقنا وخلق أعمالنا، فأعمالنا مخلوقة لله سبحانه وتعالى خلقها الله. وهناك دليل عقلي، ومما يقرب الأذهان: كيف أعمالنا هذه مخلوقة؟ مع أننا نتصرف بمحض إرادتنا؟ يقول العلماء: ما من فعل ما من فعل يقوم به الآدمي إلا ولابد أن يتصف بصفتين اثنتين، لابد أن يتصف الآدمي بصفتين اثنتين حتى يؤدي هذا العمل، بغض النظر عن العمل: عمل دين، عمل دنيا، عمل شاق، عمل يسير، أي فعل، أي فعل تفعله تحتاج إلى أمرين: الأمر الأول: إرادة وقدرة، إرادة وقدرة. الإرادة يعبر عنها بالإرادة الجازمة، والقدرة يعبر عنها بالقدرة التامة، إرادة جازمة، قدرة تامة، هذا لابد لكي تؤدي عملا من الأعمال. مثاله: الرجل أراد أن يذهب إلى المسجد، أراد أن يصلي، ما سيصلي ما سيصلي إلا إذا كنت متصفا بصفتين: عندك إرادة -طبعا إرادة محلها القلب تسمى كذلك إرادة قلبية- لابد عندك إرادة تندفع من نفسك إلى الكسب ومع هذه الإرادة مع هذه النية والعاطفة القلبية لابد تحتاج إلى قدرة، والقدرة بدنية، قدرة بدنية هي التي تحملك على أن تؤدي هذا الغرض. فمع وجود الإرادة مع وجود القدرة ستأتي إلى المسجد. هذا المنجد الذي أمامي إذا أردت أن آخذه لابد لي من أمرين اثنين: عندي إرادة لأخذه، عندي قدرة على التناول، فإذا انخرم أحد الشرطين أحد الصفتين فلا يمكن أن تؤدي هذا العمل. تخيل أن رجلا أراد أن يأتي إلى المسجد، عنده إرادة مفعم بالحيوية، قلبه معلق بالمسجد، لكنه عاجز عاجز مريض، هل يمكن أن يأتي؟ لا يأتي، ما سيبقى في بيته، لتخلف هذا الأمر وهو القدرة، عنده إرادة لا قدرة، ما سيأتي إلى العمل. أو العكس: قد يكون عنده قدرة، جسم شباب، لكن ما عنده إرادة للصلاة، سيمر من هذا الباب إلى ذاك المكان ويخرج ولا سيصلي، ما عنده إرادة الصلاة. وهكذا قل في حق هذا المنجد: لو أني عندي إرادة له لكن أنا عاجز كالذي مصاب في يده ما استطيع أن آخذه، هذا حرمص هكذا. أنا أريد أن آخذه عاجز ما استطيع تناوله. أو عندي قدرة لكن ما أريد تناوله، قد يمر من جنبه ما أريد أن آخذه، سأعرض عنه. إذا فهمنا هذا: فما من فعل يفعله الآدمي لا يصدر إلا من أمرين اثنين: قدرة تامة، وإرادة جازمة. يقول العلماء: هذه الصفات الموجودة في الآدمي من الذي أوجدها؟ ما أوجدها إلا الله سبحانه وتعالى، أوجدها الله سبحانه وتعالى. فهذه الإرادة التي وجدت في قلبك هي من الله، وهذه القدرة الظاهرة على الفعل هو الذي أوجدها الله سبحانه وتعالى. فإذا هذا الفعل -وهو إتيان الفعل- ما قمت به إلا بصفتين هو الذي أوجده ربنا فيك. إذا قال العلماء: فأعمال العباد مخلوقة؛ لأن ما تم هذا إلا بصفات خلقها الله وأوجدها الله فيك سبحانه وتعالى. لهذا نعلم إخواني في الله: وجه أن أعمال العباد مخلوقة لله؛ لأن الله جعل فيك الأسباب التي بها تأتي بهذا المسبب. فهذا الدليل كما يقول العلماء دليل عقلي. وهذا الذي خالف فيه طوائف من أهل البدع، أهل السنة والجماعة في مسألة أعمال العباد: هل هي مخلوقة لله أم ليست مخلوقة؟ قل: هي مخلوقة خلقها الله، بنص القرآن: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ وأيضا كما قلنا بالأدلة العقلية. قال -رحمه الله تعالى-: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ وقد أثر عن السلف كسعيد بن جبير -رحمه الله تعالى- وجماعة في تفسير هذه الآية ونحوها: على أن الله هو الذي أوجد في نفسك يا عبد الله الفجور والتقوى، هو الله سبحانه هو الذي أوجد ذلك فيك، أوجد ذلك فيك بمعنى خلق ذلك فيك. ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ من جعل الهادي مهتديا هو الله، ومن جعل الضال مضلا هو الله سبحانه وتعالى، يضل من يشاء ويهدي من يشاء، فالهداية هو الله الذي أوجدها فيك، والهداية فعل من الأفعال، والخلق والهدى والشقاوة والضلال كذلك فعل تظهر ذلك في أفعالك، من الذي أوجد الهداية؟ من الذي أوجد الضلالة؟ الله سبحانه وتعالى. فربنا يهدي من يشاء ويضل من يشاء، فما صار ذلك إلا بأمر من الله. ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ﴾ ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾ فمن الذي حبب إليك الإيمان يا عبد الله وجعله في قلبك؟ الله سبحانه وتعالى هو الذي أوجد هذا الأمر فيه، أوجده خلقه. فتجد يا عبد الله الإيمان كاملا فيك، تجد أن الإيمان يختلج قلبك يضطر فيه، ما الذي أوجده؟ الله سبحانه وتعالى. قال -رحمه الله تعالى-: وغير ذلك من الآيات. وللبخ الله في خلق أفعال العباد. انتهى المؤلف من أدلة القرآن، وانتقل إلى أدلة السنة على أن أعمال العباد كما قلنا، وهذه المسألة هي المحك، وإلا كخلق الله للأشياء كل الفرق متفقة معك على أن الله خالق الجبال، خالق السماوات، خالق الأراضين، الله سبحانه وتعالى، أحد يكاثر في هذا إلا المكابر، الكافر المشرك، إلا أن الخلاف مع الفرق الأخرى ما يتعلق بأعمال العباد: هل خلقها الله أم لا؟ طبعا بعض أهل البدع يقولون: لا، الله ما خلق أفعال العباد، ما خلقها الله سبحانه وتعالى. وإذا من قالوا: الفعل العبد هو الذي يأتي فعله بنفسه. وهل يسمون هذا خلقا أم لا؟ المعتزلة على قسمين: الأوائل منهم ما كان أحد يتجاسر يقول: بأن العبد يخلق أفعاله بنفسه، كلمة "خلق" كانت عند المعتزلة القدامى ما يتجاسرون عليها، لغضاضتها، فيقولون: بأن العبد هو الذي يحدث فعله بنفسه، يحدث أو محدث يكون بكلمة الإحداث. لكن لما جاء المتأخرون منهم، أخذوا بكل صراحة يقولون: نعم نقول بصراحة بأن العبد يخلق يخلق أعماله بنفسه، العبد هو الذي يخلق حركة المشي والجري والركض والأكل والشرب والنوم والمعصية والطاعة، هذه أعمال العبد والذي خلقها. وإلا القدامى منهم يقول: العبد والذي أحدثها، لكنهم متفقون على أن الله ما خلق شيئا من أعمال العباد، وهذا ضلال، رد للكتاب والسنة. قال -رحمه الله تعالى-: وللبخاري في "خلق أفعال العباد" عن حذيفة مرفوعا: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» وهذا حديث مقبول، والبخاري في "خلق أفعال العباد"، ورواه أبو عاصم في "السنة"، وصححه الشيخ الألباني -رحمه الله تعالى- واستاذه، صحيح: «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» فالآدمي مخلوق، هل أحد يكاثر؟ لا أحد يكاثر، الإنسان من جنس أنه إنسان، خلق من خلق الله، خلق من خلق الله. فإذا كان الإنسان -وهو الأصل- مخلوقا لله، فما يتفرع من هذا الأصل هو تبع له. فإذا كان الإنسان مخلوقا فأفعاله مخلوقة؛ لأن الأصل وهو الإنسان، إن كان الإنسان أصله مخلوقا فما يتفرع عن هذا الأصل تبع. فالإنسان مخلوق وأفعاله مخلوقة. «إن الله يصنع كل صانع وصنعته» فإذا كان صنع الإنسان خلقه الله، فكيف بعمله؟ من باب أولى. فإن الله خلق أعمال العباد. قال -رحمه الله تعالى-: وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اللهم آتي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها أنت وليها ومولاها» وهذا الحديث رواه مسلم في صحيحه من حديث زيد بن أرقم -زيد بن أرقم- رضي الله تعالى عنه. الشاهد من هذا الحديث الذي نريده: قوله عليه الصلاة والسلام: «اللهم آتي نفسي تقواها» التقوى ما الذي يأتي به؟ الله جل وعلا، بجعله يطلبها من ربه، نبينا يطلب من ربه ماذا؟ أن الله يلهمه التقوى. «اللهم آتي نفسي تقواها» فليس أنت الذي تجعل نفسك يا عبد الله بارة راشدة، ولست أنت الذي بيدك زمام النفس بأن تجعلها مضيعة، لا أنت ما تستطيع لهذا ولهذا، أنت تلجأ إلى الله؛ لأن الله هو الذي سيوجد ذلك لك ويوجد ذلك فيك. فنبينا يطلب من ربه: «اللهم آتي» يطلب من ربه «نفسي تقواها» فمقام التقوى مقام أقوال وأفعال وأفعال، كل ذلك من عند الله، إن أراد الله أن يأتيك به أتاك الله به. فربنا هو الذي يوجد ذلك فيك، أن يخلق ذلك فيك. وقال -وزكها أنت خير من زكاها إن أنت وليها ومولاها- فهذا -إخواني في الله- خلاصة هذا المبحث، وهي الدرجة الرابعة من مراتب الإيمان بالقدر، بعد إيمانك بعلم الله السابق، والكتابة، ومشيئة الله النافذة، تؤمن بعموم خلق الله: بأن الله خلق كل شيء، ما من شيء: طاعة، معصية، كفر، شر، إلا ربنا عز وجل هو الذي أوجده. ومرت معنا تفاريع متعلقة بهذه المسألة، من حيث الحكمة التي أرادها الله جل وعلا من إيجاد هذه الأشياء. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.