شرح أعلام السنة المنشورة  101

شرح أعلام السنة المنشورة 101

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 101، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفة حشر الناس يوم القيامة في القرآن

يوم القيامة يحشر الناس في صعيد واحد، كل فرد وحده دون أهل أو أعوان، وتجمع حتى الدواب والبهائم. الناس يحشرون أزواجا حسب أعمالهم، فأهل البر مع أهل البر وأهل الكفر مع أهل الكفر.

كيفية حشر المتقين والمجرمين

المتقون يحشرون إلى الله ركبانا على هيئة وفد مكرم، بينما يساق المجرمون إلى جهنم كالبهائم. يدعو داعي الناس إلى ساحة الحشر فيتبعونه ولا يميلون عنه.

تفاصيل الحشر وأحوال الناس فيه

تسكن الأصوات خشية ورعبا يوم الحشر، ولا يسمع إلا صوت الأقدام وهي تنقل إلى المحشر. الآيات القرآنية تصف مشهد الحشر وتجمع الناس.

ختام الدرس والإشارة إلى ما سيأتي

الدرس يلخص الآيات التي ذكرت صفة الحشر من القرآن، ويشير إلى أن الدرس القادم سيتناول نفس الموضوع من خلال أحاديث السنة. يختم بالدعاء والصلاة على النبي.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: كيف صفة الحشر من الكتاب؟ عندما تطرق المؤلف رحمه الله تعالى إلى مبحث النفخ في الصور، وهو بصدد ذكر ما يتعلق باليوم الآخر، ومر معنا مسألة النفخ في الصور وأدلة ذلك وما يتعلق بعدد النفخات، أورد رحمه الله تعالى هذا السؤال: كيف صفة الحشر من الكتاب؟ وسيذكر المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الفصل الأدلة الدالة على حشر الناس، وذلك من خلال آيات القرآن. وقوله رحمه الله تعالى: صفة الحشر، المقصود بالحشر هو الجمع يوم القيامة، إذ أن الناس إذا قاموا من قبورهم فإن الله سبحانه وتعالى يأمر بجمعهم وبحشدهم، فهذا الجمع يسمى حشرا. وربنا سبحانه وتعالى يهيئ الأرض التي سيكون فيها حشر العباد، مصداق ذلك في قوله جل في علاه: ﴿إذا الأرض مدت وألقت ما فيها وتخلت وأذنت لربها وحقت﴾. فقوله سبحانه وتعالى: ﴿إذا الأرض مدت﴾، الأرض يوم القيامة يمدها الله سبحانه وتعالى مدا عظيما، كما جاء ذلك في الآثار، وعن الصحابة والمفسرين أنهم قالوا: إن الله يمدها كما يمد أديم الجلد. كما يمد أديم الجلد، الجلد لو ترونه يمد، وانظر مثلا إلى الدف، هو عبارة عن جلد لكنه ممطوط ممدود، فيمط ويمد. فكان السلف يعبرون عن مد الأرض كالجلد إذا مد ومط، وهكذا الأرض فإنها تمتد مدا عظيما. ﴿إذا الأرض مدت﴾، قال العلماء: وفي مد الأرض تتبين هنا مسائل، المسألة الأولى: أن الأرض هي الآن كما يذكر الفلكيون بأنها كروية، وبعض بعبارة أدق بيضاوية، فإنها يوم القيامة تكون ممدودة، تكون مبسوطة، ليس فيها تكور ولا استدارة، تكون أرضا أفقية. الاستدارة تلغى، ﴿إذا الأرض مدت﴾، تمتد، والوجه الثاني: أي مما يكون من ابتداء الأرض بعد أن تمد مدا أفقية، أن ما يكون في الأرض من تعرجات، كوجود جبال وهضاب أو منخفضات من وديان وسهول، هذا يلغى، فإن الأرض تمتد بحيث أنها تكون أفقية، منبسطة، لا ترى فيها عوجا ولا أمتا. وجاء في الصحيح أن الله سبحانه وتعالى يجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، وهذا في ساحة الحشر، يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، أي كلهم تجدهم أمامك رأي العين، ما هناك أحد ينخفض، كل الآن هنا، لو أن الناس كلهم على أفق واحد، فإنه سيكون باستدارة يخفى، مثل ما تجد في البحر، تجد أن في آخره ينخفض لا ترى، لكن هناك لا سيكون، الأرض ممدودة، الكل يكون على صعيد واحد، ما هناك أحد يخفى عليه سمع الداعي، ولا هناك أحد يغيب عن النظر، الكل يكون على أرض واحدة. فهذا قوله سبحانه: ﴿وإذا الأرض مدت﴾، وهذه تهيئة لأرض لأن تكون فيها حشر العباد، بمعنى الجمع. قال رحمه الله تعالى: كيف صفة الحشر من الكتاب؟ قال: في صفته آيات كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة﴾، هذا من صفة حشر العباد يوم القيامة، أن الله يأتي بهم فرادا، كما وجدت يا عبد الله فردا، فتبعث يوم القيامة، لا عندك أهل، لا عندك زوجة، لا عندك والد، لا عندك ولد، لا خدم، لا حشم، لا أحد، لا أعوان، ولا أحد يحميك، ولا أحد يحرسك، ستأتي يوم القيامة فردا. قال سبحانه: ﴿ولقد جئتمونا فرادى﴾، في الدنيا عندك عشائر، وعندك قبائل، ووجوه، وجموع، وحشود، لكن عندما تقوم إلى أرض المحشر، فإنك تأتي وحدك. قال: وقوله تعالى: ﴿وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا﴾، وإذا تم الحشر، فلا يتخلف أحد عن هذا الموطن، ما أحد من الناس في هذه الدنيا قد تفرقت أجسادهم وتفرقت قبورهم، هذا شرقا، وهذا غربا، وهذا في أقصى المعمورة، وهذا في أصقاع البلاد، وهذا في أدغال الغابات، ناهيك عن من تفتت، احترق حتى أصبح رمادا، وبعضهم في بطون البحار، غرق بهم السفن، فأصبحوا في أعماق البحار، وبعضهم معلقين في رؤوس الجبال، تناثرت الأجساد والجثث. هل هؤلاء يخفى أمرهم على الله؟ لا، بل هؤلاء كلهم يأتون، يجبعهم الباري جل في علاه بقدرته سبحانه وتعالى، ما هذا على الله بعزيز، وليس هذا على الله بعسير جل في علاه، ﴿ولا نغادر منهم أحدا﴾، الكل سيحضر. وهنا اختلفت مسألة للعلماء، وهي: هل هذا الحشر وهذا الجمع شامل كذلك للدواب والبهائم؟ أم أنه خاص لمن كان من أهل التكليف من إنس وجان؟ وقع الخلاف في هذه المسألة حول هل يحشر كذلك البهائم؟ تجمع؟ اختلف العلماء، وقد رجح جماعة من المحققين أن هذا حاصل، وأن البهائم والحيوانات والدواب كذلك تحشر، يجمعها ربنا سبحانه وتعالى. ومن أعظم ما يستدل به على هذه المسألة قوله سبحانه: ﴿وإذا الوحوش حشرت﴾، والوحوش، قال علماء: المقصود بها الحيوانات والدواب والكائنات والمخلوقات من البهائم، فإن الله أخبر أنها تحشر، إذن فالحشر عام، كما قال سبحانه: ﴿فلم نغادر منهم أحدا﴾، لا من إنس، ولا من جن، ولا من أحد من خلق الله، بل الكل سيجمعه ربنا عز وجل في ساحة الحشر. قال: وقوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾، كذلك هذه مسألة في بيان كيفية الحشر لأهل الإيمان ولأهل العصيان، فقال سبحانه: ﴿ويوم نحشر المتقين﴾، المتقي هو الذي اتقى الله بعمله، فعمل بالطاعات من الواجبات والنوافل والمستحبات والقربات، واجتهد في ترك المعاصي والمحرمات والجرائم والموبقات، مما يجلب عليه سخط الله، لا زال هذا حاله متقي، يتقي عذاب الله بترك المعاصي، هذا كيف يكون حشره؟ قال سبحانه: ﴿ويوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا﴾، هؤلاء يأتون إلى الله جل وعلا على هيئة وفد، وكلمة وفد، ولا زالت هذه الكلمة إلى أعصارنا، إذا قيل: أن وفد يعتبر أن هذا عبارة عن ملأ رفيع المستوى، إذا قيل: وفد قدم وفد من جهة كذا، علم أن هؤلاء لهم شأن، وهكذا هم أهل التقوى، فإن حشرهم إلى الله سبحانه وتعالى ليس كحشر أي أحد من خلق الله، الجزاء من جنس العمل، فيحشرهم ربنا سبحانه وتعالى على هيئة الوفد. ذكر الشنقيطي رحمه الله تعالى في أضواء البيان أن جمهور المفسرين على أن هيئة هؤلاء الوفد أنهم يأتون وهم ركبانا، يأتون وهم ركبانا، وهم على هيئة ركوب، لا يأتون يمشون، وذلك لعلو قدرهم عند الله سبحانه وتعالى. ثم اختلف أهل التفسير ما هي الأشياء التي يركبون عليها؟ على أقوال، تجد هذا في المطولات من كتب التفاسير، لكن يأتون وهم ركبانا، لعلو أمرهم ورفعة قدرهم عند ربنا سبحانه وتعالى. وطبعا أخوانا في الله، هناك مسائل في موضوع الحشر، المؤلف هنا جمع الروايات، جمع الآيات، ولم يفرع، لأن هناك حشر يكون من القبر إلى ساحة الحشر، هذا موطن، وهناك موطن آخر من ساحة الحشر إلى الملاذ، إما إلى الجنة، وإما إلى النار، فهذا حشر آخر، فهناك حشر من هنا إلى هنا، ومن هنا إلى هنا. فهذه الآية التي فيها يحشر ربنا أهل التقوى إليه على شكل وفود، هذا من ساحة الحشر إلى الجنة، يكون على هيئة ركوب، أما مبعثهم من القبر إلى ساحة الحشر، هذا مشيا، هذا يكون مشيا، خروج الناس من قبورهم إلى ساحة محشرهم، هذا يكون مشيا، وبعد هذه الساحة عندما يحشرون إلى أماكنهم، وإلى ربهم، فإن كان من أهل التقى، فإنه يحشر راكبا، على مذهب الكثير من أهل العلم، كما سمعت. قال: ﴿ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا﴾، أما المجرم، وهو الذي يتأكب الجرائم من جرم ومعاصي وذنوب، هذا لا يكون حاله كحال أهل الإيمان والبر والتقى، وإنما هذا يساق، أتدري ما السوق؟ السوق يا عبد الله يكون للبهائم، للبهائم، تخيل الزريبة فيها مئات أو آلاف من الإبل والنوق والبهائم، كيف تمشي؟ وكيف تحرك؟ هكذا، لخ يضرب هذا، يضرب هذا، وهم يحتشدون، يحتشدون، هذه البهائم عند مدخلها، هي بهائم، وهكذا التحريك لها سوق، ضرب يضربون هنا وهنا حتى تمشي. هذه الهيئة التي تكون للبهائم في دخولها إلى أماكنها، سيكون هي هيئة المجرمين العصاة إذا أدخلهم الله إلى النار، ما يدخلونها بحشمة، لا حاشا، وإن بإهانة، يسوقون إلى جهنم سوقا كما تساق البهائم، والعياذ بالله، وما خفي كان أعظم، في نار جهنم من العذاب والنكال، هذا في حق المجرمين، فاختر يا عبد الله لنفسك أي المدخلين أردت؟ إن أردت مدخل الجنة، فعليك يا عبد الله بتقوى الله سبحانه وتعالى، وإن أردت ما سمعت من فعل ما يفعله الرب بأهل الإجرام، فهذا سبيله معروف، وذلك بترك الطاعات، بترك الواجبات، وفعل المعاصي والذنوب، هذا يجعلك من أهل الإجرام، والعياذ بالله. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة فأصحاب الميمنة ما أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة ما أصحاب المشأمة والسابقون السابقون الآيات﴾، هذه الآية نعم قد تشكل عند بعض الناس، ما علاقة هذه الآية في مسألة الحشر؟ هذه الآية يخبر ربنا عز وجل أن الناس على أصول ثلاثة في العطاء وفي الجزاء. فلماذا المؤلف رحمه الله تعالى يذكر هذه الآية ونحن في صدد ذكر مسألة الحشر يوم القيامة؟ هذه الآية لعل المراد منها والله تعالى أعلم في قوله سبحانه: ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة﴾، في قوله ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إذا النفوس زوجت﴾، اختلف المفسرون في معنى التزويج للنفوس يوم القسمة على قولين اثنين. ﴿إذا النفوس زوجت﴾، أي: أعيدت الأرواح للأبدان، قرنت الأرواح بالأبدان، فأصبح بشرا ثنويا يوم القيامة، هذا قول، والقول الآخر، وهو الأظهر: أن النفوس تزوج، زوجت، قرنت، أي: أن النفوس يقرن بعضها مع بعض، يقرن بعضها مع بعض، إذا حشر الناس، وهذا المراد، إذا حشر الناس يوم القيامة، فإن من صفة الحشر: أن الله عز وجل يجعل الناس أزواجا، فرقا. وما المعيار في كل فرقة؟ المعيار في كل فرقة التشابه، كل يجتمع بالآخر، كل يزوج بمثله، ظالم يجمع الظلمة في مكانه، الفاسق فسقة، يهود في مكان، نصارى في مكان، مؤمنون في مكان، أهل إسلام في مكان، وكل يجمع، يجمع ربنا عز وجل النفوس كل بنظيره، ﴿إذا النفوس زوجت﴾، أي: تقرن، يقرن بعضها مع بعض، فأصحاب الميمنة مع أصحاب الميمنة، وأصحاب المشأمة مع أصحاب المشأمة، والسابق مع إخوانه السابقين، كل يشكل على شكل أزواج في ساحة الحشر. هذا من معاني قوله سبحانه وتعالى: ﴿إذا النفوس زوجت﴾، ويؤيد هذا المعنى قول الله سبحانه: ﴿أحشر الذين ظلموا وأزواجهم﴾، ما معنى أزواجهم؟ الصحيح: الكثير ينظر إلى هذه الآية، يقول: أن معنى الزوجة هي الزوجة، أن الظالم يحشر مع زوجته التي ما آمنت، الأسرة كلها في نار جهنم، يحشر مع بعض، قالوا: هذا ليس بصواب، ليس هذا المقصود بالآية. أن الظالم يحشر مع زوجته، ﴿أحشر الذين ظلموا أزواجهم﴾، أي: أحشر الذين ظلموا وقرناءهم ونظراءهم وأشباههم، الظلم يختلفون، كل ظالم على شاكلته، هذا ظالم بلغ إلى الطغيان وإلى الجبروت، يؤتى بطواغيط الأرض، فيحشر معه ظالم، تعدى على أعراض الناس، هذا في محل، فيجمع من كان على شاكلته، ﴿أحشر الذين ظلموا وأزواجهم﴾، الأزواج بمعنى الأشباه، بمعنى النظراء، أي مع بعض. فهذا هو الذي كأن المؤلف أراد من ذكر هذه الآية: أنه من صورة حشر الناس يوم القيامة، أنهم يجمعون في ساحة الحشر أزواجا، أزواجا، ومعيار الزوجية بالتشابه، كل بعمله، فأهل البر مع أهل البر، وأهل التقوى مع أهل التقوى، وأهل الإسلام مع أهل الإسلام، والكافر كافر، والعاصي عاص، يجمعون في ساحة العشر على هذا المعنى الذي سمعتموه، وقرره العلماء. قال رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا وهو نقل الأقدام إلى المحشر كأخفاف الإبل﴾، هذه الآية قبل الأخيرة مما يذكره المؤلف رحمه الله تعالى في بيان صفة حشر الناس يوم القيامة. قوله سبحانه: ﴿يومئذ يتبعون الداعي﴾، هناك داعي يدعوهم، يناديهم، يأمر الناس إلى أن يجتمعوا بعدما قاموا من قبورهم، يجتمعون إلى ساحة الحشر، ومن هذا الداعي: الكثير من المفسرين على أنهم ملك من الملائكة، يناديهم، ويأمرهم بماذا؟ بالإتيان، فهم يتبعون هذا الصوت، يتبعون هذا الصوت، وكثير من يصرحون بأنه إسرافيل هو الذي يدعو بهذا النداء، فالله أعلم. قال رحمه الله تعالى: قال: ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له﴾، بمعنى: أي لا يميلون، لا يميلون، ولا ينحرفون، وإنما يذهبون مباشرة إلى الصوت، سبحان الله، قسرا، قهرا، وكانوا في الدنيا، كم من أولئك من أناس من الكفرة يسمعون الداعي يأمرهم بالإسلام، يأمرهم بالتوحيد، لكن ينحرفون، يميلون عنه، يمنة ويسرى، لكن يوم القيامة، لا أحد يخرج، لا يتخلف، ولا يهرب، إلى أين عسى أن يهرب؟ كلا، لا مفر، فيتبعون الداعي، أن يتوجهون إلى صوت، لا يميلون عنه، ولا ينحرفون عنه. قال: ﴿لا عوج له﴾، وخشعت الأصوات، الخشوع بمعنى السكون، خشعت، سكنت، فسكنت الأصوات، خوفا ورعبا، ما أحد يدري بالذي سيكون، ما الذي سيقع، من الذي بعثهم من مرقدهم؟ ما الذي أخرجنا من قبورنا؟ ما الذي يرونه؟ أحوال وأحوال، وشدائد تشيب لها الولدان، فيعلوهم الصمت والسكوت. قال: ﴿وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا﴾، الهمس في لغة العرب بمعنى الخفاء، بمعنى الخفاء، وقيل: هو الصوت الخفي، صوت خفي يخرج، واختلف العلماء: هذا الصوت الخفي يخرج من أين؟ منه من قال: الصوت الخفي يخرج من أفواههم، فيتكلم معظم خوفا بسر، يهمس أحدهم للآخر، ما أحد يستطيع أن يرفع صوته، ما أحد. قيل: يخرج الصوت الخفي من أفواههم، وقيل: يخرج الصوت الخفي من أقدامهم، من أقدامهم، كناية عن ماذا؟ عن صوت الأقدام، يمشون، هذا هو الصوت الذي يكون في ساحة الحشر، ما تسمع إلا خطوات الأقدام، وهذا الذي رجعه المؤلف رحمه الله تعالى ههنا، حيث قال: قال: ﴿إلا همسا وهو نقل الأقدام﴾، وهذا القول طبعا ما أتى به المؤلف لوحده، بل هذا قول جماعة من السلف، كثير من السلف، فسر الهمس هنا على أنه صوت خفي صادر من خطوات الأقدام، ومن مشي الأقدام في ساحة الحشر، وهذا الذي قال به ابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، قول جماعة من السلف على هذا، ابن عباس، وقتادة، والضحاك، ومجاهد. قال: وقوله: ﴿ومن يهدي الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد لهم أولياء من دونه ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم﴾، ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم، هذا كذلك نوع من أنواع الحشر، لكن هذا حشر من؟ هذا حشر الكفار، من ساحة محشرهم إلى دخولهم إلى النار، فإنهم إذا حشروا إلى النار، لا يحشرون مجيا على أقدامهم، وإنما يحشرون مجيا على وجوههم، والعياذ بالله. نعم، هذا إشكال، وقد طرح هذا الإشكال على نبينا عليه الصلاة والسلام، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أن رجلا قال: يا رسول الله، كيف يمشي الكافر على وجهه يوم القيامة؟ بعض الناس ما يتخيل هذا المنظر، كيف يكون؟ يمشي على وجهه، يحشر على وجهه. قال: كيف يحشر الكافر على وجهه يوم القيامة؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «أليس الذي أمشاه على رجليه في الدنيا قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟» هذا الجواب الذي قدر على أن يجعل هذا الكافر يمشي مستويا على رجليه، هو قادر أيضا جل فعلا أن يجعل الكافر يمشي على وجهه، يجعل وجهه يداس في التراب، يجر وجهه في التراب، وأين؟ ليس أي تراب، بل تراب المحشر، إلى أرض جهنم، يلقى على هذا الحال. ولهذا قال قتادة بعدما روى هذا الحديث في قول نبينا: «أليس قادر على أن يمشيه على وجهه يوم القيامة؟» قال قتادة: «بلى، وعزة ربنا، بلى، وعزة ربنا»، ربنا قادر سبحانه وتعالى. خلاصة الآيات أخوان في الله، آيات ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى فيما يتعلق بصفة الحشر من أدلة القرآن، وسيأتي معنا بإذن الله في درس غد، ما يتعلق بصفة حشر الناس، لكن على ضوء أحاديث السنة. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.