الدرس في التعليق على تقريب التدمرية 35، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم
يستعرض المقطع صفة الحياة الكاملة لله تعالى التي تستلزم جميع صفات الكمال، وينفي عنه السنة والنوم لقيوميته على السماوات والأرض. ويبين شمول علم الله لكل صغير وكبير وقريب وبعيد وماضٍ وحاضر ومستقبل من غير سبق جهل ولا لحاق نسيان.
يوضح المقطع الفرق بين النسيان المنفي عن الله وهو السهو والغفلة، وبين الترك العمد للعصاة، ويثبت كمال علم الله وقدرته التي لا يعجز عنها شيء ولا يلحقها تعب. ويستدل بآيات تنزيه الله عن اللغوب والعبث في الخلق.
يؤكد المقطع أن الله لم يخلق شيئاً عبثاً بل كل خلقه وأمره وقضاؤه مبني على حكمة بالغة، مستدلاً بآيات وأحاديث تبين حكمة الحياة والموت والشرائع والابتلاءات. ويوجب على العبد التسليم والرضا بأحكام الله الشرعية والقدرية وعدم الاعتراض عليها لعجز البشر عن الإحاطة بحكمة الله وصفاته.
بسم الله والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فقد ذكرنا في الدرس السابق هذا الفصل الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، والذي هو في بيان إثبات الصفات لله تعالى التي أثبتها لنفسه جل وعلا، وهي صفات الكمال المتضمنة لنفي صفات النقص والعيب. قال رحمه الله تعالى: فصل، فمن صفات الله تعالى التي أثبتها لنفسه: الحياة، والعلم، والقدرة، والسمع، والبصر، والإرادة، والكلام، والعزة، والحكمة، والمغفرة، والرحمة. فحياته تعالى حياة كاملة مستلزمة لكل صفات الكمال، لم يسبقها عدم، لا يلحقها فناء، كما قال تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾. قد تقدم الكلام حول هذه الآية، فالله جل وعلا من أسمائه الأول، ومن أسمائه كذلك الآخر. قد فسر النبي عليه الصلاة والسلام هذا بقوله في دعائه: «أنت الأول الذي ليس قبله شيء، أنت الآخر الذي ليس بعده شيء». فالله جل وعلا له مطلق الأولية ومطلق الآخرية، فأوليته جل وعلا مطلقة، وكذلك آخريته، بمعنى لا مبتدأ لها، فهو أول ليس قبله شيء سبحانه وتعالى، فهو الأول في أسمائه، وهو كذلك جل وعلا الأول في صفاته سبحانه وتعالى. وهكذا هو جل وعلا الآخر في أسمائه وصفاته، لا منتهى لأسمائه، ولا منتهى لصفاته، ولا منتهى لكمال أسمائه وصفاته جل وعلا، فهو موصوف بالكمال المطلق، والكمال المطلق من كل الوجوه، فله الكمال المطلق في أوليته، وله الكمال المطلق في آخريته سبحانه وتعالى، ولا يماثله في ذلك أحد، لأن ما من مخلوق إلا وهو مبتدئ، فله أول، وله كذلك آخر. قال جل وعلا: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ﴾. وهذه الآية فيها ذكر هذه الأسماء التي هي من أسماء الله جل وعلا: الله، والإله، والحي، والقيوم، القائم بنفسه جل وعلا، القيوم لغيره سبحانه وتعالى، فبه قامت السماوات، وبه قامت الأرضون، وبه قام الخلق، فهو جل وعلا القيوم القائم بنفسه، القيوم لغيره، فهو سبحانه وتعالى له هذا الوصف العظيم، له هذا الاسم العظيم المتصف بهذه الصفة، وهي صفة القيومية، صفة القيومية لله جل وعلا على ما يليق به سبحانه وتعالى، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، لا تأخذه سنة ولا نوم، وهذا فيه نفي لهذه الصفات، صفات النقص والعيب، فالله جل وعلا لا تأخذه سنة، والسنة هو أول النوم وهو النعاس، وهكذا لا تأخذه ولا يأخذه نوم جل وعلا، وذلك سبحانه وتعالى لأنه القائم جل وعلا القيوم، فكيف ينام وهو القيوم بعباده جل وعلا، ولا قيام لعباده جل وعلا إلا بقيامه بهم سبحانه وتعالى. ولذلك كان الحي القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم، فمن كان هو القيوم، فمن لازم ذلك أن يتنزه عن هذه الصفات، صفات النقص والعيب، من النعاس أو النوم، لأنه جل وعلا قيوم السماوات والأرض، كما كان النبي عليه الصلاة والسلام يدعو ربه جل وعلا بهذا الدعاء العظيم: «اللهم أنت قيوم السماوات والأرض». فالله جل وعلا هو القيوم القائم بأمر عباده كلهم سبحانه وتعالى، فمن لازم ذلك تنزهه سبحانه وتعالى عن الغفلة، وعن النعاس، وعن النوم. ولذلك قال النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في الصحيح من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام»، لأنه سبحانه وتعالى القيوم، فكيف ينام؟ فهذا محال في حق الله جل وعلا، وهذا ممتنع في حق الله جل وعلا، محال ممتنع لكماله سبحانه وتعالى، لكماله سبحانه وتعالى. فهذه الصفات إنما هي من صفات العاجزين، ومن صفات كذلك الناقصين، والله جل وعلا منزه عن كل نقص وعيب وعجز، بل له الكمال المطلق جل وعلا من كل الوجوه، ولذلك تنزه عن كل نقص وعيب سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وعلمه تعالى كامل شامل لكل صغير وكبير، وقريب وبعيد. علم الله جل وعلا شامل لكل شيء، شامل سبحانه وتعالى علمه لكل شيء، علم تفاصيل الأمور جل وعلا، خلاف الضالين الذين عطلوا الله جل وعلا عن كامل علمه، حيث جعلوه لم يعلم الجزئيات والأمور الدقيقة وتفاصيل الأمور، وإنما يعلم الأمور الإجمالية، وهذا باطل، وهذا تنقص في حق الله سبحانه وتعالى. الله جل وعلا علم كل شيء، علم كل شيء، لا يخفى جل وعلا عليه شيء من العلم، صغيرا كان أم كبيرا، دقيقا كان أم غير ذلك، ظاهرا كان أم باطنا، خفيا أم جليا، لا يخفى عنه جل وعلا شيء من ذلك، فهو سبحانه وتعالى لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض. وقال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ * وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ﴾، أي كل صغير يحدث وجزء ودقيق من عباد الله جل وعلا فهو مكتوب، قد سطر في اللوح المحفوظ، وهكذا ما كان كبيرا منهم صادرا، فكل صغير وكل كبير قد سطر في اللوح المحفوظ، وقد علمه جل وعلا قبل أن يكون، وقد كتبه في اللوح المحفوظ، وشاء الله جل وعلا أن يكون، فإذا كان فكان ذلك بعلم الله جل وعلا السابق له، وكان ذلك بمشيئته جل وعلا، وكان ذلك أيضا الذي حدث قد كتب في اللوح المحفوظ. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾، فكل ما حصل من صغير وكبير من العباد فقد علمه الله جل وعلا، وقد كتب ذلك على العباد، فلا يخفى عنه سبحانه وتعالى شيء، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾، فلا يخفى عليه شيء سبحانه وتعالى، وذلك لكمال علمه جل وعلا. علم ما كان وما يكون وما سيكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، فعلمه محيط بكل شيء سبحانه وتعالى، كما قال جل وعلا: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. قال رحمه الله تعالى: وقريب وبعيد، كذلك كله في علم الله جل وعلا، السابق واللاحق، والقريب والبعيد، والماضي والحاضر والمستقبل، كل ذلك قد علمه الله جل وعلا علما غير مسبوق بجهل، وعلما غير ملحق بنسيان، لأن الله جل وعلا منزه عن الجهل، ومنزه عن النسيان، لأن له الوصف الأعلى، ولله المثل الأعلى، ولازم ذلك أن يكون منزها عن كل وصف نقص وعيب لكماله سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته. قال كما قال الله تعالى عن موسى حين سأله فرعون: ﴿فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ * قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، فعلم كل شيء قد علمه الله جل وعلا، وقد سطر ذلك في كتاب، فلا يضل ربنا عز وجل ولا ينسى، بخلاف المخلوقين، مهما علموا فيلحق علمهم النسيان، ويلحق كذلك علمهم الضلال والغفلة عنه، لكن ربنا عز وجل هو الذي اتصف بصفات الكمال وتنزه عن صفات النقص والعيب، فله جل وعلا الكمال المطلق من كل الوجوه. ففي هذا نفي الضلال عن رب العالمين جل وعلا، ونفي كذلك النسيان، والنسيان يعني هو الذي يكون عن عمد من رب العالمين جل وعلا، فالنسيان على نوعين: نسيان عن عمد، بمعنى الترك، أن الله جل وعلا تركهم عن عمد بأنهم خالفوا أمره ونسوا شرعه جل وعلا وغفلوا عنه جل وعلا، فنسيهم، ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، بمعنى تركهم الله جل وعلا عن عمد، ليس عن غفل عنهم، حيث لا يعلم بما يفعلون، وغاب يعني عنه جل وعلا حالهم وغير ذلك، لا، فالله سبحانه وتعالى نسيهم بمعنى تركهم عن عمد. النسيان الثاني: هو نسيان الغفلة، نسيان الغفلة، فينسى بمعنى يغفل عن ذلك، يغفل ويسهو عن ذلك، هذا منزه الرب جل وعلا عنه. فالنسيان الموصوف به ربنا عز وجل هو الذي معناه الترك عن عمد، أما النسيان الذي هو بمعنى السهو والغفلة فهذا منزه ربنا عز وجل عنه، بل هذا موصوف به المخلوق، المخلوق موصوف بهذا النسيان الذي هو السهو والغفلة. والله سبحانه وتعالى يعاقب عباده على نسيانهم عن عمد، إذا وقع العباد في أمر عن عمد، تركوا ذلك، نسوه بمعنى تركوه عن عمد، فيعاقبهم، أما النسيان عن غفلة، النسيان عن غفلة وعن سهو، فالله جل وعلا قد أعذر عباده، قد أعذر عباده عن هذا النسيان. فالأول: نسيان العمد والترك، إذا حصل من العباد فهم يعاقبون على ذلك، فهم يعاقبون على ذلك، وأما إذا حصل منهم نسيان الغفل والسهو، فهؤلاء فهم قد عفى الله جل وعلا عنهم. أما ربنا سبحانه وتعالى فهو ينسى بمعنى يترك عباده عن عمد، يترك عباده عن عمد، وأما النسيان الذي هو معنى الغفلة والسهو إلى آخر ذلك مما يتضمنه النسيان، فهذا ربنا سبحانه وتعالى قد تنزه عنه جل وعلا، فهو سبحانه لا يسهو ولا يغفل ولا ينسى جل وعلا، ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾، كما قال سبحانه وتعالى في كتابه الكريم، قال: ﴿عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى﴾. وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، وهذه الآية فيها كذلك إثبات العلم الشامل لكل شيء، فهو سبحانه وتعالى قد علم كل شيء، وهنا شيء نكرة فتفيد العموم، فكل شيء قد علمه الله سبحانه وتعالى، لا يخرج شيء لم يعلمه الله سبحانه وتعالى، بل كل شيء قد علمه سبحانه وتعالى، لأنه قد أحاط بكل شيء علما، قد أحاط بكل شيء علما، فلا شيء يخرج عن علمه سبحانه وتعالى، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض جل وعلا. قال: وقدرته تعالى كاملة، لم تسبق بعجز، ولا يلحقها تعب. قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ۚ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. وهذا أيضا فيه بيان صفة القدرة لله جل وعلا، ونفي صفة العجز التي هي ضد القدرة، فربنا سبحانه وتعالى وصف نفسه بالقدرة بأنه سبحانه وتعالى العليم القدير، ونفى عن نفسه سبحانه وتعالى ما يضاد ذلك من العجز، فما يعجزه شيء سبحانه وتعالى، ولا يكرثه شيء سبحانه وتعالى، بمعنى يثقل عليه جل وعلا ويصعب عليه، ولا يؤوده حفظهما، وهو العلي العظيم، وكذلك لا يستصعب عليه شيء سبحانه وتعالى، إنما أمره إذا أراد شيئا يقول له كن فيكون، فلا يدخل عليه شيء، ولا يصعب عليه شيء سبحانه وتعالى، ولا يكرثه شيء سبحانه وتعالى، ولا تلحقه مشقة، ولا يلحقه تعب سبحانه وتعالى، لأنه العظيم جل وعلا، ولأنه القدير سبحانه وتعالى، ولأن له الكمال المطلق في أسمائه وصفاته، فلا شيء يعني يصعب عليه سبحانه وتعالى، ولا يثقله جل وعلا، ولا يستصعب عليه سبحانه وتعالى. كما قال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِن شَيْءٍ﴾، فهكذا كذلك شيء نكرة فتفيد العموم، من شيء في السماوات ولا في الأرض، ﴿إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾. وقال تعالى: ﴿وَتَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾، فهو جل وعلا القدير على كل شيء سبحانه وتعالى، وهو العليم بكل شيء سبحانه وتعالى، فعلمه جل وعلا محيط، وقدرته كذلك سبحانه وتعالى شاملة لكل شيء، لا يستعصي عليه شيء سبحانه وتعالى. قال: وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾. هذه الآية فيها بيان الله جل وعلا خلق السماوات وخلق الأرض وما بينهما في ستة أيام، وما مسنا من لغوب، قال سبحانه: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، أي من نصب أو من تعب. فخلق السماوات وخلق كذلك الأرض وما بينهما هذا ليس بعزيز على الله سبحانه وتعالى، ليس بعزيز على الله سبحانه وتعالى، بل ذلك مما يعني يفعله الله سبحانه وتعالى بقدرة عظيمة، لا يلحق تلك القدرة وذلك الفعل شيء مما يلحق المخلوق، شيء مما يلحق المخلوق إذا أراد الإنسان أن يفعل شيئا، يعني يبني بيتا مثلا أو يفعل شيئا، فلا شك أنه سيلحقه شيء من النصب، وشيء من التعب، وشيء من المشقة. فربنا عز وجل قد تنزه عن كل ذلك، ربنا عز وجل منزه عن كل ذلك، لم يلحقه شيء من هذه صفات النقص والعيب حين خلق السماوات، وحين خلق العباد، وحين خلق الجبال، وحين خلق الخليقة كلها، فلم يلحقه شيء سبحانه وتعالى مما يلحق العباد من النصب أو التعب، وذلك لكمال قدرته سبحانه وتعالى، ولكمال قوته سبحانه وتعالى. ولذلك قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، فهذا فيه نفي لما قد يتوهمه بعض من لم يقدر الله جل وعلا حق قدره، أن الله جل وعلا لحقه شيء من التعب، أو لحقه شيء من النصب، فيعني كان خلق السماوات والأرض في ستة أيام، لماذا لم يكن أقل من ذلك؟ لا، إنما حكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يكون خلق السماوات والأرض في ستة أيام، وإلى ربنا عز وجل القادر على كل شيء، لا يستصعب عليه شيء، لكن حكمته سبحانه وتعالى جعلت خلق السماوات والأرض على هذا الذي شاء سبحانه وتعالى، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ولذلك قال: ﴿وَمَا مَسَّنَا مِن لُّغُوبٍ﴾، لتعلم يا عبد الله أن الله جل وعلا حين خلق الخليقة، وخلق هذه السماوات العظيمة، وخلق الأرض وما بينهما، وخلق كل شيء، لم يلحقه شيء مما يلحق المخلوق من هذه الصفات، صفات النقص والعيب، لأنه جل وعلا الخالق، لأنه جل وعلا القادر، لأنه جل وعلا العظيم الذي لا يعجز عن شيء سبحانه وتعالى، وتنزه وتقدس جل وعلا. قال: وقوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. طيب، قالوا: حكمته، وحكمته تعالى بالغة، منزهة عن العبث، شاملة لخلقه وشرعه. قال الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ * مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾. الله سبحانه وتعالى خلق السماوات، خلق الأرض وما بينهما، وذلك الحكمة، ما خلق الله جل وعلا شيئا عبثا، فالله جل وعلا منزه عن العبث في أفعاله، أفعاله جل وعلا كلها أفعال حكمة، أفعاله جل وعلا كلها أفعال حكمة، ما خلق شيئا عبثا، وما فعل شيئا عبثا. ولذلك قال سبحانه: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾. قال جل وعلا: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾. فما خلق الله جل وعلا شيئا سدى، وما فعل فعلا سبحانه وتعالى عبثا، فخلق السماوات لحكمة عظيمة، وخلق الأراضين لحكمة عظيمة، وخلق الجبال لحكمة عظيمة، خلق الإنس، خلق الجن، خلق البحار، خلق الطيور، خلق الدواب، خلق الذباب، خلق البعوض، خلق الجراد، خلق الأسماك، خلق كل شيء، كل ما خلقه الله جل وعلا خلقه لحكمة عظيمة، فما في فعله جل وعلا، ولا في خلقه سبحانه وتعالى العبث، بل أفعاله وخلقه سبحانه وتعالى فيه له الحكمة البالغة، كما قال جل وعلا: ﴿وَلِلَّهِ الْحِكْمَةُ الْبَالِغَةُ﴾، في حكمه وشرعه، وفي خلقه وقضائه وقدره، وفي أموره كلها سبحانه وتعالى، فله سبحانه وتعالى الحكمة البالغة في ذلك، لأنه جل وعلا منزه عن العبث في أفعاله، وحكمته شاملة لكل شيء، للخلق والشرع. أمر الناس أمر عبادة بالصلاة لحكمة، أمر عبادة بالصيام لحكمة، أمر عبادة بالزكاة لحكمة، أمر عبادة ببر الوالدين لحكمة، أمر عبادة بالركوع، بالسجود، بالدعاء، بالحج، إلى آخر الطاعات، كل الطاعات وكل شرع الله جل وعلا الذي شرعه على عباده فله الحكمة البالغة سبحانه وتعالى في شرعه ذلك، فليس فيه شيء من العبث مما يعني ينسب إلى شرعه جل وعلا، فقضاؤه جل وعلا الكوني والقدري له الحكمة البالغة فيه، وهكذا قضاؤه أمره الشرعي له الحكمة البالغة فيه، قد يعلم العباد شيئا من الحكمة بما أطلعهم الله جل وعلا عليه، ويخفى عليهم الكثير من الحكم فيما حكم الله جل وعلا به وقضاه وقدره، سواء ما يتعلق بالقضاء الكوني القدري أو الأمر الشرعي الديني. ولذلك نزه ربنا عز وجل نفسه عن هذا العبث في قوله جل وعلا، كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾، فالله جل وعلا لا يريد بذلك اللعب ولا اللهو، ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنَاهُ مِن لَّدُنَّا إِن كُنَّا فَاعِلِينَ﴾، لكن ربنا عز وجل منزه عن أن يفعل الشيء لهوا ولعبا وتسلية، لا، الله جل وعلا منزه عن ذلك، يفعل ذلك لحكم عظيمة سبحانه وتعالى. ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، ما خلقناهما إلا بالحق، والحق هو الذي فيه أن نفعل العباد، والحق هو الذي يكون قد يعني نزه من قضى ذلك الحق أن يكون هذا الشيء الذي قضاه وهو حق أن يكون قد لحقه يعني اللهو أو اللعب أو العبث، فهذا كله ما ينزه الرب جل وعلا عنه سبحانه وتعالى. قال: وقال تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. هكذا الموت والحياة حكمة عظيمة خلقها الله جل وعلا، فالموت والحياة خلق الله جل وعلا ذلك، أجل الابتلاء، يبتلي عباده بالموت، يبتلي عباده ربنا سبحانه وتعالى بالحياة، يبتلي عباده بالصحة، يبتلي عباده بالفقر، يبتلي عباده بالمرض، يبتلي عباده بكذا وكذا، فكل الابتلاءات وكل الأمور التي قضاها الله سبحانه وتعالى كل ذلك الحكمة والابتلاء. وهذه الرسالات، هذه الرسالات كذلك التي بعث بها الأنبياء، التي بعث بها الأنبياء، فبعث الله جل وعلا هؤلاء الأنبياء بهذه الرسالات لحكمة عظيمة وهي الابتلاء، ولذلك كانت بعثة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام ابتلاء، كانت ابتلاء، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث عياض بن حمار في صحيح الإمام مسلم رحمه الله، في الحديث القدسي، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله جل وعلا يقول: إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك، إنما بعثتك لأبتليك وأبتلي بك». فبعثت الأنبياء والرسل، ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، كانت لأجل الابتلاء والاختبار. وهكذا أيضا الشرائع التي شرعها الله سبحانه وتعالى للابتلاء، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، فجعلناك سميعا بصيرا، أنت مبتلا في سمعك، أنت مبتلا في بصرك، أنت مبتلا كذلك في ما أعطاك الله جل وعلا من الصحة، من المال، من الفراغ، من الأولاد، من هذه النعم كلها، مبتلا بالسراء، ومبتلا كذلك بالضراء، والواجب عليك تجاه السراء الشكر، والواجب عليك تجاه الضراء الصبر، كما أمر الله سبحانه وتعالى، وبيّن نبينا عليه الصلاة والسلام في سنته. فكل شيء لحكم بالغة وعظيمة قضاها الله سبحانه وتعالى، علم العباد منها شيئا، ومما غفلوا عنه أكثر مما علموه، لأن ذلك بعلم الله جل وعلا وتوفيقه لهم بعلم تلك، أو بعلم شيء من تلك الحكم. قال: وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ ۚ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. له كذلك الحكمة فيما قضاه وحكم به سبحانه وتعالى من الأحكام، من الأحكام، له الحكمة، جعل حكم السارق إذا سرق أن تقطع يده، هذه حكمة عظيمة، جعل حكم من زنى وهو يعني غير محصن الجلد، وجعل حكم من زنى وهو محصن الرجم حتى الموت، جعل حكم من فعل كذا كذا وكذا، إلى آخر ذلك الأحكام التي تعلمونها في كتاب الله وفي سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، هذه الأحكام التي قضاها الله، قضاها الله سبحانه وتعالى وحكم بها وبينها رسوله عليه الصلاة والسلام، ذلك كله لحكمة، حكمة عظيمة، حكمة عظيمة، لا يظن أحد أن حكما من هذه الأحكام ليس فيه حكمة، ليس فيه حكمة، بل الله جل وعلا الحكمة البالغة في ذلك. ولذلك رد أهل السنة والجماعة على المعري الضال، المعري الضال الذي قال: ما هي الحكمة، ما هي الحكمة في يد يعني تقطع، ويعني كانت ديته كذا وكذا، كانت ديته يعني المال الكثير، ثم تقطع في ربع دينار، ثم تقطع في ربع دينار، كان يقول: ما في حكمة، فرده عليه أن في ذلك الحكمة، لكن أعمى الله جل وعلا بصر المعري، أعمى يعني أعمى البصر، وهكذا أعمى البصيرة، المعري أعمى البصر وأعمى البصيرة، أعمى الله جل وعلا بصره، وأعمى الله جل وعلا كذلك بصيرته، فهو ضال لم يفقه الحكمة، فبين له الحكمة في ذلك، أن هذه اليد كانت لها الكرامة، وكانت لها الشرف، وديتها ذلك المال الكثير، لكن لما هانت، صارت يعني ذليلة، تقطع في ربع دينار، لما يعني ابتعدت عن تلك الكرامة وذلك الشرف الذي كانت عليه، صارت تسرق أموال الناس وتعتدي، هانت هذه اليد، فكان قطعها في ربع دينار، بعدما كانت إذا يعني قطعت وهي شريفة وهي كريمة، كانت ديتها يعني مئة من الإبل، لكن لأجل أنها هانت على صاحبها، وسرق بها، وتعدى بها على أموال الناس، هانت. لكن لعدم الحكمة عند هذا الرجل، ومن كان يعني من أمثاله، ومن كان على شاكلته ممن يقول: هذه الأحكام فيها جور، هذه الأحكام فيها مثلا أحكام بشعة، أحكام كذا، سبحان الله، من الذي جعل هذه الأحكام؟ من الذي جعل هذه الأحكام؟ ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾. لا أحد أحسن من الله جل وعلا حكما، فحكمه جل وعلا أحسن الأحكام، فحكمه جل وعلا أفضل الأحكام، فأحكامه سبحانه وتعالى كلها، الكونية والشرعية، كلها أحكام فيها الحكمة، وفيها الإتقان، وقد وضع ربنا عز وجل الشيء في محله، لا يمكن لأحد أن يستدرك شيئا، لا يمكن لأحد أن يستدرك شيئا، أو أن يغير كذا، وأن يقول مثلا: الأفضل في قطع يد السارق مثلا يقول كذا، أو في جلد الزاني كذا، لا، فالله سبحانه وتعالى أحكم الحاكمين جل وعلا، فقد أحكم كل شيء سبحانه وتعالى، ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾، وذلك حكم الله يحكم بينكم، والله عليم حكيم. قالوا: حكمته كسائر صفاته لا يحيط بها الخلق، فقد نعجز عن إدراك الحكمة فيما خلقه أو شرعه، وقد ندرك منها ما يفتح الله به علينا، يعني أن حكمة الله جل وعلا لا يمكن الإنسان أن يحيط بها، بعض الناس يريد أن يعلم ما الحكمة من فعل كذا، من قضاء الله جل وعلا كذا، ما الحكمة من شرع الله جل وعلا كذا، يا عبد الله، صفات الرب سبحانه وتعالى لا يحيط بها العباد علما، لا يحيط بها العباد علما، هل أنت قد أحطت بصفة وجه الله جل وعلا علما؟ والجواب: لا. هل أنت قد أحطت بصفة السمع لله جل وعلا علما؟ الجواب: لا، أبدا، لم يحيط أحد بصفات الله جل وعلا علما، فكيف تريد أن تحيط بهذه الصفة علما، وتعلم كل شيء، تريد أن تعلم كل شيء يتعلق بحكمة الله جل وعلا في خلق المخلوقات مثلا، أو في قضاء كذلك ما قضاه جل وعلا، أو كذلك في شرع هذه الشرائع؟ أنت يا عبد الله لم تحط بصفات الله جل وعلا علما، ومن ذلك صفة الحكمة، فأنت لم تحط بها علما، بل أنت عاجز، أنت عاجز عن إدراك حقيقة هذه الصفة وما يتعلق بها من أمور، إلا ما أعلمك الله، إلا ما أعلمك الله جل وعلا، فأنت علمت ذلك بعلم الله جل وعلا لك، ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَىٰ غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلَّا مَنِ ارْتَضَىٰ مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا * لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَىٰ كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا﴾، فلا يستطيع أحد أن يعلم شيئا ما يتعلق بصفات الله جل وعلا إلا بما أعلمه الله جل وعلا في كتابه، أو أعلمه على لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، والحكم من ذلك، والحكم من ذلك. فنحن ما نعلم كثيرا من الحكم التي لأجلها شرع الله جل وعلا الشرائع، الصلوات، الصيام، الزكاة، وربما نعلم شيئا من الحكم بما علمنا، الصيام لأجل التقوى، لأن الله جل وعلا أعلمنا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، الزكاة لأجل طهارة قلوبنا، وكذلك أنفسنا، ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ ۖ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، ما أعلمناه إنما بعلم الله، بما أعلمنا الله في كتابه، أو على لسان رسوله عليه الصلاة والسلام، وإلا فالكثير من الأمور التي تتعلق بالحكمة من قضاء وشرع بعض الفرائض لا نستطيع ذلك. إذا سألنا سائلا، إذا سألنا قلنا لكم: لماذا صلاة الفجر ركعتان؟ من عنده جواب؟ ما أحد عنده جواب، لماذا صلاة الظهر أربع؟ لماذا صلاة العصر أربع؟ لماذا الطواف سبع طوافات؟ لماذا كذا وكذا؟ ما يستطيع الإنسان أن يقول: لأجل كذا وكذا، فإذا قال شيئا قال ذلك بغير علم، لكن إذا كان عنده علم من كتاب الله، ومن سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، أجاب، وإلا ما يستطيع. قلنا: التقوى، لورود النص في ذلك، قلنا: طهارة الأبدان، لوجود النص في ذلك، وإلى آخر ذلك مما علمنا من كتاب الله جل وعلا، أو سنة رسوله عليه الصلاة والسلام، من الحكم أليس يتعلق بما قضاه جل وعلا، القضاء الكوني، أو القضاء الشرعي. ولذلك الواجب على العبد التسليم، لا يدخل عقله، لا يدخل عقله، يقول: ما الفائدة من كذا، ولماذا كذا، ولماذا قضى كذا، ولماذا كذا، كل ذلك من الاعتراض على أحكام الله جل وعلا الكونية، أو أحكام الله جل وعلا الشرعية، بل ما فتح الله جل وعلا به عليك أن تؤمن به، وقد علمت الحكم من ذلك، وما لم يعني تعلم فعليك الرضا والتسليم، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قالوا: على هذا تجري سائر الصفات التي أثبتها الله تعالى لنفسه، فكلها صفات كمال لا نقص فيه بوجه من الوجوه، فالواجب التسليم والرضا بما أخبر الله جل وعلا، ومن ذلك الصفة التي أثبتها نثبتها على مقتضى لسان العرب، ونقول: الله أعلم بكيفيتها، ونؤمن بأن الله جل وعلا قد اتصف بها، وأخفى كيفيتها، ولم يعلمنا بها لحكمة عظيمة سبحانه وتعالى، وبل ذلك واضح، لأنه جل وعلا الكمال المطلق الذي لا يمكن أن يحاط بشيء من صفاته أو أسمائه، ولذلك لا يستطيع العباد الإحاطة بأسماء الله جل وعلا علما، ولا بصفاته، وإنما يعلمون منها ما أعلمهم الله جل وعلا في كتابه، أو على لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.