التعليقات على كتاب الأدب المفرد 233

الدرس في التعليقات على كتاب الأدب المفرد 233، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

دعاء النبي لأبي بكر الصديق ودلالته على الافتقار إلى الله

طلب أبو بكر الصديق من النبي صلى الله عليه وسلم تعليمه دعاء يدعو به في صلاته، فعلمه النبي الدعاء: "اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا". هذا الدعاء يدل على اعتراف العبد بضعفه وافتقاره إلى الله.

أهمية طلب المغفرة والتحذير من الشرك في طلبها

المقطع يشرح أهمية طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى ويحذر من الشرك به في طلب المغفرة من الآخرين، كما يبين دعاءً لتحصين النفس من ظلم الحكام.

دعاء الحماية من ظلم الحاكم وموقف أهل السنة والجماعة

يذكر المقطع دعاءين يلجأ إليهما المسلم لحمايته من ظلم الحاكم، ويبين أن أهل السنة والجماعة يرون الصبر وعدم الخروج على الحاكم الظالم.

دعاء لفك الكرب وطلب الحاجة بربوبية الله

روى ابن عباس دعاءً لرفع الهم والغم والكرب وخوف السلطان، ويتضمن الدعاء التوسل بربوبية الله للسماوات والأرض وعرشه العظيم، ثم طلب الحاجة من الله.

  • 24 جمادى الآخرة 1432هـ - 27/05/2011مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال إمام البخاري رحمه الله في كتاب الأدب المفرد: حدثنا يحيى بن سليمان، وهو الجعفي أبو سعيد الكوفي، صدوق يخطئ، قال: حدثنا ابن وهب وعبد الله قال: أخبرني عمر، ومن الحارث -ثقة- عن يزيد بن أبي حبيب، وهو البصري أبو رجاء، ثقة فقيه، عن أبي الخير، وهو مرثد بن عبد الله اليزني، ثقة فقيه، أنه سمع عبد الله بن عمر قال: قال أبو بكر رضي الله عنه للنبي صلى الله عليه وسلم: علمني دعاء أدعو به في صلاتي. قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت، فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك الغفور الرحيم». والحديث صحيح، وهو في الصحيحين. وفي هذا الحديث، كما سمعنا، أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه -أبو بكر الصديق، خليفة رسول الله صلى الله عليه وسلم- قال: علمني دعاء أدعو به في صلاتي، طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يعلمه دعاء يدعو به في صلاته. وهذا يدل على حرص الصحابة رضي الله تعالى عنهم على الخير ومحبتهم للطاعات والعبادات، فلذلك كانوا يسألون النبي عليه الصلاة والسلام عما ينفعهم وعما يتقربون به إلى الله سبحانه وتعالى. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»، فعلمه هذا الدعاء العظيم الذي فيه بيان ضعف العبد وافتقاره إلى الله سبحانه وتعالى. وكذلك أيضا اعترافه بتقصيره واعترافه بالنقص. «اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»، ظلمت نفسي أي بفعلي وملابسة ما يوجب العقوبة، وهكذا ما ينقص الحظ والمكانة. ففعل الإنسان للمعاصي والذنوب ظلم لنفسه؛ لأنه يظلمها بارتكاب ما حرم الله سبحانه وتعالى، وهكذا بالتقصير فيما أوجب الله سبحانه وتعالى، فإنه يكون بذلك ظالما لنفسه. وفيه كذلك أن الإنسان مهما بلغ من الطاعة والعبادة فلابد له من تقصير، فلذلك لا يستغني عن دعاء ربه جل وعلا وعن طلب المغفرة والرحمة. فقال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا»، كما قال الله جل وعلا: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾. فالناس أو أهل الإيمان على هذه الأقسام الثلاثة: إما ظالم لنفسه بفعل المعاصي أو ارتكاب شيء من المحرمات أو بالتقصير في الواجبات، ومنهم مقتصد: أن يأتي بما أمر الله سبحانه وتعالى من الواجبات، وهكذا يترك المحرمات، ومنهم سابق بالخيرات، فهو الذي يفعل الواجبات ثم يتبعها بنوافل الطاعات، وهكذا يترك المحرمات ويجتنب المكروهات. وقول أبي بكر رضي الله تعالى عنه، أو تعليم النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر هذا الدعاء، ليس معناه أن أبا بكر رضي الله تعالى عنه واقع في الذنوب والمعاصي، وإنما المقصود من هذا الدعاء هو تعليم الأمة، وهو كذلك أيضا فيه بيان ضعف العبد وفقره إلى ربه سبحانه وتعالى، وأنه ربما يخطئ وربما يقع فيه تقصير وهو في غفلة عن ذلك، فإنه يدعو الله سبحانه وتعالى بمثل هذا الدعاء وأمثاله. وإلا فأبو بكر رضي الله تعالى عنه -كما هو معلوم- من المبشرين بالجنة، بشره النبي عليه الصلاة والسلام بالجنة في أكثر من موضع، وكان رضي الله تعالى عنه من المسارعين في فعل الخيرات. لما سأل النبي عليه الصلاة والسلام الصحابة في يوم من الأيام: «من أصبح منكم اليوم صائما؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من عاد منكم اليوم مريضا؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من شهد منكم اليوم جنازة؟» قال أبو بكر: «أنا». قال: «من تصدق منكم اليوم بصدقة؟» قال أبو بكر: «أنا». قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ما اجتمعت في رجل إلا دخل الجنة». فكان رضي الله تعالى عنه من المسارعين في فعل الخيرات والطاعات، ومع ذلك فإن الإنسان مهما بلغ في العبادة والطاعة والتقوى فإنه فقير إلى الله سبحانه وتعالى، ودائما يكون محاسبا لنفسه ومعترفا بتقصيره. قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلما كثيرا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت». لا يغفر الذنوب إلا أنت، وهذا اعتراف وإقرار بوحدانية الله سبحانه وتعالى وأنه لا إله إلا هو عز وجل، ولا رب سواه، ولا يغفر الذنوب أحد غيره، فهو جل وعلا المتفرد بذلك. كما قال سبحانه: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾. وقال سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ﴾. فهو جل وعلا المتفرد بذلك، لا يغفر الذنوب أحد سواه. فلذلك ينبغي للعبد أن يلجأ إلى ربه سبحانه وتعالى فيطلب منه المغفرة والرحمة وتكفير الذنوب والخطايا. فما يفعله عباد القبور من اتيانهم إلى الأضرحة وسؤالهم العفو والمغفرة والرحمة، فلا شك أن هذا من الشرك بالله سبحانه وتعالى ومما ينافي دين الله سبحانه وتعالى. أو كذلك اتيان بعضهم إلى مشائخهم وطلب المغفرة والتوبة منهم، فكل ذلك من الكفر والشرك؛ لأنه لا يغفر الذنوب إلا الله سبحانه وتعالى. قال: «فاغفر لي من عندك مغفرة، إنك الغفور الرحيم». فاغفر لي من عندك مغفرة، قال العلماء: معناه هب لي من عندك مغفرة متفضل بها، وإن كنت لست لها أهل. وإن كنت لست لها أهل، ففيه طلب المغفرة من الله سبحانه وتعالى، وكذلك التفضل بها أن يتفضل الله سبحانه وتعالى بها عبده وأن يخصه بها من سائر عباده. «إنك الغفور الرحيم»، أي أنت المتسمي بالغفور والمتسمي بالرحيم والمتصف بالمغفرة والرحمة. وختم هذا الدعاء بهذين الاسمين مناسب ومقابل لما تقدم من طلب المغفرة وطلب الرحمة. وقد جاء في رواية: «فاغفر لي من عندك مغفرة وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم». فاسم الغفور مقابل للمغفرة، واسم الرحيم مقابل للرحمة. فهذا الدعاء العظيم علمه النبي عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله تعالى عنه حتى يقوله في صلاته. فينبغي للمسلم أن يحرص على مثل هذا الدعاء أن يأتي به في صلاته، فتأتي به مثلا بعد التشهد وقبل التسليم، فهو موضع من مواضع الدعاء، أو في السجود. قال رحمه الله: باب إذا خاف السلطان. قال: حدثنا محمد بن عبيد، وهو ابن ميمون، قال فيه الحافظ بالتقريب: صدوق يخطئ. قال: حدثنا عيسى بن يونس، وهو عيسى بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، وعيسى هذا من أثبت بني يونس، وهم عيسى ويوسف وإسرائيل، وكان ملازما للأعمش لا يفارقه. قال: عن الأعمش، وهو سليمان بن مهران، قال: حدثنا ثمامة بن عقبة، وهو المحلمي، ثقة. قال: سمعت الحارث بن سويد، وهو التيمي أبو عائشة الكوفي، ثقة، قال: يقول: قال عبد الله بن مسعود، وهو الصحابي الجليل رضي الله تعالى عنه: إذا كان على أحدكم إمام يخاف تغطرسه أو ظلمه، فليقل: «اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، كن لي جارا من فلان بن فلان -يعني من هذا الملك يسميه باسمه- وأحزابه من خلائقك، أن يفرط علي أحد منهم أو أن يطغى، عز جارك وجل ثناؤك، ولا إله إلا أنت». وهذا الأثر صحيح، فهو أثر صحيح موقوف على عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه. فيقول رضي الله تعالى عنه: إذا كان على أحدكم إمام يخاف تغطرسه أو ظلمه -إذا كان الإمام الحاكم والرئيس ظالما يعتدي على الناس ويظلمهم- فإنه يدعو الله سبحانه وتعالى بهذا الدعاء: «اللهم رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، كن لي جارا من فلان بن فلان وأحزابه من خلائقك» -يعني من جماعته وأتباعه وأعوانه- «أن يفرط علي أحد منهم أو أن يطغى» -يعني أن يعتدي عليه فيتعدى حدوده، يعتدي عليه في ماله أو في نفسه أو في عرضه- «عز جارك وجل ثناؤك، لا إله إلا أنت» -يعني عز من أراد جوارك أو استجار بك فإنه يكون عزيزا، وجل ثناؤك أي أنت الذي لك المحامد ولك كمال الثناء، ولا إله إلا أنت أي لا معبود بحق إلا أنت. قال: وحدثنا أبو نعيم، وهو الفضل المدكين، قال: حدثنا يونس بن خباب الأسيدي -صدوق يخطئ، رمي بالرفض- عن المنهال بن عمر -وهو صدوق ربما وهم- قال: حدثني سعيد بن جبير الأسدي -ثقة فقيه- عن ابن عباس قال: إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يصطاد بك، فقل: «الله أكبر، الله أعز من خلقه جميعا، الله أعز مما أخاف وأحذر، أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو الممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه، من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس. اللهم كن لي جارا من شرهم، جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك» ثلاث مرات. وهذا الأثر كذلك صحيح، وهو كذلك أثر موقوف على ابن عباس. فهو يقول رضي الله تعالى عنه: إذا أتيت سلطانا مهيبا تخاف أن يصطاد بك -يعني أن يعتدي عليك- فقل: «الله أكبر» -يعني تدعو الله عز وجل بهذا الدعاء- «الله أكبر» أي أن الله عز وجل أكبر من كل شيء فلا أحد أكبر منه، «الله أعز من خلقه جميعا، الله أعز مما أخاف وأحذر»، «أعوذ بالله الذي لا إله إلا هو» -أعوذ يعني أستعيذ بالله وأطلب الالتجاء والاعتصام بالله سبحانه وتعالى الذي لا إله إلا هو، لا معبود بحق إلا هو، ولا إله مستحق للعبادة إلا هو وحده- «الممسك السماوات السبع أن يقعن على الأرض إلا بإذنه» -وهذا من كمال خلق الله سبحانه وتعالى وقوته وقدرته، فمن المخلوقات العظيمة السماوات السبع التي خلقها الله عز وجل، لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون، وهو جل وعلا الذي يمسكها ويمسك السماوات أن تقع على الأرض إلا بإذنه، فهو جل وعلا القادر، لو أراد سبحانه أن يوقع السماوات على الأرض، وهذا من كمال قوة الله سبحانه وتعالى وقدرته- «من شر عبدك فلان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس»، تستعيذ بالله عز وجل مع ذكر هذا الثناء على الله من شر هذا السلطان وجنوده وأتباعه وأشياعه من الجن والإنس. «اللهم كن لي جارا من شرهم، جل ثناؤك وعز جارك وتبارك اسمك ولا إله غيرك». فهذا كذلك أثر صحيح. وتلاحظون أن في الأثر الأول والثاني فيه بيان أن المسلم إذا خاف جور السلطان وظلمه فإنه يلجأ إلى الله سبحانه وتعالى بالدعاء والتضرع إلى الله عز وجل، وهو دليل على ما عليه أهل السنة والجماعة من عدم جواز الخروج على السلطان مهما ظلم وجار، فظلمه وجوره لنفسه، والواجب هو الصبر وعدم نزع يد الطاعة، كما دلت على ذلك الأدلة من الكتاب والسنة، وعليه إجماع السلف. قال: وحدثنا موسى، قال: حدثنا سكين بن عبد العزيز، عن قيس -وهو العبد العطار، صدوق- قال: أخبرني أبي -وهو عبد العزيز بن قيس، قال الحافظ بالتقريب: مقبول- أن ابن عباس حدثه قال: من نزل به هم أو غم أو كرب أو خاف من سلطان فدعى بهؤلاء استجيب له: «أسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب العرش العظيم، وأسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع ورب العرش الكريم، وأسألك بلا إله إلا أنت رب السماوات السبع والأراضين السبع وما فيهن، إنك على كل شيء قدير، ثم سل الله حاجتك». وهذا الأثر بهذا السند الضعيف؛ لأن عبد العزيز بن قيس مجهول. إلى هنا والله تعالى أعلم.