الدرس في التعليق على دليل السالك إلى ألفية ابن مالك 204، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يشرح المقطع المعاني الخمسة لحرف العطف "أو" مستنداً إلى قول ابن مالك، وهي: التخيير والإباحة بشرط سبق جملة إنشائية، والتقسيم لأنواع الشيء، والإبهام من المتكلم على المخاطب مع علمه بالجواب، والشك من المتكلم في الحكم مع جهله بالجواب، والإضراب الإبطالي الذي ينفي الحكم السابق ويثبت ما بعده. كما يبين شروط كل معنى وتمييزه عن غيره.
يشرح المقطع المعنى السابع لحرف "أو" وهو الدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع بين المتعاطفين بمعنى الواو، مستدلاً بحديث "أثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان" الذي ورد بالواو في رواية أخرى، وببيت الشاعر "جاء الخلافة أو كانت له قدرا" حيث لا يحتمل الشك أو الإبهام. ويشير إلى أن هذا الاستخدام يشترط عدم وجود لبس في المعنى.
توضح الدرس أن "إما" الأولى حرف يفصل بين العامل (كـ "أعطني") والمعمول (كـ "كتاب")، ويعرب ما بعدها حسب حاجة العامل (فاعلاً، مفعولاً، حالاً، أو بدلاً). أما "إما" الثانية فتشبه "أو" في خمسة معانٍ (التخيير، الإباحة، التقسيم، الإبهام، الشك) وتخالفها في الإضراب ومعنى الواو، وهي ليست عاطفة بل حرف تفصيل يأتي دائماً بعد الواو.
يفسر المقطع عبارة «إما ذي وإما النائية» بأنها تعني «خذ إما هذه الشاة القريبة وإما البعيدة»، ويضرب مثالاً توضيحياً على هذا التركيب، ثم يختم بالاكتفاء بهذا القدر. ويوضح كيفية تطبيق القاعدة النحوية على هذا المثال العملي.
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه. قال ابن مالك رحمه الله: «خير أبح قسم بأو وأبهمي، واشكك وإضراب بها أيضا نمي، وربما عاقبت الواو إذا لم يلفذ النطق للبس منفذ». قال: السادس من حروف العطف «أو»، وله عدة معاني يحددها السياق، يعني تستطيع أن تميز بين هذه المعاني من خلال السياق، سياق الكلام. قال: ومنها -أي من هذه المعاني- التخيير والإباحة، وهذا معنى قول: «خير أبح». وما ضابط ذلك؟ قال: وذلك إذا سبقت بصيغة دالة على الأمر، سواء كانت للتخيير أو للإباحة، لا بد أن تسبق بجملة إنشائية، يعني دالة على الأمر، دالة على الأمر. فمثال التخيير: «تزوج حفصة أو أختها». فـ «تزوج» هنا أمر. طيب، وسُمّي التخيير لأنه لا يجوز الجمع بينهما، فتختار واحدا: إما قبل الواو أو بعد الواو، لأنه لا يجوز الجمع بين الزوجة وأختها، فهنا لك أن تتخير واحدا، أو أن تختار واحدا: إما تتزوج حفصة وتترك أختها، وإما تتزوج الأخت وتترك حفصة. قال: ومثال الإباحة: «اقرأ النحو أو البلاغة». والفرق أن الإباحة يجوز لك الجمع، يجوز لك الجمع بين المعطوف والمعطوف عليه، فلا مانع أن تدرس النحو والبلاغة. قال: والفرق بينهما جواز الجمع بين المتعاطفين في الإباحة دون التخيير. قال: ثانيا: التقسيم، وبيان الأنواع: نحو «الكلمة اسم أو فعل أو حرف». هنا «أو» أتت للتقسيم، لأن هذه أنواع الكلمة، هذه أنواع ماذا؟ الكلمة. ومثل ما تقول مثلا: على سبيل المثال، مثلا: «الجملة اسمية أو فعلية». هذا هو هنا للتقسيم. قال: ثالثا: الإبهام من المتكلم على المخاطب، بشرط أن تسبق أو بجملة خبرية. ومعنى الإبهام: أي أن المتكلم يعرف الجواب، المتكلم يعرف الجواب، ولكنه يوهم المخاطب، يوهم ماذا المخاطب؟ مثاله: تقول: «حضر صالح أو علي». أنت الآن تعرف من الذي حضر، هل هو صالح أو علي؟ تعرف ذلك، ولكن أتيت بـ «أو» هنا من أجل أن توهم المخاطب، توهم المخاطب. ولذلك قال هنا: إذا كنت تعلم الحاضر منهما ولكن قصدت الإيهام أو الإبهام على السامع، الإبهام على السامع. ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾. فهنا يعرف من هو على الهدى ومن هو على الضلال، فلا شك أن المؤمنين على الهدى وأن الكافرين على الضلال، وإنما «أو» هنا وردت بهذا المعنى وهو الإبهام على السامع. قال: رابعا: الشك من المتكلم في الحكم. ومعنى الشك: أن المتكلم ما يدري من منهما. ومثل الأول، لكن الفرق -يعني مثل الإبهام- الشك هو مثل الإبهام، لكن ما هو الفرق بين الإبهام والشك؟ الإبهام: أن المتكلم يعرف، يعرف الجواب. وأما الشك فالمتكلم لا يعرف الجواب. قال: بشرط أن تسبق أو بجملة خبرية أيضا، كالمثال السابق: «إذا كنت لا تعلم من حضر منهما»، إذا كنت لا تعلم، أنت في شك، أيضا ما عندك علم. ومنه قوله تعالى: ﴿لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾، لأنه ما يدري كم لبث، فأورد «أو» هنا مورد الشك، وهو شاك: اللبث يوم أو بعض يوم. فهذا هو الفرق بين الشك والإبهام. قال: خامسا: الإضراب، والمراد به الإضراب الإبطالي، وهو إبطال الحكم السابق ونفي مضمونه والانتقال عنه إلى ما بعده. نحو: «عندي عشرة ضيوف أو زاد ثلاثة». يعني كأنك تقول: «بل زادوا ثلاثة». فإذا هم ليسوا عشرة، صح؟ فأنت أضربت عن الأول، الحكم السابق وهو العشرة، إلى ثلاثة عشر، أنهم زادوا على العشرة ثلاثة. طيب، فهذا إبطال للحكم السابق ونفي للعشرة، والانتقال إلى ما بعده وهو ثلاثة عشر. قال: سادسا: الدلالة على الاشتراك ومطلق الجمع بين المتعاطفين، فتكون بمعنى الواو، يعني تأتي «أو» بمعنى الواو، لا تفيد شيئا من المعاني المتقدمة، ولا تفيد ترتيبا ولا تعقيبا ولا شيئا من ذلك، وإنما يؤتى بها فقط لمجرد العطف والاشتراك في الحكم. مثاله: قال: ومثال ذلك قوله صلى الله عليه وسلم: «أثبت أحد، فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيدان». وقد ورد الحديث برواية أخرى بالواو، ليدل ذلك على أن «أو» هنا أتت بمعنى الواو، فكأنه قال: «أثبت أحد، فما عليك إلا نبي وصديق وشهيدان». فـ «أو» هنا أتي بها لمجرد العطف والاشتراك في الحكم، وهو وجود هؤلاء على جبل أحد. قال: وكقول الشاعر: «جاء الخلافة أو كانت له قدرا ... كما أتى ربه موسى على قدري». قال: فاستعمل الشاعر «أو» بمعنى الواو: «جاء الخلافة أو كانت له قدرا»، يعني: «وكانت له قدرا». لماذا ما نقول: «أو» تفيد الشك أو الإبهام؟ لأن قوله: «كانت له قدرا» لا يمكن أن يشك واحد أن الخلافة إنما جاءت بالقدر، ما في شك، ما في إبهام. ها، هل هو جاء الخلافة لا، أو إنما جاءته قدرا مما قدره الله؟ فهنا لا شك أن «أو» بمعنى الواو: «جاء الخلافة وكانت له قدرا، وكانت له قدرا». قال: فاستعمل الشاعر «أو» بمعنى الواو، أي: «وكانت له قدرا»، لوضوح المعنى وعدم اللبس، لأن الخلافة لا تتحقق إلا مع قضاء الله وقدره، فهي بمعنى الواو. إذن ما فيه معنى الإبهام، وما فيه معنى الشك، وما فيه معنى الإضراب كذلك. وأما التخيير والإباحة فلا يمكن، لأن الجملة لم تسبق -أو لم تسبق- بجملة إنشائية بطلب أو أمر. قال: وإلى هذه المعاني أشار بقوله: «خير أبح» إلى آخره. فتضمن البيت الأول ستة معانٍ. قوله: «خير» أي التخيير، أي التخيير. «أبح» أي الإباحة. «قسم» أي التقسيم. «وأبهم» أي الإبهام. «وشكك» أي الشك. «وإضراب» أي الإضراب. وهذه ستة معانٍ، لو حسبتها في البيت الأول، لا، كان العدد كم؟ ستة. قال: وقوله: «وإضراب بها أيضا نمي»، أي: نسب إليها، لأن النما هو بمعنى الانتماء، الانتماء، أي: نسب إليها بمعنى أنها تؤديه، أي من معانيها الإضراب. قاله. وفي البيت الذي يليه ذكر المعنى السابع، وهي أنها بمعنى ماذا؟ الواو. فقال: «وربما عاقبت الواو». «عاقبت» يعني: أتت بمعنى، أتت بمعنى، وصح أن تحل محله، صحة أن تحل محل الواو. ولذلك قال هنا: «وإضراب بها أيضا نمي»، أي: نسب إليه بمعنى أنها تؤديه. وفي البيت الذي يليه ذكر المعنى السابع، ومعنى «عاقبت الواو»: أي جاءت بمعناها، وصح أن تحل محلها. وقوله: «لم يلفي» أي: لم، أي: يجد. يعني: لم يجد ذو النطق، أي: المتكلم، للبس منفذة، أي: بشرط ألا يجد المتكلم في استعمالها بمعنى الواو منفذا للالتباس، أي: طريقا إليه، بسبب خفاء المعنى المراد وعدم إدراك السامع عنها بمعنى الواو. قال: ومثل «أو» في القصد: إما الثانية، في نحو: «إما ذي وإما النائية». قال: تأتي «إما» مسبوقة بمثلها، نحو: «أعطني إما كتاب التفسير وإما كتاب الفقه». ولا خلاف بين النحاة في أن الأولى ليست عاطفة. «إما» الأولى لا تكون عاطفة، بل حرف يفصل بين عامل قبله ومعمول يليه. ما هو العامل قبله؟ «أعطني»، هذا عامل. طيب، وأين المعمول؟ «كتاب»، كتاب مفعول به، لماذا لـ «أعطني»؟ مفعول ثاني، أن «أعطى» ينصب ماذا؟ مفعولين. فهذا معنى قوله: «بل حرف يفصل بين عامل قبله وهو أعطني، ومعمول يليه وهو كتاب»، لأنه لا يسبقها معطوف، ما في قبلها معطوف، هذه الأولى. قال: وما بعدها يعرب على حسب حاجة العامل قبلها. يعني: ما بعد «إما» الأولى، ما بعد «إما» الأولى يعرب على حسب ما يقتضيه العامل. إن أراد فاعلا كان ما بعد «إما» فاعلا، وإن أراد مفعولا كما في المثال، أعرب ما بعدها مفعولا، وهكذا. قال: فقد يكون فاعلا: «أنه سافر إما محمد وإما علي». فما إعراب محمد؟ فاعل، طيب، لأن العامل يحتاج إلى فاعل. وقد يكون مفعولا كالمثال المتقدم: «أعطني إما كتاب التفسير»، فكتاب هنا ما إعرابه؟ مفعول به. وقد يكون حالا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً﴾، فشاكرا هنا حال، كون حاله شاكرا، نعم. قال: وقد يكون بدلا كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾. ما هو هذا الذي يوعدون؟ العذاب. إذن هو بدل من «ما»، العذاب بعد «إما» بدل من «ما»، لأنه فيه معنى «ما» هنا فيها معنى العذاب العام. قال: فـ «العذاب» بدل من «ما»، هذه الأولى. قال: وأما الثانية فالصحيح أنها تشبه «أو» في تأدية معنى من المعاني الخمسة المتقدمة، وهي: التخيير، نحو: «خذ إما ثوبا وإما درهما». فقوله: «وإما درهما»، أي: لك أن تتخير، لك أن تتخير، ويجوز لك أن تجمع بين الأمرين، ولا يجوز لك أن تجمع بين الأمرين، إنما تختار واحدا. والإباحة: نحو: «جالس إما الفقهة وإما النحاة»، فلك أن تجمع بينهما. والتقسيم: نحو: «الاسم إما جامد وإما مشتق»، هذا واضح. والإبهام والشك: نحو: «سافر إما خالد وإما عصام»، ويعني هذا محتمل: إذا كنت عارفا عالما بمن الذي سافر فهي تفيد ماذا؟ الإبهام. وإذا كنت لا تدري فهذا تفيد ماذا؟ الشك. ولا تأتي للإضراب. إذن تأتي بالمعاني الخمسة، ولا بمعنى الواو، فهي تأتي بمعنى «أو» في خمسة من معانيها، وتخالف «أو» في اثنين من معانيها. ما هما الاثنان؟ الإضراب ومعنى الواو. قال: وليست عاطفة، أي: «إما» الثانية، لأنها تقع دائما بعد الواو العاطف بلا فاصل، وحرف العطف لا يدخل على حرف العطف، بل هي حرف تفصيل. ومعنى هذا أنك لو نظرت في جميع الأمثلة لرأيت أن قبل «إما» الثاني الواو، صح؟ «أعطني كتاب التفسير، أعطني إما كتاب التفسير وإما كتاب»، صح، صح. وأيضا المثال الثاني: «سافر إما محمد وإما علي»، تتكرر الواو معها. فقالوا: العطف بالواو لأنه أم الباب، وأما «إما» فليست هي حرف عطف، وإنما هي حرف تفصيل، تفصل ما بعد الواو. قالوا: هذا معنى قولي: «ومثل أو في القصد إما الثانية»، أي: إن «إما» الثانية في المثال المذكور مثل «أو» في القصد، أي: في المعنى، كما تقدم، معنى في خمسة من معانيها. وهذا في إشارة إلى أنها غير عاطفة، ولذا لم يذكرها في تعداد حروف العطف أول الباب، يعني: أول ما ذكر حروف العطف. لكنها ذكرت مع حروف العطف: إما لمشاركتها لـ «أو» في الغالب معانيها، وهي خمسة معانٍ، أو للرد على من قال إنها عاطفة، أو لغير ذلك. وقولوا: «إما ذي وإما النائية»، التقدير مثلا: «خذ إما هذه الشاه القريبة وإما النائية»، أي: البعيدة. يعني هذا مثال ذكره في البيت. طيب، نكتفي بهذا. وإلى هنا.